عنوان الدراسة
كتاب في موقع :::: التشكيل المعاصر في العراق :::: عادل كامل
الكاتب
عادل كامل/ بغداد
التاريخ
2011-04-12

 

 

 

 

كتاب في موقع

 

التشكيل المعاصر في العراق

   جذور التجربة  ومسارات التحديث

 

عادل كامل

التشكيل العراقي في مائة عام

التجريب / التأسيس / الحداثة

مدخل الى الحداثة :

(( هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي ان القرن العشرين جاء بنوع جديد من الفن )) بيد ان محررا كتاب (( الحداثة )) سيستشهدان بمئات المقولات والتعريفات الخاصة بمصطلح الحداثة منذ ( 1890 ) حتى ( 1930 ) .

     لكن القرن العشرين ، على حد قول هربت ريد ، يجعل الحداثة وليدة هذا العصر . بكلمة أخرى أنها تمتلك مبرراتها . بل يمكن القول أنها تمثل قطيعة عن الماضي .. لكن هذه القطيعة مضللة ، بشكل أو بآخر . لكنها مثيرة وأكيدة على صعيد التقنيات والأشكال المبتكرة التي تبدو بلا معنى أو بلا هدف . بيد ان تذكر المدارس والتجارب الفنية التي ظهرت ، منذ الانطباعية ، حتى منتصف هذا القرن ، لا يمكن إخضاعها لتعريف أخير .

     إلا ان محررا كتاب (( الحداثة )) يقولان : (( هناك شبه اتفاق على معنى مصطلح (( الحداثة )) ولون الآراء تضاربت حول تفاصيله وطبيعته . لقد أستقر النقد في تحديد بعض جوانب الحداثة . ونحن نقرأ الآن عبارات مثل : الحركة الحديثة ،التراث الحديث ، العصر الحديث ، القرن الحديث ، المزاج الحديث ثم … ((الحداثة التي نذكرها الآن كما نذكر (( عصر النهضة )) أو (( عصر التنوير )) . وما يعاب على هذه التسمية – الحداثة – هو أنها تحدد سلفاً ما يجب ان نتخذه من مواقف ووجهات نظر إزاءها ، ثم ان هذه التسمية تحتوي على الكثير من ظلال المعنى الذي قد لا ننجح في استخدامه بصورة دقيقة )) .

     على ان مفهوم (( الحداثة )) يتطور بتطور الزمن ، فما كان حديثاً في السنة الماضية لا يكون حديثاً في هذه السنة .. ولقد مر هذا المصطلح بمراحل من التغير والتغيير السريع ، ربما أسرع من (( الرومانسية )) أو (( الكلاسيكية الجديدة )) .. على أننا بالإمكان ، لو عدنا الى بداية هذا القرن ، أن نعتبر تجارب حديثة باعتبارها صاغت الأفكار على نحو جديد تماماً .. وتختلف عن الأسلوب الذي كان سائداً قبل خمسة قرون . أنه ضرب من الثورة (( أو تدمير الأشكال التقليدية لخلق قواعد إبداعية تناسب روح العصر .

     على ان هذه القواعد سرعان ما ستنسفها تجارب جديدة )) فإذا كانت الانطباعية قد حصلت على الاعتراف الرسمي ، فأن جيل ما بعد الانطباعية قد أحدث ثورة داخل الثورة السابقة . وإذا كانت ( الدادا ) قد قدمت تجاربها الصاخبة ، فان (السوريالية ) ستفرض هيمنة كاملة لأكثر من عقد من الزمن . من ناحية ثانية أننا نتذكر التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية والرمزية والتجريدية .. الخ التي لا يمكن عزلها عن مفهوم الحداثة الأوربية .

     وسنلاحظ ان مالكم برادبري و جيمس ماكفارلن يعترفان بجلاء (( ان سبب عدّنا الحداثة سمة بارزة من سمات فننا المعاصر يكمن في كونها خير ما يمثل الفوضى الحضارية والفكرية التي تعم حياتنا المعاصرة والتي جاءت بها الحرب العالمية الأولى . لقد تغير عالمنا كثيراً وواكب ظاهرة التغير هذه تفسيرات شتى . هناك تفسيرات ( ماركس ) و ( فرويد ) و ( دارون ) . ونتلفت حولنا لنجد الرأسمالية وكيفية استغلالها الصناعة ، ثم نجد الوجودية ودعوتها الى العبث واللاجدوائية . والحداثة هي بعدئذ أدب التكنولوجيا . أنها الفن المتأتي من عدم الاعتراف بالأمور الواقعية التقليدية ومن تحطم تكامل الشخصية الفردية . أنها الفن الذي ولدته الفوضى اللغوية القائمة على استهجان بعض الظواهر العامة للغة ، أنها الفن الذي حول الواقع الى خيال نسبي . إذن الحداثة هي فن (( التحديث )) فن الابتعاد الصارم عن المجتمع . أنها ، كما يعتقد الفنانون التعبيريون ، فن اللا فن الذي يحطم الأطر التقليدية ويتبنى رغبات الإنسان الفوضوية التي لا يحدها حد . بهذا المعنى ، لا تكون الحداثة عن الحرية ، بل فن الضرورة )) .

     هكذا نكون إزاء مستويات متباينة لتحديد هذا المصطلح .. إلا أننا في الغالب ، ونحن نقترب من نهاية القرن العشرين ، نعترف بالجهود الجبارة التي تحققت على صعيد الفن والأدب عامة . فالحداثة لم تهبط من الفردوس أو من العدم . أنها مشكلة حضارية ومشكلة جمالية .. مثلما هي مشكلة بحث عن المعنى الأخر : معنى إنسان هذا العصر .

     فالآثار التي تركتها ، منذ الانطباعية والتكعيبية والتعبيرية والمستقبلية ، مازالت تدرس ، مثلما ندرس آثار عصر النهضة والعصور الأكثر توغلاً في القدم .. بل مازالت الحداثة تثير الأسئلة .. ولم يحصل هذا بفعل المواهب الفردية فحسب ، بل بفعل المناخ الحضاري العام . أنها وليدة الضرورة إذن . لكن علينا أن نتأمل التراث السابق لهذه النزعات المتمردة والمجددة .. أي التراث بكل ما يتضمن من قواعد وتقاليد من ناحية .. وان نعيد النظر بدراسة المواهب الكبرى التي مثلت الحداثة من ناحية ثانية .

     فالتراث الكلاسيكي لم يكن إلا مظهراً من مظاهر الحضارة ، منذ عصر النهضة ، كما ان المواهب التي ظهرت لم تكن متطرفة بالتجديد إلا عن خبرة واستجابة لحقائق الحضارة . يكفي أن نتذكر ( مونيه ) و ( براك ) و ( بونار ) و (رينوار ) و(ميرو ) و ( دالي ) مثلاً .. فهم أساتذة كبار في فهم التجارب السابقة .. أي ، في الحالتين نحن إزاء تجارب لم تلغ التراث السابقة .. وهنا يمكن تأشير حقيقة أولى : ان التيارات التي ظهرت لم تستمر طويلاً .. لكن روادها واصلوا إبداعاتهم .. أي أننا لا نستطيع إلغاء المواهب بسبب موت الظاهرة .

     وعلى أية حال لا يمكننا تقديم الصورة الشاملة لها التي ظهرت في أوربا .. في باريس أو لندن أو روما أو زيورخ مثلاً .. إنما لابد من الاعتراف بأن ثورة الفن الحديث ، لها أسبابها وقوانينها .. إلا ان الفانين العرب لم يتعرفوا على هذا الإنجاز ، أو هذا الواقع الفني إلا بفعل دراستهم في تلك المدن التي شهدت تلك الإبداعات بالدرجة الأولى . ومن هنا كانوا أقرب الى الفن الأوربي ، في نزعة الحداثة ، منهم الى تجاربهم القديمة . لكن الواقع سيتغير ، وعلى نحو سريع .

 

 

الحداثة بين المحلي والعالمي :

 

     ربما هناك بيانات غير البيان المستقبلي الذي نشره الكاتب الإيطالي (مارينيتي) في العام 1909.. أي البيان الذي كان يريد به كاتبه الرحلة من العقل الى المجهول .. أي هناك بيانات عدد من التعبيريين الألمان .. وبيانات الدادا .. والبيانات السوريالية .. وغيرها .. إنما هذه البيانات ذات الطابع المحلي أو الوطني ، سعت – بوعي منها أو بلا وعي – لتكون مؤشراً من مؤشرات العصر . فالبيان المستقبلي الأول ، مثلاً ، كان يمثل الروح القومية الإيطالية .. والاحتجاجات التي وردت في البيانات الأخرى لا تختلق كثيراً عن هذا الاتجاه . إلا ان الزمن برهن على عكس ذلك وبدرجات مختلفة نسبياً . على الأقل ، في مجال التقنيات الفنية . فالشاعر (مايكوفسكي ) كتب لثورة تحرر الفيوم من الموت .. و ( ابولونير ) كان لا يريد ان يكون فرنسياً .. وبيكاسو حافظ على مزاجه الأسباني ، أي ان الحداثة ، بهذا المعنى الشامل لها ، كانت محلية المنشأ ، أو الأسباب ، إلا أنها سرعان ما غدت ظاهرة عالمية .

     ولتحديد هذا المعنى علينا أن نتذكر جذورها الأخرى :مثال على ذلك إنجازات (غويا ) أو ( دوميه ) أو ( دورر ) .. فهؤلاء هم من أكثر الكلاسيكيين فهماً للمعنى الوطني .. إلا أنهم ، من أكثر رواد الحداثة للتعبير عن إشكاليات الإنسان تجاه اغترابه .

     وعلى كل فأن هذا التداخل ينسحب على المراحل المختلفة للفن . فليس ثمة نزعة عالمية مجردة قبل تكامل شروطها .. إلا ان نزعة الحداثة ، وبفعل عوامل السرعة والحوار والتقنيات الجديدة ، لم تعد نزعة محلية بالمعنى الضيق أو القاتل . فأهم الإنجازات التي تحققت في باريس أو لندن أو روما مثلاً كانت ثمار لقاءات حشد كبير من فناني مختلف الجنسيات .. ومهما كان التعصب الفرنسي مباشراً تجاه الأجانب – حسب كتاب الحداثة – إلا ان عدداً كبيراً من رواد الحداثة هم من غير الفرنسيين . إلا أنهم في الأخير كانوا من المؤسسين لها . ومهما كان الخلاف حاداً بين نزعة الانتماء الى بقعة جغرافية محددة ، أو الانتماء الى العالم كله ، فأن العلاقة بين الوطني والإنساني لم تظهر بهذا الوضوح ، كما ظهرت في مطلع هذا القرن . ليس ذلك بفعل الاتصال فحسب ، بل بفعل المكتشفات العلمية والتبادل الاقتصادي وربما بفعل الاستعمار نفسه .

     هنا يمكن اعتبار الحداثة ، بعيداً عن التعميم ، ثمة عدة حضارات .. فمثلاً يقول الفنان شاكر حسن (( كان ما يمثل الثقافة العربية في العراق إذن كل ثقافات الأقوام القادمة من شبه الجزيرة العربية طوال آلاف السنين .. مضافاً إليها الثقافات المجاورة من جهة ، وهي على الأغلب آسيوية المشرب ، إسلامية الملامح ، بعد ان تمثلت الفكر الإسلامي )) .

     ففي الفن التشكيلي ، على تضاد أو اختلاف نسبي عن الشعر أو الرواية ، يستطيع الفنان التعبير عن المعنى بحرية أكبر من الشاعر أو القاص .. فبيكاسو تأثر بالفن الزنجي .. وفان كوخ تأثر بالفن الياباني .. وبول جوجان عاش سنوات ازدهاره الفني خارج فرنسا .. والمر هذا يلقي الضوء على كبار الكتاب أمثال إزرا باوند وجيمس جويس مثلاً .

     وفي الحالات كلها أشير الى ان الحداثة لم تكن ثمرة لحظة خاطفة من الزمن .. وأنها في الوقت نفسه لم تكن نزعة (( مدمرة )) للفن حتى في مثال (( الدادا )) .. إنما الضرورة التاريخية لعصر جديد حتمت اتخاذ أسلوب أو أساليب جسدت قلق العصر : القلق تجاه حركة الزمن والمستقبل شبه المجهول . وأقول (( تجسد )) لأن الحداثة لم تصبح ( بالية ) أو عفى عليها الزمن .. مثلما أننا ما نزال نندهش لإبداعات عصر الكهوف أو الفن المصري القديم . لكن الحداثة لا تعني ، حسب المصطلح ، الفن الحديث أو المعاصر أو الجديد ..بل دفعنا لفهم أو تفهم أعمق لكثير من الآراء الخاطفة الخاصة بالإبداعات الجديدة .. وهنا لابد ان نثير السؤال التالي : هل يختلف القرن العشرين عن سواه ؟

     أجل . يختلف .. فهناك اكتشافات مذهلة تبدو لا علاقة لها بالماضي . هناك : دارون .. ماركس .. مندل .. فرويد .. أينشتاين .. وغيرهم .. فبعد خمسة قرون  من عصر النهضة ، ترى أوربا النور .. أي هذه المعارف مجتمعة لبلورة حقائق كلية وجديدة مما حتم – حسب غار ودي – ظهور رد فعل مناسب لها . تارة يمثلها ويدعو لها وتارة يقف ضدها . وفي الحالتين فأن النزعة الوطنية – القومية – سرعان ما فقدت محدوديتها في المعالجة ، لتصبح ظاهرة عالمية .

     من هنا كانت هذه التجارب تلفت أنظار الجمهور وطلاب الفن . وبالإمكان اليوم الاعتراف ان الحداثة بهذا المعنى كانت متوجهة نحو العالم .. باعتبارها حصيلة ثقافات مختلفة .. وبالتالي فأن أثرها ، وحتى أن جاء في وقت متأخر في عدد من البلدان ، يؤكد أهميتها .         

     فإذا كان (( بول سيزان )) قد اعترف – قبيل وفاته عام 1906- (( هرمت ولم أحقق شيئاً ، ولم يعد لي متسع لأحقق بعد أي شيء . وسأبقى بدائياً في الخط الذي اكتشفته )) فأن الحداثة ، عامة ، كانت تأخذ طريقها نحو النضج والتكامل . وكان سيزان أحد روادها الكبار .

     وهنا لابد من إشارة حول المصطلح وإشكالياته . فجميع نقادنا استعملوا تعريفات مثل (( المعاصرة )) (( الفن الحديث )) (( الفن الجديد )) (( الرؤية المعاصرة )) (( الفن المعاصر )) الخ كما ان هناك عدداً من الكتب تحمل هذه التسميات ذاتها .

     لكن الذي لفت نظري ان الدكتور محسن الموسوس كان قد أصدر كتاباً يحمل عنوان (( نزعة الحداثة في القصة العراقية )) بمعنى أنه لم يستعمل مصطلح ((الحداثة )) لأسباب أعتقد أنها موضوعية ، يمكن أن تنطبق على الفن التشكيلي لدينا . فليس لدينا (( حداثة )) بالمعنى الشامل لها لا في القصة ولا في الفن التشكيلي مثلما أستعمل هذا المصطلح في التجارب الأوربية المعروفة في مجالات الرسم أو الشعر أو الرواية .

     على أننا لا نستطيع إلغاء الجهود الواضحة للفنان العراقي وهو يبلور ملامح ((نزعته)) ((للحداثة)) التي سنلاحظ أنها قد بدأت بالتقليد ثم تدرجت بالنمو والتطور لتبلغ مرحلة متميزة وتأسس له ريادة في جدلية العلاقة بين الموروث والتراث الإنساني العالمي الحديث أو المعاصر أو الجديد . وسيلاحظ المتتبع مدى الإرباك في استعمالات هذه المصطلحات والصفات والإيماءات التي يمكن إيجازها بأنها جميعاً تعني – تقصد – تتوخى – التجديد إزاء أشياء أو قواعد قديمة اجتماعياً وفنياً .

     وحسب تاريخ الفن العام وحقائق التطور فأن ثمة علاقة للمناخ العام – الاجتماعي السياسي الاقتصادي النفسي الخ – في مغزى التطور وفي ازدهار الرؤى المعاصرة أو في قمعها .

     فعنوان الدكتور الموسوس (( نزعة .. )) ربما لا يضلل القارئ حول معنى الحداثة ، إنما يقربه منها وهو يعلم ، كما نعلم في التشكيل العراقي ، أننا إزاء تأشير حداثتنا الذاتية – الوطنية ونحن ندرس الظاهرات الحديثة – الجديدة .. فليس لدينا هذا التحديد الدقيق لمصطلح الحداثة .. ومع ذلك فأنني أتفق مع رأي الاستاذ شاكر حسن في (( … ان يقظة الفنان العراقي الحديث ، ومن ثم انبعاثه لم يستغرق أكثر من ثلاثين عاماً ، كمرحلة تمهيدية من ( 1921-1951 ) للفترة اللاحقة )) ويأتي حكمه (( لقد شهدت بغداد إذن عصر حريتها من جديد عند منتصف القرن العشرين ، وأصبح ميسراً للبغدادي أن يزهو بحضارته المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين ، وأن يستمر في صنعها )) موازياً لبلورة الأسلوب المعبرّ عن قضايا تخص الأساليب الممثلة لتطور المجتمع ذاته .

     فالحداثة في الفن العراقي ، إذن توخت ، مجهود عدد من الموهوبين ، التعبير عن مغزى الأصالة أولاً والتعبير عن معنى الفن ثانياً .

     بمعنى ان حدود (( التمرد )) – أي الحداثة تجاه واقع فني تقليدي سائد – كانت تتخطى الواقع الاجتماعي والثقافي بحدود لا يمكن ان تقارن بالواقع الأوربي . ومثال ذلك هل كان الفنان أو الشاعر العراقي ان ينشر بياناً في الصحافة يزعم فيه أنه هو رئيس الدولة ودون عقاب ؟ في الوقت الذي كانت فيه التجارب تولد وتزول تاركة ذاك الظلال الرمادي في مجريات حياة عصر الماكنة والحروب الطاحنة .

     فماذا كان المتتبع سيقول لو صادفته هذه الجملة ، في الخمسينات أو الستينات ، التي تصور دور السورياليين بأنهم (( يظهرون للعيان السريان الداخلي لفعل الرسم ويتتبعون السجل الزلزالي لهزات الدماغ العميقة )) ومع ذلك أقام السورياليين الأوائل محاكمة لأحد أتباعهم بارتكاب (( جرائم ضد أمن العقل )) .

     بإيجاز نحن بصدد جهود حاولت ألا تكون نسخة من الحداثة الأوربية . ولعل نقاد المستقبل سيلاحظون ، أفضل منا ، ان معنى الحداثة الذي قصدته هنا – متفقاً مع رأي الدكتور الموسوس – هو نزعة لتخطي الواقع السائد .. اجتماعياً من خلال الفن .. دون إهمال الجانب الجمالي والتربوي – التعليمي . وذلك من خلال بحثهم عن أســــاليب أكثر إتقاناً وفناً للتعبير عن واقع الإنسان ، وبفن لا يفقد شرطه الوطني .

 

بداية الحركة الفنية الحديثة في العراق :

 

     يقول الفنان نزار سليم (( يعود الفضل في بداية الحركة التشكيلية ، في أوائل القرن ، الى عدد من الرسامين الهواة ، أشهرهم عبد القادر الرسام الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني وزملاؤه الحاج محمد سليم ، ومحمد صالح زكي ، وعاصم حافظ وغيرهم ممن تعارف على تسميتهم بالأوائل ))  

     إن هذه البداية ، ستكون نواة لحركة فنية لا تقارن إلا بالتجارب الرائدة في مصر ، ففي الأربعينات ، ستشهد الحركة الفنية ظهور أسماء جديدة .. هنا يصف الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا تلك السنوات على النحو التالي : (( لقد كانت الأربعينات فترة الاكتشاف والدهشة والتوقع ، فقد بدأت الأربعينات بهجرة بعض الفنانين البولونيين الى بغداد بسبب الحرب . فتعرف إليهم جواد سليم وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم . وأول ما فعل البولونيين هو أن نبهوا هؤلاء الرسامين الشباب الى قيمة اللون وإمكاناته الهائلة ، إذ كان بعضهم قد درس على بونار بباريس ، وأتخذ (( النقطــة أسلوبــاً له ، وكان ذلك للرسامين البغداديين الشباب كشفاً عن عالم جديد ))      لكنه يذكّرنا  ، في مقال بعنوان : (( الفن الحديث في العراق )) ببدايات قديمة نسبياً . يقول : (( في مقبرة السليمانية في أوائل هذا القرن كان ضابط يدعى عثمان بك يرسم النساء اللواتي جئن لزيارة موتاهن ، وقد أحاطت بهن خضرة الربيع وزهوره . وقد أثار مشهده وهو يرسم من الفضول والعجب ما جعل ذكره باقياً حتى اليوم وإن لم يبقَ لنا شيء مما رسم ))    كما ان الأستاذ شاكر حسن يلفت نظرنا الى الفنان : (( .. نيازي المولوي البغدادي الرسام والخطاط المزخرف الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر ومخلفاته الآن محفوظة في مكتبة المخطوطات في بغداد ))  .

     إن الفنانين الأوائل ، كانوا قد تعرفوا على أساليب أوربية .. ثم جاء الجيل التالي الذي تلقى معارفه الفنية في أهم العواصم الأوربية ليعمق هذا المسار .

     بهذا الصدد يقول الفنان شاكر حسن : (( أن معنى فن حديث يربط أولاً بالرؤية المعتمدة على مبدأ محاكاة العالم الخارجي في الرسم ، أي الأسلوب الذي ظهر منذ بداية عصر النهضة الأوربية وأستمر بالتطور قرابة خمسمائة عام ثم أخذ بالتحول نحو الأساليب الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر ، ولكنه من ناحية أخرى يرتبط بالرؤية الجديدة في الفن الأوربي ))  .

     على ان شاكر حسن يقول : (( ان معنى (( حداثة )) في الفن  العراقي إذن يرتبط بحالتين ، الأولى تقليد الفن الأوربي على العموم ، والثانية محاولة اكتشاف عناصر التجديد والمعاصرة واستلهام التراث الحضاري المحلي والعربي وبالتالي التواصــــل إلى ما يمكن تسميته بالمدرســــة العربيـــة المعاصرة في الفن العراقي ))(18) .

     وبكلمة أخرى فأن الفن لم يكن بمعزل عن الواقع الاجتماعي نفسه ، على رغم الصدمة التي أحدثتها المعارض المبكرة في بغداد . يقول الفنان نوري الراوي :   (( .. وظلت عجلة الفن تدرج على الأرض العراقية البكر ، فبرزت أسماء جديدة فتحت للفن العراقي آفاقاً لم يكن بعرفها أهلوه . ورأى الناس – لأول مرة – ان حياتهم تدخل الى قاعات المعارض وأخذهم العجب مما وجدوه من صور الوجوه التي يعرفونها ، والحياة اليومية لحياة البسطاء منهم ، وراقهم ان يجدوا في هذه الصلة الجديدة أثر الحب الذي يحفظه هؤلاء الفنانون الشباب لأصغر وحدات المجتمع المنسية المهملة ))    ثم يتابع : (( كانت أول هزة أيقظت فيهم روح التجديد ، وأوصلتهم بتيارات المدارس الحديثة ))   .

     لكن هذه الهزة سرعان ما تحولت الى علاقة حية دفعت بالفنان الى تخطي المشكلات التي واجهها لا بفعل خزينه التراثي فحسب ، بل بفعل الخبرة التي حصل عليها من جراء دراسته في أوربا ومحاولته الجادة لبلورة شخصيته وملامحها بفعل عوامل مشتركة سبق الإشارة إليها .

     لكن الناقد محمد الجزائري يلقي الضوء على معنى البداية والتطور في هذا المجال بقوله : (( ففي البدايات الأولى كانت (( الذات )) – على مستوى الإنتاج والتعامل – معدومة ، إذ كان الفن التشكيلي هواية ، وكان هم الفنان الذوبان في الطبيعة ومحاكاتها ، إذ لم يمتلك الفنانون العراقيون الرواد أبعاداً رؤيوية ، بل كان الفن تسجيلياً يكتفي بتلوين حدود المنظور الفوتوغرافي ، فالتقنية لم تدخل عالم التجديد أو تخطي حدود المنظور الطبيعي كما تقدم الطبيعة في الخط واللون والتناظر والظل والضوء .. ويتجسد ذلك في أعمال عبد القادر الرسام ومحمد سليم وصالح زكي وعاصم حافظ .. ))    لكن الأستاذ محمد الجزائري لم يقصد بالرواد ما ذهب أو اصطلح عليه أغلب نقادنا .. لأنه سيقول : (( وحين التحق الخط الثاني – من الرواد – ( عطا صبري وأكرم شكري وفائق حسن وجواد سليم ) بحركة الفنون التشكيلية ، كان همهم البحث عن هوية تميز أعمالهم .. ))    .

  

  وقد شخَّص هذا التطور على النحو التالي :

 

 [ أولاً : مرحلة البحث عن الذات ( 1920- 1930) .

   ثانياً : مرحلة البحث عن الهوية ( 1930-1940) .

   ثالثاً : مرحلة البحث عن اليقين وحركة التجديد ( 1940- 1950) .

   رابعاً: مرحلة التواصل مع القضية ( 1950 – 1976 )  ] (23) .

 

     إن هذا التقسيم ، غير مضلل ، إنما يوسع من دائرة النقاش ، مستقبلاً .

 

4- الحداثة .. التأسيس :

 

     كانت التجارب الأولى لجيل عبد القادر الرسام تقليدية . لكنها شكلت قاعدة واضحة للتطور في المفاهيم الجديد .. بل يمكن القول ان تلك التجارب التي تأثرت بالفنون العالمية قد مهدت الأسباب للتعرف على الإنجازات الأكثر تقدماً . فأرسلت الدولة ، منذ العقد الثالث والعقود التالية مجموعة من الطلاب لدراسة الفن التشكيلي . وبعودة هؤلاء شهدت الحركة الفنية تغيراً واضحاً في الاتجاهات والأساليب . وبتأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1936 وقسم الرسم عام 1939 ، ترسخت أولى التقاليد أولى التقاليد المنهجية .. أي العمل وفق القواعد المدرسية . وبالفعل ، بعد سنوات ، ظهرت النتائج ، وبفعل موهبة جواد سليم ومهارة فائق حسن ، كما أشار الى ذلك الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا في حينه ، وبوجود جيل الرواد عامة ، تجذرت تلك المهارات بنتائج متقدمة .. وعملياً فأن تأثير الأساليب الشائعة كان واضحاً ومباشراً .. وهو تأثير دفع بهؤلاء الرواد الى المعالجات الفنية الجديدة .. فقد كان لتأثير الحداثة – العالمية – سبباً مباشراً بظهور تجارب رائدة .. بهذا المعنى عالج الفنان العراقي تلك الأساليب التي درسها أو  تأثر بها في سنوات تكوينه الأولى . فنراه يعود الى الانطباعية ، كما في لوحات حافظ الدروبي وسعد الطائي وآزاد شوقي وحياة جميل حافظ .. ونراه يجرب المناخ السوريالي كما في لوحات د. علاء حسين بشير ومحمد راضي مثلاً ..

     أي ان الفنان كان يدرك أهمية المعاصرة وضرورة التوصل الى نتائج توازي المتغيرات في الواقع الاجتماعي والثقافي .. فقد كانت الحداثة في الشعر والقصة والمسرح ذات أثر كبير في الواقع اليومي . ولعل أثر معهد الفنون الجميلة ( والتجمهات الفنية ) لا ينسى في هذا المجال .. ذلك لأنه كان الرائد الحقيقي لهذه القواعد والأسس الجادة لخلق التجارب ذات الطابع الحديث . كذلك فأن الدور الريادي لعدد من المواهب قد جعل للحداثة قيمة أساسية لمعنى الفن . وربما لهذا السبب لا نستطيع الفصل بين الحداثة والتأسيس .. ففي الحالتين كان الفنان يغامر من أجل النتائج الجديدة . فهو مشغول بالقواعد ووضع الأسس من ناحية ، وهو يبحث عن النتائج المتقدمة فنياً من ناحية ثانية . بمعنى ان مهمة جيل الرواد كانت مزدوجة .. فالهوية الوطنية للفن لم تتبلور إلا على نحوٍ عفوي .. لكنت الأسئلة بدأت تثار وأصبحت ذات تأثير مباشر لدى عدد من الفنانين : أسئلة لا تبرر الحداثة وإنما لتجعلها متطابقة مع النوايا الفنية .. ولهذا السبب ظهرت ثلاث جماعات فنية هي : جماعة الرواد .. جماعة بغداد للفن الحديث .. وجماعة ( الانطباعيون  العراقيون )   ..

     ومن خلال دراسة أسباب ظهور هذه الجماعات ، يمكن التعرف على مغزى الأسلوب والمعالجات .. لكننا نتعرف عامة على نتيجة واحدة ألا وهي ان الفنان العراقي غدا مدركاً لمغزى المعاصرة دون إهمال الموروث . بهذا الصدد ، مثلاً ، يقول (( روبرت شورت )) : (( أفاد المذهبان الدادائي والسريالي من إبداعات الأجيال السالفة ، وعليه استغلا كثيراً التقدم الذي تحقق في الجوانب           الأسلوبية ))   .

     وبشكل عام فأن التأسيس الفني ، ووضع القواعد ، كما في باقي الفنون ، بدأ بهاجس الحداثة ونزعة التجديد . وهذه البداية استطاعت ان تشكل قاعدة أو تقليداً للإبداع الفني . لكن الأسئلة حول (( هوية )) الفن ما زالت قائمة .. وما زال الفنان ، حسب قول للفنان حافظ الدروبي ، يبحث عن هويته .

 

5-الحداثة .. عودة الى الموروث :

 

     لم تكن العودة الى الموروث ، كما في أعمال خالد الرحال وجواد سليم وضياء العزاوي ، إلا للبرهنة على قيمة الماضي .. ذلك لأن اكتشاف الذات يطلب ، على حد كلمة للفنان خالد الرحال ، معرفة بالجذور . وعلى كلّ برهنت هذه العودة ، أو هذا التذكر على الأقل ، ان إعادة صياغة الموضوعات المعاصرة لا يتقاطع مع تحليل ودراسة الموضوعات السابقة . بل كان هذا الاتجاه أكثر صدقاً في التعبير عن المعاصرة . ولكن الجديد في هذا المنهج ان الفنانين وجدوا في الموروث محفزاً لمناقشة القيم الكبرى أو الأصلية في إبداع مرآتهم المعاصرة . لقد شعر جواد سليم بقلق وهو ينفذ أعماله بتأثير المدارس الأوربية .. حتى ان الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا يذكر ان فناناً إنكليزياً كان محفزاً لجواد سليم في الأربعينيات    .. لهذا عاد لدراسة الفن العراقي القديم والإسلامي مؤشراً حقيقة ان التجديد ليس إلا حصيلة هذا البحث الشامل . وعلى أية حال لم يكن مفهوم الحداثة قد تبلور إلا بفعل الصراع الخاص بالأساليب وتحديد النتائج من خلال هذا الصراع نفسه .. بمعنى ان التأثيرات المعاصرة قد دفعت بعدد من الفنانين للعودة الى دراسة موروثهم دراسة متأنية عميقة . وقد أعطى هذا الاتجاه نتائج متقدمة إزاء المؤثرات الخارجية . وهنا تعكس أعمال جواد سليم الحصيلة لدراسة الموروث .

     بإيجاز كان مفهوم الحداثة قد ارتبط بإنجاز العمل الفني المتكامل : العمل الفني الذي يمتلك هويته الوطنية . فالحداثة بهذا المعنى ليست تقليداً للأساليب الأخرى .. بل هي ، إبداع العمل الذي تتمثل فيه روح العصر دون تقاطع مع الحلقات المشرقة للموروث . ولعل منحوتات خالد الرحال تمثل معنى الحداثة على نحو آخر .. تلك المنحوتات التي صاغ بها أسلوبه غير التقليدي والذي أصبح مؤثراً في مسار النحت الجديد .. فالعودة الى الموروث ، إذن ، كانت بمثابة مراجعة للتاريخ الخاص بالأسلوب .. وبالموضوعات أيضاً . فمن خلال دراسة أسرار الفن وخفايا الأسلوب استطاع الفنان التوصل الى ذاته . ذلك لأن الحداثة ، عامة ، لا يرتبط بقانون محدد لا على صعيد الأسلوب أو على مستوى الإنكار .. فإذا كان جواد سليم قد عاد الى الموروث ، فأن محمود صبري عاد الى الواقع . وكلاهما ، في المحصلة ، يؤكدان معنى الحداثة في التجربة . بل نحن نرى ان فرج عبو يذهب الى التجريد من أجل الهوية الخاصة بالعمل الفني    . وهناك اجتهادات عديدة معروفة منها العودة الى الطبيعة . لكن مفهوم الحداثة ، كما سنلاحظ ، لم يتبلور إلا من خلال صراع الأفكار والأساليب .. وهنا نلاحظ ان الفنان نوري الراوي يشخص هذه الظاهرة تشخيصاً واضحاً في كتابه (( تأملات .. )) .

     ومن بين التجارب التي ظهرت تجربة البُد الواحد التي استلهم فيها الفنان الحـــــــرف العربي . وقد كتب الفنان شاكر حسن مقدمة للمعرض الأول جاء فيها : (( في الوقت الذي يتطلع فيه الفن بلادنا نحو مصيره الزاهر ، مساهماً في تطوير التراث العالمي تبرز له قيمة فكرية وفنية هامة طالما كانت من معالم شخصيته المبدعة ، منذ تدفق آخر الموجات السامية ، بين المشرقين الأدنى والأقصى ، وتلك القــيمة هي الخــــط ، أو الجانب الإشراقي في الفـــكر الإسلامي ))   ثم يتابع :( نجد أنفسنا اليوم – ونحن لفيفاً من الفنانين الذين يساهمون في إدخال الحرف عبر أعمالهم التشكيلية – ملزمين بإقامة معرض فني ، ووثائقي معاً باسم معرض البُعد الواحد وتحت شعار ( الفن يستلهم الحرف ) ومن نقطة انطلاق تشكيلية بحتة ، مثمنين به هذا العنصر الفني الهام ، كجذر معبّر عن روح حضارتنا وفلسفتها معاً في أكثر جوانبها إشراقاً ، لا سيما وان مثل هذا المعرض الذي يقام لأول مرة في بغداد سيضطلع بأهميته ( الاثارية ) و ( الفنية ) و ( الشعبية ) معاً ))   وقد أنضم عدد كبير من الفنانين الى هذا التجمع الذي غدا ظاهرة بارزة في معنى التجديد ..

     بيد ان السؤال : هل يشكل هذا الاتجاه حداثة ؟ أننا بالتأكيد نتذكر الفنان العراقي القديم ، منذ فجر السلالات ، والمصري القديم ، والصيني .. الذي استعملوا الحرف . وقد مرت الفنون العالمية عبر مراحل تطورية لم يهمل فيها الفنان إدخال الحرف كقيمة جمالية خالصة . حتى أننا سنرى الفنان في الحضارة الإسلامية يزداد ارتباطا ً بهذا الجانب في بُعديه الروحي والتقني . كما أننا – على صعيد الحداثة – العالمية – نتذكر أولى تجارب (( جورج براك )) في منح الحرف قيمة فنية جمالية وتعبيرية .  

     على ان هذا كله لا يشكل تقاطعاً في إحياء هذا الاتجاه من منظور آخر .. فالحرف عند رافع الناصري قيمة جمالية تتوخى التعبير عن وحدة الومضة الخارجية بالحركة الروحية الخفية . وعند ضياء العزاوي يصير الحرف قيمة تعبيرية وأخلاقية . والحرف عند شاكر حسن نفسه بحث في الوحدة والتلاشي والتجدد .. والحرف عند جميل حمودي ضرب من البناء الروحي المعبّر عن جماليات الفلسفة الإسلامية من منظور عصر الماكنة ( الذرة وما بعدها .. والحروب التقليدية وعصر الإبادة والرفاهية معاً ) .. والحرف في منحوتات محمد غني حكمت يتداخل بأقواسه ليمنح أعماله طالباً متميزاً .. الخ .

     كل هذا ساهم ببلورة تيار يمثل أحد معالم الحداثة والتجريب في التشكيل العراقي . بحث عن الهوية الفنية متمثلة بفلسفة جمالية مثالية في الغالب .

     وفي جانب آخر ظهرت تجارب التلصيق ( الكولاج ) .. وهنا يظهر مدى استثمار الفنان للتجارب الأوربية .. لكن هذه التجارب محدودة جداً .

 

6- الحداثة .. محاكاة الأساليب المعاصرة :

 

     ستبقى مشكلة الهوية قائمة حتى بعد نصف قرن من البحث الفني .. وليس الهوية هنا إلا الخلاصة . بيد ان الإجابات ما زالت قائمة .. وتعدد الأساليب يؤشر حالة جديرة بالانتباه ، فإذا كان الفن المعاصر في العراق قد بدأ متأثراً بالمدارس العالمية – الأوربية تحديداً – وان عدداً من الفنانين قد عادوا الى الموروث ، وان عدداً آخر عمل على بلورة الفن الواقع كما في أعمال محمد عارف وماهود أحمد وإبراهيم العبدلي .. الخ فأن الحداثة ليست إلا مرآة للأساليب العالمية التي تأثر بها الفنان العراقي وهنا نلاحظ ان الفنان نوري الراوي يشخص ان (( أول هزة أيقظت فيهم روح التجديد ، وأولتهم بتيارات المدارس الحديثة ، هي اشتراكهم مع الفنانين البولونيين الذين حملتهم أمواج الحرب العالمية الثانية فيمَنْ حملته من قوات الحلفاء الى بغداد فقد أسهم هؤلاء في معرض ( جمعية أصدقاء الفن ) عام 1942، وتركوا أثراً واضحاً في أعمال مَنْ تأثر بهم من الفنانين العراقيين ))   ويؤيد الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا ما ذهب إليه الراوي بقوله : (( .. حيث تعرف إليهم جواد سليم وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم . وأول ما فعل البولونيون هو أنهم نبهوا هؤلاء الرسامين الشباب الى قيمة اللون وإمكاناته الهائلة ))   .

     وسنلاحظ منذ حافظ الدروبي حتى التجارب التي عرضت في معرض بغداد الدولي للفنون التشكيلية ( 1988) ان تأثير الفنون العالمية لا يمكن إهماله .. ولسنا بصدد إلغاء هذا التأثير من أجل الانغلاق .. ولكننا بصدد أسئلة تخص الهوية الفنية . والســؤال الذي يخص الهوية ، بشكل أو بآخر ، لا يتقاطع مع مفهوم الحداثة . فقد وجد جواد سليم مثلاً ان العودة الى الفن العارقي القديم تمثل حقيقة أو جوهر المعاصرة . فالبدء من الموروث ، حسب قول للفنان كاظم حيدر ، تشكل انطلاقة سليمة . أي أننا لا نستطيع ان نلغي الاجتهادات المتعددة من أجل تصور مسبق . فالحداثة بالمعنى المعروف لا تنتمي الى بلد محدد أو الى اتجاه أخير ونهائي . على رغم ان الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا تحدث عن أفراد جماعة بغداد للفن الحديث بأن : (( لكلّ أسلوبه المعين ، ولكنهم يتفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الأسلوب . فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد )) (32) ثم يتابع : (( .. أنهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم ، ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضيف على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية متميزة .. )) (33) فإذا كانت الانطباعية ، وما بعد الانطباعية قد ارتبطت بفترة زمنية محددة ، فان الأسلوب الانطباعي ليس فرنسيـــــــاً .. مثـــــــــلما ان (( تيرنر )) ليس إنكليزياً إلا بالهوية . وهذا يعني ان (( التعبيرية )) ليست ألمانية .. كما ان (( المستقبلية )) لم تخترعها ايطاليا .. لكن هذه المدارس لم تظهر عبثاً أو بسبب نوايا عابرة .. أنها ظهرت لتمثل جزءاً من التطور الإبداعي في مسار الفن العالمي . فإذا كانت باريس قد شهدت أكثر الحركات الفنية حداثة ، فان لندن ، هي الأخرى ، مثل روما وزيورخ وموسكو كانت تشهد ميلاد إبداعات جديدة . بهذا المعنى فأن المعاصرة متصلة ، وغير قابلة للانغلاق . ولعل الاتجاه المستقبلي يوضح ذلك انطلاقاً من روُح عصرنا : عصر السرعة .. ومهما يكن فان المواهب التي جسدت عصرها لم تكن منعزلة عن النبض البشري . الأمر الذي يجعلنا نندهش لأية تجربة أصلية وعميقة . لكن هذا التعميم بحاجة الى شرح ، أي لماذا ما زالت الفنون القديمة مثار جدل .. بل ولماذا نتحدث عن جمالياتها وكأنها تخاطبنا وبعد آلاف السنين . وهنا ثمة ملاحظة للفنان شاكر حسن .. يقول ، بعد ان تحدث عن ملامح الحضارة الإسلامية في الفن التشكيلي : (( في كيان هذا التقييم السريع للفكر الحضاري الإسلامي تبدو بوادر الإبعاد المعاصرة للفكر العالمي وقد تبوأت مكانها اللائق . فمنذ الخمسينات لهذا القرن والتقاليد الفنية للحضارة الأوربية تكتسي بملامح السكونية والحركية ( أي الزخرفية والخطية ) بشكل لا يدع مجالا للشك في أنها تستقي أصولها من معين التوصلات السالفة الذكر ))   .

     وفي اعتقادي ان هناك جذراً مشتركاً .. جذر يخص الأسئلة البشرية .. الأمر الذي يدعونا لفهم الحقائق الفنية أو الجمالية من منظور شامل ، بعيداً عن الانغلاق . وليست هنا بصدد وضع نتيجة أخيرة . إلا ان مسار الفن يؤشر ذلك .

     وعودة الى الفن العراقي المعاصرة ، منذ الخمسينات ، سنلاحظ مدى تأثر الفنان بالحركات الفنية العالمية . أي ان الحداثة لم تبدأ في بغداد ، كما – مثلما – إنما هذا لا يلغي الإبداعات الجديدة لأي سبب من الأسباب . لأن الفنان العراقي ، منذ البدء ، كان يبحث عن شخصيته الفنية . لكن الحداثة بهذا المعنى المعروف جاءت بفعل الحوار . فبعد ان درس الفنان في أهم المدن الحضارية فنياً ( باريس .. روما .. لندن .. )) مثلاً ، تأثر بالاتجاهات السائدة ، مثلما تأثر بها سواه من فناني مختلف البلدان .. إلا أنه كان يمتلك ذاكرة – تاريخاً – حاول من خلالها ألا ينسلخ من ماضيه . واستطاع عملياً ان يبدع هويته الوطنية . فالحداثة لا تمثل التقليد أو المحاكاة .. بل تمثل الشخصية والتجريبية ومحاولة الإبداع المضاف . هنا ثمة نص للفنان محمود صبري يوضح فيه تجربته الجديدة . فيقول عن واقعية الكم : (( أنها تنطلق أساساً من التفاعل الجديد للإنسان مع مستوى جوهري من العالم الموضوعي ، فأنها ببساطة تصبح طريق الإنسان الى .. المزيد من الواقع ، من النور ، من الشعور .. أنها ستنقل الإنسان الى جوهر الأشياء ))   ثم يوضح مفهومه لواقعية الكم القائمة على أساسين لعصرنا الأول (( المفهوم الذي عبّر عنه ( إنجلز ) بقوله ان العالم ( كيان من عمليات ) وليس (( كيان من أشياء جاهزة )) والثاني (( المفهوم الذي بلوره ( آينشتاين ) في معادلته : ط = كس2 ( الطاقة = الكتلة * مربع سرعة الضوء ) وهذا يعني ان الطاقة والكتلة هما شكلان من أشكال وجود المادة ، وأنهما لهذا قابلان للتحول المتبادل )) (37) . وقد كان جيل الرواد ، عامة ، مؤسساً لهذا الاتجاه . 

     وعلى صعيد آخر سنرى ان الاتجاه التعبيري ، هو الآخر ، قد ظهر في عدد كبير من الأعمال الفنية ، في لوحات رسول علوان مثلما في أعمال محمود صبري ، ومحمد علي شاكر ، كالسوريالية والرمزية والتكعيبية .. الخ .

     وجميع هذه المدارس ولدت بفعل الحضارة الأوربية ذات الخصائص المعروفة .. وليس تقليدها يعني (( الحداثة )) في الوقت الذي كانت الحضارة العربية المعاصرة تعاني من مشكلات لها خصائصها ، هي الأخرى ، ولكن الحوار الحضاري ( أو النزعة الكلية للفنان إن كان في أوربا أو آسيا أو في بغداد ) وسَّع من دائرة التأثر والتأثير المشترك ، المتبادل ، لرسم معالم القرن العشرين .

     بمعنى ان الفنان العراقي ، هو الآخر ، ابن هذا القرن .. وسعى للتعبير – رغم المشكلات والمعوقات المعروفة – عن روح هذا القرن الصاخب ، المعقد الذي لا أحد يعرف أية نهاية سيمهد بها للقرن القادم . فهل ستحل مشكلة تلوث البيئة محل مشكلة الصراع الطبقي .. وهل ستحل مشكلة الزيادة المروعة بالسكان محل مشكلة البحث عن البُعد الروحي .. وهل ستحل مشكلة الحربة الخاطفة ، ما بعد النووية ، محل مشكلة البحث عن مغزى السلام الداخلي للإنسان ؟ أسئلة حتمت ظهور تجارب فنية مختلفة في العالم : تجارب لا يمكن حصرها باتجاه أو أسلوب .. بل انها تجارب تكاد تنتمي الى ذاتية الفنان المجهولة ، الى ذلك الخيط الخفي السري الملغوم الذي يمتلك رموزه العصية .. ومع ذلك  فقد حاول الفنان العراقي ، بحدود خبرته ، ومناخه الحضاري ، أن يعبّر عن جانب من جوانب حضارة عصرنا .

 

7- الحداثة .. التمرد :

 

     لم تعد المفاهيم التي توصل إليها جيل الرواد إلا مقدمة لمرحلة سيطورها هذا الجيل نفسه من ناحية وسيتمرد عليها الجيل التالي من ناحية ثانية . فجيل الستينات عاصر مرحلة انتقالية منذ ثورة 1958 لغاية ثورة 1968 .. فقد شهد هذا الجيل المتغيرات السياسية محلياً وعربياً وعالمياً أيضاً .

     وربما يمكن اعتبار أهم الأفكار الخاصة بالحداثة قد تأسست وتبلورت في هذا العقد ، أي الحداثة الخاصة بالفن العراقي . فبعد ان وضع الرواد أهم المعالم والقواعد للفن الحديث ، وبعد ان غدا دور معهد الفنون الجميلة متميزاً ، فضلاً عن دور الجماعات الفنية وجمعية الفنانين التشكيليين ، جاء جيل آخر من الذين درسوا في المعهد نفسه ، الذين درسوا في الخارج وتأثروا بالتيارات العالمية ، صحيح ان جيل الرواد ، منذ الأربعينات شاهد الحركات الفنية العالمية وتأثر بها ، إلا ان الجيل التالي كان أكثر استعداداً لفهم الحقائق السابقة والجديدة معاً .

     فكان هذا الجيل ، بعد ان أنجز جواد سليم ملحمة (( الحرية )) يتطلع الى أساليب أكثر تحرراً من القواعد السابقة .. فشهد منتصف العقد السادس ، والسنوات التالية ، عدة تجارب اتسمت بالبحث الأسلوبي والنزعة التجريبية . هنا نتذكر معرض كاظم حيدر حيث استطاع هذا الفنان ان يشكل انعطافه في الأسلوب الفني .. وان تكون تجربة معرض (( الشهيد )) إضافة للتجارب المتمردة والمتحررة من الرسم التقليدي .. كذلك كان معرض إسماعيل فتاح خطورة مهمة في هذا المجال .. فقد اختزل الأشكال وكاد ، كما سيفعل فرج عبو بعد سنوات . ان يختار الأسلوب التجريدي . إلا ان شجاعة وتمرد إسماعيل فتاح الترك كانت متوازنة وواعية لمغزى الحداثة : التجريد في سياق الفن نفسه ، وفي هذه السنوات ، على رغم استمرار عدة جماعات بالعرض ، كانت ثمة جماعات جديدة قد ولدت وفي مقدمتها جماعتي (( الرؤية الجديدة )) وجماعة (( المجددون )) والجماعة الأخيرة ، من عنوانها ، كانت تبحث عن التجديد . ولعل الأسماء في الجماعتين ما زالت حتى يومنا هذا مؤثرة ورائدة ومنها أسماء : محمد مهر الدين .. ضياء العزاوي .. رافع الناصري .. صالح الجميعي .. هاشم سمرجي .. إسماعيل فتاح .. سلمان عباس .. عامر العبيدي ..

     وهي أسماء كانت قد تمردت ، بشكل من الأشكال ، على التجارب السابقة ، فعندما نتذكر تجارب سالم الدباغ أو كاظم حيدر أو محمد مهر الدين أو رافع الناصري ، لا بد أن نتذكر العوامل التي ساعدت على ظهورها .. وفي مقدمتها استيعاب وتمثل التيارات العالمية المعاصرة . فضلاً عن الجهد الشخصي ببلورة نظام خاص للعمل الفني . ولو تأملنا تاريخ الفن العراقي ، على رغم وجود تجارب تنطوي على تيارات واضحة كالواقعية والانطباعية ، إلا ان الحركة الفنية كانت ، وما زالت ، قائمة على عدد من المهارات الفردية .

     فعلى عكس اتجاه الفنان محمد غني حكمت كان إسماعيل الترك متطرفاً في معالجاته الفنية .. فقد كان محمد غني حكت مرتبطاً بالموروث . لكن كاظم حيدر ، وبوعي لا يختلف عن وعي إسماعيل فتاح . كان يبحث عن تراث مضاف أو لنقل عن زاوية نظر مختلفة . فإذا كانت الحداثة التي بلورها جواد سليم متنوعة ، فان كاظم حيدر استطاع ان يبدأ من الحكاية الشعبية ويجعل التكعيبي فان صالح القره غولي سيستعمل الأسلوب الرمزي .. كما ان إسماعيل الترك سيغامر بالأسلوب نفسه ، مثلما سنرى ذلك في تجارب محمد مهر الدين ورافع الناصري   وضياء العزاوي وإبراهيم زاير وخالد النائب وفائق حسين .. أي ان التمرد الأسلوبي ارتبط بالحقائق التالية :

 

إن دور الرواد قد مهد لهذا الواقع الفني الجديد .

وإن الفن العالمي لعب دوره .

وإن الأحداث العامة والخاصة مهدت لهذه التجارب ان تأخذ مسارها في الوجود . ولنتأمل قليلاً في الكلمات الواردة في دليل معرض (( نحو الرؤيا الجديدة )) أي فـــــــي أهداف هذه الجماعة من خلال هذا المعرض . جاء في البيان :

 

(( نحن الجيل المطالب بالتغيير والتجاوز والإبداع نرفض القديم المحنط )) .

(( الفن الحديث لغة المجتمع القادر على تجاور حدود الذات الحضارية المعاصرة .. ليلتصق بنظافة خالية من كل تعصب بالحضارة في مسعى لتأكيد الوجود المبــــــــدع لهذه الأمة من خلال الفن ومَنْ يرفض هذه اللغة أحياء محنطون ))

(( حرية التعبير هي حرية الثورة .. الخ ))

(( الفن كل إبداع جديد .. وهو تناقض مع الجمود .. وخلق متصل .. الخ )) .

(( … يكون الشارع لا قاعات المتاحف نقطة الالتصاق الصادقة معه – أي الفن .. الخ ))

(( نمجد جيل الرواد في دورهم التاريخي لنهضتنا التشكيلية وترفض الوصاية الأكاديمية والفكر التعليمي .. ))

(( نتحدى العالم .. ونرفض الهزيمة العسكرية والفكرية لأمتنا .. ونمجد حرب التحرير الشعبية في صدور الشهداء .. مجد هذه الأمة الخ ))

(( ممارسة الفن رهن بممارسة الإنسان لجوهره الإنساني ))   .

 

     وعلى كل فان تاريخ الفن المعاصر في العراق ، بعد الرواد ، يرتبط بإبداعات هذا الجيل . حيث الحداثة ليست الشكل إنما الضرورة . كما ان فكرة ( التمرد ) توخت اكتشاف الأساليب المناسبة للواقع الاجتماعي والثقافي .. فإذا كان الرواد قد وضعوا الأسس ، فان الجيل التالي ، هو الآخر ، قصد التأسيس . أو ان فكرة الريادة ما زالت قائمة ولكن هذا الجيل ، بسبب وعيه ، لم يتمرد على أساليب الرواد أو أفكارهم فحسب ، بل تمرد على نفسه . لهذا كانت أعمالهم أقرب الى التجارب الجديدة من أعمال الرواد . ومع ذلك لا يمكن إلا الإعجاب بأعمال جواد سليم وحافظ الدروبي وعطا صبري وفرج عبو وفائق حسن .. فالرواد كانوا يبحثون عن الفن الحديث .. وحتى عندما عاد الرحال أو ضياء العزاوي الى دراسة الموروث ، فان أعمالهم لم تكن تقليدية . ومغزى الهوية الوطنية بهذا الصدد لم يتقاطع مع الاتجاه السابق . فالحداثة لم تكن مجرد حلم ، بل كانت جزءاً من قانون حتمه الخيال السيوسولوجي ، كما ان مشكلة الأفكار الجديدة جعلت الفن على المحك : لمَنْ نرسم .. ولماذا .. وكيف ؟ مما جعل هذا الجيل ، وحتى يومنا هذا ، حلقة وصل مع الرواد . وفي الوقت نفسه إضافة .. أقصد من هذا ان التمرد الأسلوبي على الأقل ، كان طبيعياً . كما ان المضامين في تجارب كاظم حيدر ، إسماعيل فتاح .. محمد مهر الدين .. رافع الناصري .. صالح الجميعي .. علاء حسين بشير .. خالد النائب .. علي طالب .. فائق حسن .. كانت مكملة لجهود الرواد .

     لكن الحداثة هنا . مرة ثانية ، مرآة شائكة . فهناك المدارس العالمية .. وهناك الأسئلة الخاصة بالهوية الوطنية للفن .. وهناك الواقع الاجتماعي نفسه ، أي هناك محاولة لوضع اجابة كلية . فكما حاول الرواد ، حاول هذا الجيل ان يعبّر عن الحياة بروح العصر . وربما لم تكن الحداثة إلا هذا البحث عن الفن الأصيل – المعاصر . لكن هذه الفكرة تعود الى جواد سليم . عندما تمرد عليها هذا الجيل ، حاول ان يؤسس شخصيته من خلال عصره ، ومن خلال المؤثرات العالمية .. واعتقد أنه لم يمثل إلا هذا التطور نحو المعاصر بفعل وعيه لمشكلة الهوية - الأصالة .

     على ان هذا التمرد والبحث عن الأشكال الجديدة لا يقارن بالحداثة الأوربية . وعلى رغم الحوار الثقافي العام وتأثر الفنان العراقي بالاتجاهات المعاصرة ، إلا أننا لا بد ان نبحث عن الجوانب الخاصة بهذا الفنان . أي إبداعه وشخصيته .. وهنا تتجلى أهمية جيل الرواد وعدد آخر من الجيل التالي . انها أهمية التأسيس بالدرجة الأولى .. ومهما نحاول الوقوف عند هذا الجيل فان فكرة الحداثة ما زالت قائمة .. لأن استنساخ التجارب العالمية ، أو التأثر المباشر بها لا علاقة له بالحداثة .. ولكننا سنرى الفنان العراقي ، عامة ، ومنذ عبد القادر الرسام وحتى الآن ، حاول ان يؤسس بداية يمكن تطويرها . ولم تكن هذه البداية إلا ثمرة دراسة الفنان للأساليب العالمية التقليدية والحديثة على حد سواء . وبفعل وعيه وموروثه العريق استطاع ان يبلور تجارب متقدمة قد لا تكون لها علاقة بالحداثة . فجواد سليم كان يبحث عن جدلية : الموروث والعصر . كذلك حاول كاظم حيدر باستلهام الموروث والتعبير عن روح العصر من خلال قيمة الرمز . بينما كان إسماعيل فتاح أكثر تطرفاً الأمر الذي جعله يتراجع نسبياً عن تجاربه الستينية ..

     بينما راح ضياء العزاوي يبحث عن حداثة تنتمي الى الشرق .. حداثة الشكل والتكوين والمعنى .. فكرس مئات اللوحات من أجل فلسطين .. ومع ذلك لا نجد حداثة بالمعنى الأوربي في هذه التجارب . واعتقد ان ملاحظة الفنان رافع الناصري في كون الحداثة ما زالت تنتظر تجارب جديدة تنسجم مع تحليلنا للتجارب السابقة .

     وهنا يثار السؤال التالي : هل يتجه الفن نحو المحلية لكي يكتسب سمته العالمية أم العكس ؟ أعتقد ان الفنان العراقي حاول الإجابة عن هذا السؤال ببحثه المستمر عن المحلية دون إهمال النتائج التي توصل إليها الفنان في العالم ، فتأمل البيئة .. الطبيعة .. الموروث .. التراث الشعبي .. كانت ثمرة نصف قرن لوضع النتائج التي توصل إليها .

     وعندما نعود الى مغزى الالتزام في الفن ، نجد هيمنة الواقعية بل والأساليب التقليدية بالفن .. بينما كانت الحداثة الأوربية ، بالأصل ، ومنذ الانطباعية ، تشكل ظاهرة تمرد وتجديد ومحاولة لفهم المعنى المتجدد للفن في عصر شائك . حتى كادت الحداثة ان تفقد أصالتها بفعل هذا التطرف .

     إن الحداثة لم تلغ إبداعات رافائيل أو غويا أو دوميه .. ذلك لأنها حلقة متواصلة في التاريخ الاجتماعي للفن .. ومهما بدت بعض التجارب متطرفة إلا انها كانت تمثل استجابة للحرية في سياق قانون الضرورة . وعندما نتأمل اليوم هذا التاريخ لا نمتلك إلا الإعجاب بها . الإعجاب الذي يجعل هذه الأعمال جزءاً من التاريخ الكلاسيكي وليس جزءاً من الإعجاب بروح التمرد ، على رغم ان التمرد جاء استجابة لحركة التطور وقوته المؤثرة .

     نستخلص من هذا ان هناك أكثر من (( حداثة )) ومبدأ الالتزام في صياغة الفن المعاصر ، ضمن أشد الأزمات – أزمات الحروب الطاحنة مثلا – أو في الظروف الاعتيادية – كأزمة التلوث أو قلة الموارد .. الخ – حتم ألا تفهم الحداثة فهماً أحادياً أو قاطعاً . فقانون الحداثة ، يجدد نفسه .. والفنون البصرية استطاعت أن تقدم مئات التجارب على هذا الصعيد .

     ولكن ما هي الحداثة وما هو قانونها ؟

     لقد شعر جواد سليم بالقلق ، مثلما شعر به حافظ الدروبي ، إزاء هذا السؤال . ولولا الوعي بالموروث لكانت الحداثة محض استنساخ .. بدل ان تتحول الى أسئلة .. فنحن هنا أمام مفهوم آخر للحداثة بلورته التجارب الرائدة : أي مفهوم الرؤية الشاملة لعلاقة الموروث بالعصر .. وهو المعنى العميق للحداثة باعتبارها تأسيساً لا استنساخاً . وهو المعنى الذي يجعل لمبدأ الالتزام الاجتماعي قيمته الموازية لفهم المبادئ السابقة . أي مبدأ التجديد وضرورته على الأقل . ومهما يكن فأن الفن المعاصر لا يستطيع الانغلاق على نفسه .. ومفهوم الأصالة في الفن ، لا يمكن عزله عن المؤثرات المختلفة .. كما ان التراث البشري غدا منتشراً وبمتناول الجميع .. فالثورة التكنولوجية ، والتقاء مصالح الشعوب ، كلها قللت من العزلة ومهدت لهذا الحوار والحداثة في الفن العراقي استمدت شرعيتها من :

المؤثرات العالمية .

الموروث العراقي القديم .. والموروث الإسلامي ..     

ومن الواقع نفسه .

 

     إنها عوامل حتمت وجود هذه التجارب . وجعلت تتخذ مكانه خاصة عند المشاهد .

     ولكن هل هناك (( حداثة )) في التشكيل العراقي ؟ هذا السؤال يعود بنا الى جذور الحداثة نفسها . فجميع الرواد الكبار منذ   فان كوخ  مروراً بالتعبيريين والمستقبليين ، وليس انتهاءً بالفن الشعبي الأمريكي ( البوب آرت ) والواقعية النقدية ، كانوا خلاصة تجارب إبداعية لشعوب وحضارات مختلفة . فلم تكن تلك التجارب التي اصطلح عليها بالحداثة بمعزل عن تبادل الخبرة وحتمية المتغيرات والتطور الحاصل في مجالات الحياة .. الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر وبعمق في معنى الحداثة في الفن العراقي . وان نتأمل معنى التأسيس ومعنى الحداثة من خلال هذه المصادر التي شكلت روح المعاصرة .. وبهذا المعنى ، كما في الشعر والقصة ، كانت هناك حداثة حاولت التعبير عن روح العصر مثلما قصدت التعبير عن جوهر الواقع . فمثلاً يرى الأستاذ محمد الجزائري (( التقصي حد الموت .. ذلك هو بحث الفنان المتواصل من أجل تكاملية الرؤية والتقنية ، بوصفه نشاطاً حسياً ، بوصفه ممارسة ! فالتواصل ما بين الجمالي واليقين الفكري ( السياسي ) هو مذبح الفنان المبدع ،الملتزم ، في كل زمان ومكان ، إزاء قضية بعينها أو هدف منظور))  .

 

8- الحداثة ورموزها :

 

     تفضي المقدمات السابقة الى حقيقة ان الحداثة ، وليس الفن الحديث أو المعاصر أو الجديد ، لم تظهر إلا باعتبارها جزءاً من التيار الفني العالمي في صياغة الأساليب . أي أنها جاءت لتعبّر عن حتمية التطور . وعن تبادل الخبرة التي يمكن اعتبارها حالة موضوعية . فالحداثة الأوربية ، لم تكن أوربية خالصة . ويمكن تذكر عشرات الأسماء بهذا الصدد : فان كوخ   وتأثره بالفن الياباني .. بيكاسو وتأثره بالفن الزنجي .. ماتيس وتأثره بالفن الإسلامي . بكلمة أخرى ان رواد الحداثة جاءوا للتعبير عن ظاهرة تخص القرن العشرين .

     ولا نهمل هنا دور الاتصال بين الشعوب – كما أشرنا الى ذلك - : على صعيد الصحافة .. الكتب .. والمواصلات التي أنهت أسطورة الانغلاق . مما حتم أن تكون هذه الإبداعات تنتشر وذات تأثير متبادل أو مشترك .

     وعندما نعود الى بدايات الفن المعاصرة في العراق فسنبدأ بجواد سليم .. ومحمد صبري .. وحافظ الدروبي وخالد الجادر وأكرم شكري وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وعطا صبري .. ذلك لأن هذا الجيل الذي تأثر بالأساليب الأوربية ، استطاع أن يبلور ، عبر مصداقيته ، حقيقة الحداثة كروح في الفن على الأقل . فالأساليب ما زالت تجريبية . والفنانون ما زالوا يبحثون عن نتيجة .

     إلا ان الجيل التالي الذي حمل اسم الستينات كان أكثر بحثاً عن الصياغات الجديدة .. وأكثر تعبيراً عن (( الحداثة )) بالمعنى المتعارف عليه .

     ففي أواسط  الستينات ظهر كاظم حيدر في ملحمة (( الشهيد )) للتعبير عن الموروث الغربي بأسلوب معاصر .. فاستلهام استشهاد الحسين بن علي مثلاً كانت تعكس وعياً متقدماً . وسنرى الفنان ينفذ عدة تجارب ، بدت يومها متطرفة ، مثل محاولاته في جمع عدة ساعات عاطلة عن العمل للتعبير عن زمن الخلود ! إلا هذه التجارب كانت تعكس نبض ذلك التاريخ الاجتماعي والفني على حد سواء .

     وهنا يمكن القول ان الحداثة ليست سوى نزعة تجريبية .. ومحاولة لوضع حلول أسلوبية تتناسب – مقارنة – مع التيارات التي حدثت في الشعر والقصة والمسرح .. تجريبية اعتمدت المؤثرات العالمية .. والعودة الى الموروث كما في تجارب ضياء العزاوي في معرضه عن ملحمة جلجامش أو في استلهامه للمعلقات مثلاً – فضلاً عن محاولات الفنان لتصور البيئة بأسلوب مختلف عن الأساليب السابقة .

     هذه التجريبية تذكرنا بالاتجاهات الأساسية للحداثة التي ظهرت في أواخر القرن الماضي وفي مطلع القرن العشرين : أنها تبحث عن صياغات مناسبة لتراكم الخبرة من ناحية .. وللتعبير عن روح العصر من ناحية ثانية .

     هنا نستنتج ان الحداثة ليست حكراً على مجموعة من المبدعين – أو على أمة من الأمم – بل هي ظهرت بدافع ضرورات العصر .. وأنها ذات أفق عالمي بالدرجة الأولى ، على رغم محليتها ، كما في المستقبلية الإيطالية .

     هنا لا بد ان نشير الى تجربة صالح الجميعي ، لا في فن الكرافيك فحسب ، بل في فن الرسم .. كما لا بد ان نشير الى تجربة محمد مهرالدين .. ففي التجربتين ، على اختلافهما ، نزعة تبحث عن روح العصر في العمل الفني . وإذا كان الفنان صالح الجميعي أكثر صلة بالجانب النفسي للتعبير عن اغتراب الإنسان ، فان محمد مهرالدين ، يعبّر عن إشكاليات الإنسان آيديولوجياً .

     ولا بد ان نتذكر تجارب أخرى متفرقة : إبراهيم زاير .. طالب مكي .. عيدان الشيخلي .. صادق ربيع .. سلمان عباس .. عبد الرحيم الوكيل ..

     وهي تجارب توخت ، بعد تجارب الرواد ، التعبير عن المناسب لمرحلة جديدة في الحياة الاجتماعية والثقافية ..

     ولعل تجربة الفنان راكان دبدوب تمثل التجريبية على نحو واضح .. بل ربما انها من أكثر التجارب أهمية في الحداثة .. فقد رسم راكان دبدوب آلاف اللوحات للتعبير عن حقيقة الحياة العراقية ، وبأسلوب ينتمي الى شخصيته .

     نستخلص من هذا ان (( الحداثة )) باعتبارها نزعة عالمية ، إنما هي في الوقت نفسه ، محاولة للتعبير عن الذات . وعلى كل فالحداثة ليست فن (( العبث )) أو التمرد من أجل التمرد . وليست هي رمزية خالصة .. فالأشكال ، والتقنيات ، لم تكن مضادة للأبعاد الجمالية .. بل كانت منذ (( مونيه )) بل ومنذ (( غويا )) وتجارب (( رامبرانت )) وما أنجزه عصر النهضة ، تجربة تبحث عن لغة تمثل عصرها في مجال الابتكار الأصيل . هذا الكلام العام – المطلق – يمكن ان نفسره على نحو آخر .. ان الحداثة أعطت للفن قيمة الحياة ذاتها . فإذا كان مرسيل بروست وجويس في الرواية ، ومالارميه ورامبو وبودلير وإليوت في الشعر .. وتشيخوف وادغار آلان بو في القصة من رواد الحداثة بالمعنى المجدد للأساليب ، فأن تلك الأساليب لم تكن منفصلة عن الحياة . إننا هنا نستنج حقيقة أكيدة : الحداثة لم تكن إلا مرآة لحقائق لا تحصى ومتداخلة تخص الحياة . وهذا الاستنتاج هو الذي جعل (( الدادا )) تظهر وتموت سريعاً .. وهو الذي جعل (( التكعيبية )) تتحول من مرحلة الى ثانية وثالثة .. لكن الفن الذي توخته (( الحداثة )) لم يكن ينجز للعدم ! أنه كان مرآة لحياة يومية صاخبة وعميقة وسريعة ومدمرة وصادقة معاً .

     وفي العراق ، منذ عبد القادر الرسام حتى الآن ، لم تكن الحداثة إلا صيغة للتعبير عن مرحلة جديدة في الفن . صيغة ما زالت تنتظر المزيد من التجارب . وهنا يثار السؤال مرة ثانية : ما هي (( الحداثة )) المطلوبة ؟

     ليس لدينا إجابة أخيرة أو قاطعة .. لأن عملية التطور ما زالت في أوجها .

     إلا ان الأصالة مطلوبة لا كعمق للتجربة الفنية فحسب بل كبُعد رؤيوي لمسار الإبداع برمته . ولهذا فأننا نتذكر التجارب الرائدة في الحداثة العالمية ، على رغم ان بعضها لم يمتد به العمر طويلاً .. إنما سنلاحظ ان هذه التجارب – وحتى الخاطفة كالدادا مثلاً – كانت تترك ظلالها في التجارب اللاحقة . ولهذا السبب لا أحد من النقاد يستطيع ان يقول بأن الانطباعية فقدت تأثيرها في مسار الفن العالمي .. مثلما ان السوريالية ما زالت مدهشة وغريبة ومثيرة للأسئلة . بمعنى أننا عندما نبحث عن الأصالة لا نلغي التجديد وضروراته .. كما لا نلغي الأصالة التي تؤسسها التجارب المضافة ، فالفن حركة متواصلة وصيرورة دائمة ، كما أثبت تاريخ الفن العام منذ عصر الكهوف .. فالحداثة لا تتقاطع مع الأصالة والانتماء .. إنما ، من ناحية ثانية ، لم تولد التجارب الجديدة إلا لضرورات تحققت فيها حريتها الداخلية ، حرية استلهام حقائق الإنسان وجمالياته . وهذا المفهوم لا يتعارض مع فكرة استلهام الموروث أو تمثل تجارب الشعوب .

     إن مستقبل الفن العراقي ، على حد كلمة الفنان إسماعيل فتاح يرتبط بالإنجاز الذي تحقق على مدى نصف قرن . وهذا المقال – الكتيب – ليس إلا جزءاً من حقيقة تأثيرات هذا الإنجاز . حيث كانت الحداثة وما زالت تمثل أرقى نتائج البحث عن المعنى غير التقليدي منذ تأسيس القواعد ، مروراً بالتمرد الفني – الأسلوبي – الذي عاصر ، وعكس ، طبيعة الحياة الاجتماعية ، وقد كانت (( الحداثة )) في بُعدها التجريبي ، الصياغة الممهدة لحاضر التشكيل المعاصر في العراق .

     ولا بد ان نشير الى جيل جديد آخر ، هذا الجيل الذي ظهر في مطلع السبعينات حتى يومنا هذا . جيل لا يمكن عزل محاولته عن الإنجاز عند الرواد أو الجيل التالي .. ليؤشر حقيقة قالها جواد سليم أنقلها بالنص : (( لا بد للفن العراقي – كأي فن في العالم – من طابع إنساني أشمل ووجه وطني أخص يؤهلانه للبقاء والنماء والاستمرار والتطور ))   ذلك لأن الحداثة ، في معناها هنا لا تسير في ركاب الفن الغربي – والنص للفنان شاكر حسن – بمعنى ان الحداثة الوطنية – القومية ليس إلا النظام التقني للتعبير بالفن عن تجدد الحياة . وقد لا نجد في هذا الجيل إلا محاولات متوقعة بسبب المراحل السابقة ، لكن المشكلة برمتها تفصح عن ذاتها : ما هي الحداثة اليوم .. وهل ثمة حداثة حقاً .. كتلك التي كانت قائمة في أعمال جواد سليم .. أو كالتي ظهرت في الستينات في أعمال كاظم حيدر وإسماعيل فتاح ومحمد مهرالدين وعلاء حسين بشير ورافع الناصري وعلي طالب وراكان دبدوب وفائق حسين ومقبل جرجيس مثلاً ..

     ليس السؤال المعقد يمكن هنا بالضبط .. بل هل يمكن اعتبار التجارب التقليدية الجديدة ، للفن العراقي أو للفنون الأوربية ، حداثة ؟ ان النقد الموضوعي يضعنا في مأزق . ولأسباب في مقدمتها ان أنظمة الفن قد اخترعت تقنياتها في هذا المجال . هناك نوايا وهناك حقائق . فالفنان لم يعد مرآة لمجتمعه – حسب كلمة لجواد سليم – بل غدا ظاهرة لأنظمة فنية تخص العمل الفني ذاته . فالأصالة ليست مثلاً ان ترسم ما يراه الجميع .. وليست ، وفي الوقت نفسه ما تراه الذات .. وأعتقد ان أسئلة الشاعر عبد الرحمن طهمازي مثمرة ، على رغم أنه لم يكررها كثيراً : ما الأصالة .. وما الحداثة ؟

     أرى هنا ملاحظة – كما قال رافع الناصري لي – ان الحداثة لدينا في مأزق .. بل أذكر ان أحدهم قال للدكتور علي عباس علوان : (( أنك جيد في كل شيء عدا دفاعك عن الحداثة )) . والأستاذ مدني صالح لا يرى في الحداثة إلا قانون الجمال والعدل والحق الذي لا يكاد ان يتغير منذ هبط آدم فوق الأرض حتى نهاية آخر لحظة من زمن هذا الوجود !

     بمعنى ان الجيل الجديد لا يسعى إلا لبلورة أنظمته التعبيرية التي مازالت ، في الحالات كلها ، تفجر السؤال نفسه : ماذا نعني بالحداثة في الفن العراقي ؟

     يبدو أنني لم أضع ، على نحو مباشر ، اجابة لهذا السؤال . لكن عملية وضع خلاصة للمراحل السابقة قد يمنحنا فرصة للاعتراف بأن ظاهرة الحداثة كامنة في كل محاولة تسعى لتأسيس نظامها التقني الجديد ، المغاير للمراحل السابقة ، أو المجدد لمراحل أقدم .. وان الحداثة ، هي رؤية قبل ان تكون ضرورة مرتبطة بأحداث العالم الخارجية . وهي تأثير وتأثر من أجل بلورة تقنيات ترتبط برموز وأحداث وكوارث عصرنا .

     فالفنان العراقي لم يعد محاصراً بالصحراء ، أو بظلام قرون الاستلاب . أنه تطلع ويتطلع بتفجير لطاقاته الداخلية نحو لغة لا تتقاطع فيها القضية الإنسانية عن المغزى الجمالي لرسم أعقد اشتباكات صراعات الروح . ولرسم روح عصرنا من وجهة نظر تتوخى الجانب الكلي ، بعيداً عن الانغلاق . فالحداثة ، بمعناها التقليدي إذن ، لم تكن على ضفاف (( الحداثة )) الأوربية .. بل كانت محاولة صعبة سعى فيها الفنان العراقي لتأكيد شخصيته المعاصرة بما تمتلكه من جذور . فالحداثة ليست نزعة هدامة ، كما في تجارب ( الدادا ) وليست محض رسم انطباعات لألوان البهجة كما في تجارب الانطباعيين . وليست محاولة لجعل الذات حرة في عالم مغلق كما في السوريالية ..

     إنها ، في الحالات كلها ، وبشكل مؤلم تثير الأسئلة : لماذا الفن .. ولمَنْ .. وما جدواه ؟

     لكن الحقيقة الجمالية ، عنصر النافع في الفن – لا حسب تولستوي – يدفع بالفن الى أمام .. انها قوة خفية تجعل الحياة محتملة . بل انها قوة – وقد تكون وهمية – تجعل المستقبل ممكناً في خيال كل إنسان عابر من سكان الأرض . ليس هنا ثمة نزعة نهلستية ( عدمية ) وإنما الإبداع الجمال لقرننا المضطرب ، ولَّد هذه النزعة : التعبير عن المستحيل . تبدل القيم . مناقشة الفناء الحتمي للحضارت . دعارة الحروب السود الكبرى ذات الطابع المجسد للهدم الممثل لطفولة رعناء تتحول الى إبادات جماعية (41) . مجاعات وموتى في الصحراء أو في المدن بسبب كوارث البيئة والتلوث الصناعي وعار التقدم المفجع المهلك لبليارات الكائنات البريئة . التحديق عميقاً في الاغتراب لا بسبب تقسيم العمل أو فائض القيمة بل بسبب جعل أرواح البشر محض معادن في جسد حضاري محكوم بالتقنيات المثالية الغامضة ولكن المتقنة والتي جعلت العذاب بمثابة مسرة .

     ولكن ما علاقة هذا كله بالفن العراقي ؟

     أولاً أنه لم يكن بمعزل عن القرن العشرين ، وأنه كان يتوخى ألا ينسلخ عن هذا القرن : ثانياً . وأنه أراد التعبير عن يقظته الجمالية المعبّرة عن مرحلة التحرر وبناء الشخصية المستقلة ، ثالثاً ..

     معنى هذا ان (( الحداثة )) في الفن كانت استجابة للذات في بحثها عن المعنى الجمالي – الإنساني ، وبحثها الدائم عن أساليب يتمثل فيه الصدق والتجديد في علاقة متكاملة تمثل المهارات والابتكارات ، بعيداً عن الأساليب التقليدية .

     فهاجس أو (( نزعة )) أو (( نويا )) الحداثة عند الفنان العراقي ، منذ الخمسينات حتى الآن ، كانت مرتبطة بالظواهر الثقافية والإنسانية المختلفة . إلا ان الفنان التشكيلي ، في بحثه عن الجماليات وتجربته للأساليب العالمية ، وطنياً وقومياً وإنسانياً ، كان يبحث عن أسلوبه الذي تتمثل فيه حركة الزمن ، أي المتغيرات في البُنى الاجتماعية والمفاهيم الحياتية والعادات والتقاليد ، والذي تتمثل فيه هذه التناقضات من ناحية ، والذي تتجلى فيه نزعة بلورة الموقف من التقنيات المجسدة للمعنى ، أي الوحدة بين البحث الاجتماعي والبحث الأكثر صلة بالفن من ناحية ثانية . 

     فالحداثة ليست مدرسة ، أو فكرة أخيرة محددة بتجربة أو بتجمع فني أو برؤية فلسفية جمالية ، بل هي هذا التيار المعبر عن ذاكرة حضارة وهي تؤسس متحفها الجديد. أنها نابعة من قدرة الفنان على الابتكار وعلى بلورة هويته العميقة .. مثلما هي – الحداثة – المشروع الدائم للإضافات .. أنها محاولة جادة لبناء نظام ينتمي الى عصر قيد الانبعاث ، متمثلاً فيه نبض الماضي أو أسراره الروحية أو رموزه الجمعية أو تقاليده المعرفية ، أو خياله الخصب المجسد لروح الأشياء .. مثلما ان (( الحداثة )) لم تتخلَ عن ذاتها في الحاضر ، باعتبارها تمثل الظاهرات تمثيلاً واعياً ، متمرداً ، وجاداً على مستوى الأساليب والتقنيات ومن خلال التأثر والتمثل للفن العالمي   . وأعتقد ان نقاد المستقبل ، أكثر منا تفهماً لهذا الإنجاز الفني المدهش ، الصادق ، والعميق في إثارة السؤال محدداً : كيف نقيَّم تجربة الفنان العراقي [ منذ أواخر القرن التاسع عشر – وان بدأت بعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ] على صعيد معنى أو تعريف (( الحداثة )) تاريخياً ونقدياً . وأننا لم نحاول هنا إلا إثارة هذا السؤال ، دون إعطاء نتائج أخيرة .. وذلك لأن (( الحداثة )) لم تتوقف .. لأنها ، كما بدأت في كل مكان من العالم ، منذ أواسط القرن التاسع عشر – أو أقدم من ذلك – ستبقى في العراق – وفي الوطن العربي – غير قابلة للتحجر أو الانغلاق . فالحداثة تؤسس فلسفتها ، ما دامت أسست تاريخها . أي أنها لن تتوقف عند تعريف ، أو عند تجربة ، أو فلسفة ، أو عند ظاهرة .. الخ بل الحداثة تنبثق ، كما في تجربة الرواد وما بعدهم في العراق ، من روح الابتكار الفذ ، وغير المتوقع ، المرتبط جدلياً بالمهارات الفذة ، وبالمناخ الحضاري وعوامل التجدد ، وبوضع حلول تقنية وجمالية لروح الفن أيضاً .

     إن الحداثة ، بإيجاز ، هي كل شيء يخص تجديد كيان الحاضر .. مثلما هي – في العالم – من أعظم المحفزات للإيمان بمستقبل الإنسان الجمالي والروحي والاجتماعي .

     وقد كانت تجربة (( الحداثة )) عند الفنان العراقي ، جديرة بهذه الملاحظات .. مثلما ستكون مادة لنقاد المستقبل ، الأكثر تفهماً للخبرات الفنية .. التقنية .. في مسار كتابة تاريخ الفن المعاصر في العراق . أو في العالم .

 

9- مائة عام من التشكيل العراقي

 

     في إطار تأمل المشهد التشكيلي ، خلال القرن العشرين ، قد تبدو وجهات النظر المتغايرة حد التصادم ، ذات أثر في الحكم الأخير ، بيد ان الآراء المتضاربة ، لا يمكن عزلها عن البنية الثقافية والاجتماعية ، الأمر الذي يجعل الدراسات ، والنقد ، وما بجوارهما . غير منفصل عن هذه البنية ، أنها ستبدو ، من زاوية معاصرة مفيدة ، باعتبـــارها متحركة ، وجدلية ، بدل ان يجعل من قانـــــــون ( التصادم ) و( التقاطع ) سلبياً ، الأمر الذي يجعل الاستئناف ، قائماً ، بحسب المنهج وحدوه .

     وهو استئناف يخص طبيعة المتغيرات ، ونتائجها ، فهناك مشكلات ما زالت قائمة ، ولم تناقش ، بصورة أخيرة ، وهي مشكلات تخص توجهات الفنان ، ومعنى فنه ، وثمة إشكاليات تخص المراحل ، والمؤثرات ، والمواهب .. لكن حيوية هذا القرن ، في الإبداع الفني ، لها مغزاها في الكتابة التاريخية ، والنقدية . فهناك مئات الأسماء التي ظهرت ، وعشرات الاتجاهات الفنية ، تركت أثرها في ملامح الفن العربي خلال القرن العشرين : فالذاكرة البصرية استعادت جذورها ، تجاه تيارات الحداثة الأوربية . وقد كان الحوار بينهما – عند الأسماء الرائدة – حيوياً على صعيد الرؤية الفنية ، جمالياً وتقنية وتوجهاً معاصراً . وهذا الاتجاه التجريبي لم يتبلور ألا في حدود الموازية بين الموهبة – الوعي الفني ، والوسط الثقافي . لقد اتسعت خارطة التشكيل العراقي ، وتنوعت الأساليب ، وصار التجريب أكثر صلة بالبعد المعرفي ، وبالحداثة . فثمة مغامرة دفعت بعدد من التجارب نحو آفاق الحداثة توحدة بين الذاتي – والتجربة الإنسانية الكلية ، وكان ثمة – الى هذا البعد تجارب تتمسك بالتوقيع : الهوية ، وناقد الغد سيرى – ان قرنا من التجارب – قادت الى التنوع ، بعد التأسيس ، وما زال الفن يتفتح أمام آفاق بلا حدود : فالمشكلات الفنية ، بكل أبعادها ، بدأت تتبلور ، من الداخل ، في فهم البنية التشكيلية ، وحدود الخطاب بمحتواه الجمالي ، وعمقه الروحي ، ان التوقف عند الأسماء البارزة والهامشية أحياناً ، يلقي الضوء على المسارات التي شكلت محتوى التجربة التشكيلية العراقية ، وقد لا يحد المتابع صعوبة ،وهو يتأمل تجربة ما من التجارب ، في أرجاعها الى زمنها .. فقد كانت هناك مراحل متعاقبة ، لها صلة بالأحداث الوطنية والقومية .. ولها صلة بالحركات الفنية الأجنبية .. ولكل مرحلة سمات واضحة على صعيد المضامين والأساليب ، وفي الوقت نفسه ، هناك ، على مدى هذا القرن ، ملامح مشتركة أو متجانسة ، كاثر البيئة في الإبداع التشكيلي ، الى جانب البعد الثقافي ، والأثاري ، فضلاً عن تأثيرات التيارات الأوربية .. ان هذا التداخل يضفي سمة البحث ، والمغامرة ، والتأمل ، داخل النص الفني .. ومكانته الإبداعية .

 

الأجيال : إشكالية المراحل .

         شاعت ، في الكتابة والحوارات ، مصطلحات متغايرة ، أو متجاورة ، تعبيرية أو فنية ، أيديولوجية أو جمالية .. الخ . ولكن من ينظر عن بعد ، لن يتوقف عندما كثيراً . كان كل مصطلح أو ( مفهوم ) وليد أسبابه ، وزمنه ، ويتحرك المفهوم باتجاه الإلغاء ، والتعديل ، لبلورة فسيفساء اللوحة بأبعاد القرن ، ان أسئلة الأسس ، فقدت بريقها ، وأثرها ، ألا في حدود التكرار ، أو محاولات بناء النص الفني الجديد . لقد أقترح أكثر من كاتب ، مفهومه صلة بالمنجز الأسلوبي .

     كان هناك ، مثلاً ، الأوائل .. الرواد .. جيل الستينات .. السبعينات .. الخ . فالأوائل هم مجموعة من الضباط في الجيش العثماني ، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، تمسكوا بهواياتهم الفنية . أبرزهم : عبد القادر الرسام ، عاصم حافظ ، محمد صالح زكي ، الحاج محمد سليم .. الخ . وكانت أساليبهم واقعية تسجيلية . كانوا يرسمون بخبرة الهواة :تقليدية .. وآثارهم في المتحف تفصح عن تأثيرات المدارس الأوربية ، التي كانت سائدة في إنتاج الفن ، كما سيحصل بعد نصف قرن ، كسلعة ، تنتج للسوق ، وبمواصفات ذات أبعاد خاصة كان الرسم أكثر سيادة من النحت والخزف ، حيث عبرت الرسومات عن حياة الريف والمدينة والشخصيات والحياة الجامدة ، بتقنيات مدرسية تكاد أهميتها اليوم لا تتجاوز ذلك . ومنذ العقد الثالث ، سترسل الدولة ، أولى البعثات .. أكرم شكري وعطا صبري والدروبي وفائق حسن وجواد سليم .. لتشكل هذه الأسماء ، بعد عودتهم ن أوربا ، جيل الرواد . لقد تبلورت خبرة وأسئلة . ولم يكن الفن ( الحديث ) المنجز وليد صدفة ، فقد كانت المتغيرات الاجتماعية والثقافة تمهد لذلك . كانت بغداد ، وبعض المحافظات (كركوك / الموصل / البصر ) مثلاً المراكز الأساسية لتلك التجارب . ومنذ قيام المعارض الأولى ، في الثلاثينات ، ومعارض جماعة أصدقاء الفن في الأربعينات ، وتأسيس ثلاث جماعات فنية ( الرواد / بغداد للفن الحديث / الانطباعيون ) وحتى إقامة بعض المعارض في الخارج ، في لبنان ( 1957 ) كان الفن يتخذ بعده الاجتماعي ، ، وشرعيته . فقد أصبحت مادة الرسم ، في المدارس ، أساسية . ومن تأسس فرع الرسم والنحت في معهد الفنون الجميلة ، في الأربعينات ، وتأسس فرع الخزف ، بعد ذلك .  

     أن الأسماء التي ظهرت ، كانت رائدة ، لا بالانتماء إلى الخمسينات ، وإنما للأساليب والأفكار والنصوص الفنية المنجزة ، أستمد الإبداع مكوناته من عوامل شتى (1) التأثيرات الأوربية المباشرة (2) دراسة الموروث بكل أقسامه الأثارية والثقافية والشعبية (3) الانتماء للهوية ، للتوقيع ، والشخصية (4) والعناية بالأفكار وحركة الواقع والتيارات السياسية ان هذه الأسباب ، وبوجود مواهب مناسبة ، أدت إلى وجود ظاهرة جيل الرواد . وجاء الجيل . التالي ، الستينيات ، عقب أحداث مشتركة ، ليعلن عن نزعة التمرد . ولد هذا الجيل بعد حزيران (1967)  ليمنح الفن قوة الواقع : لقد صار معنى الفن  أكثر تماساً مع السكان .. وعبر مزيج من التأثيرات الأجنبية ، الوافدة بغزارة ، والأفكار الوطنية ، أنحاز الفنان للنص الفني ، كجزء من معناه الداخلي . ظهرت أسماء جديدة مثل : كاظم حيدر ، إسماعيل الترك ، محمد مهرالدين ، ضياء العزاوي ، رافع الناصري ، راكان دبدوب . الخ ، لكن التجارب الفنية ، وبعد أن تأسست أكاديمية الفنون الجميلة ، وعدد من القاعات ، وظهور كتابات فنية متناثرة في الصحف ، وتنوعت .. وأصبحت التشكيل ، ظاهرة ثقافية اجتماعية . وبع سنوات ، قليلة ، ستتداخل الأجيال ، لتسود ظاهرة الأساليب ، والاتجاهات الفنية . ستظهر تجارب البعد الواحد أو استلهام الحرف العربي ( شاكر حسن ال سعيد وجميل حمودي ) وستظهر جماعة الأكاديميين ( كاظم حيدر ووليد شيت ) .. بعد ان كانت الجماعة الفنية الخمسينية والستينية لها حضورها الواقعي والرمزي . هذا التداخل ، في التجارب ، دفع بالحرية وبالتجريب والابتكار إلى مجال أكبر ، زاخر بالاجتهادات ، والتوجهات ، فظهر معرض الحزب الأول (1974) وبعد ذلك ، ظهرت معارض الواسطي ، ومعرض الستين الأول في بداية السبعينات . لكن التوجه ( الجماعي ) لم يصطدم بحرية الأساليب . فالإنتاج الفردي أخذ بالتشعب ، والتفرد ، حتى بلغ ذروته في نهاية القرن .

 

    تقاطعات

     هل تنتمي تجارب مائة عام ، ونحن نتهيأ لدخول الألفية الثالثة ، الى الماضي : الماضي الذي مضى ، ذلك الذي كان منفصلاً عن ماضيه أصلاً .. أم ان هذه التجارب تمتلك إثارة أسئلة ، وقضايا هوية فكرية ، وأسلوبية وتقنية ؟ في الحالتين كان زمن هذا القرن مزدوجاً . في البدء ، كان الفن صدمة .. صدمة كلية . وفي الوقت نفسه ، ومنذ منتصف القرن ، كانت ثمة محاولات استنكار ، وتشبث ، بالماضي الذي مضى ، وبالموروث باعتباره الجذر . وهناك الحل الثالث . المزاوجة والمداخلة والتلصيق والتجريب . ان الباحث ، ان الباحث يتعرف على أساليب مختلفة ، متنوعة ، وذات أهداف متعددة . لقد بدأ الفن الحديث ، لا من الجذر العراقي أو الموروث الفني الإسلامي ، وإنما تكراراً لحداثات أجنبية . وسرعان ما حدث الشعور بالاغتراب ، عند المشاهد وعند الفنان ، الأمر الذي جعل مفهوم الهوية يأخذ مساراً آخر . وبين إرضاء الذائقة العامة ، والخاصة ، حدثت تفرعات أسلوبية .. ما زالت قائمة بصورة أكثر حدة من بدايتها . حقاً كانت المؤثرات الأوربية حادة : مؤثرات تخص البناء العام .. فالي جانب دخول التكنولوجيا الأولية ، كالطاقة الكهربائية والاتصالات والطباعة والهاتف .. الخ انتهى القرن بدخول تكنولوجيا جديدة : الكومبيوتر والانترنيت والقنوات الفضائية .. الخ  وكان السؤال : هل يمكن عزل الإبداع عن خطابه الكلي .. هل يمكن استرجاع الهوية بتأمل الماضي .. وماذا يعني الفن خارج الأصالة والعمق والتاريخ وروح العصر ..؟ في البدء كان الانشغال يخص الوعي .. والوعي بالتقنية بالدرجة الأولى .. فكانت الحركة التشكيلية ، بشكل عام ، أوربية الأصول ، صار الفن يعمل بالأساليب والاتجاهات الأجنبية ، بل وحتى النظرة الى الواقع ، والموروث ، في الغالب ، لم تسلم من ذلك . لكن الحيوية ، والانتباه للهوية ، والخبرة ، كلها عوامل ضاعفت الصراع ، وحدته ، ونتائجه .

     فلم يكن الفن سلعة تقذف الى السوق .. أو الى المجهول . ولا يمكن دراسة حركة فنية باعتبارها ثمرة هواية .. كانت التقاليد مزعزعة في إطار تقبل المجتمع للتحويرات الأسلوبية .. بل والقبول بالحداثة بلا شعور كثمرة حوار في الإبداع . والقرن ينتهي . والصراع هذا في ذروته . ولنجري مقارنة بين الفن ، في ماضيه . وما هو عليه .

يقابل الفن الحديث ، تجارب راسخة تكمن في الجذور . لقد تم اكتشاف الماضي في منتصف القرن العشرين ، تقريباً . وتم اكتشافه بخبرة أوربية . فالحداثة ، في الغالب ، تخص السطح ولا تخص البنية الداخلية . كان الموروث ، ومنه الإسلامي ، يمتلك أصوله وتقاليده وشرعيته . فقد كان هذا الفن جزءاً من المعتقد ، والبنية الاجتماعية ، والثقافية . وكان الناس لا يجدون تقاطعاً ، لا في الدار ، أو المعبد ، أو الشارع ، أو المدينة ، مع الإبداع الفني .. وهذه الأصول تعود الى سومر ، قبل سبعة آلاف سنة . بيد ان الفن ( الحديث ) جاء حديثاً في الزمن ، وفي المعنى ، وفي التوجه ، الى ان جاءت الحداثة لتصنع روادها على صعيد الفن ، وتصنع مستهلكيها على صعيد الجمهور . فكانت هناك قاعات العرض ، الخاصة بجمهور شبه خاص ، وكان الخطاب يمتلك لغته الأخرى ، التي ما زالت أجنبية .

ان موروث المشاهد ، في الغالب ، لم يكن بصرياً . كان السمع قد كون ثقافته . ولا نقول تحديداً ان الصمت في البصريات كان يقبل الخطاب ، في اللغة .. بل ان الحداثة الأوربية ، كانت تجاوزت إشكالية السرد والقصة في الفن .. بينما كان الجمهور العراقي والعربي عامة ينتظر شيئاً آخر .

وقد حدث التقاطع بين المعنى ، وإشكاله . فصار الفنان يعمل على بناء فنه الحكائي ومعناه من خلال الأشكال الحديثة ، المستعارة من الفنون الأخرى . بل حتى وهو يعالج المعنى الموروثي لم يعثر على الأشكال المناسبة له ، فراح يعتمد الرمز ، والعلامات ، لدرجة غدا الرسم تلطيخات وشخابيط لم يستسغها الجمهور العام . كان ان لم يكن الصراع ، في القرن (21) أكثر حدة وتعقيداً . مع ذلك كان الفن يأتي استجابة لجمهور يولد داخل الصراعات والمتغيرات : الفن وهو يعكس نظام الوعي ، والأحداث ، والأبعاد الجمالية .

 

تنويعات الأسلوب والهوية

 

     إذا كان الصراع الأسلوبي الأوربي ، قد دفع بالحداثة الى الذروة ، فأن هذه (الحداثة) خرجت من نظامها الكلي : الفلسفي ومختبرها الفني .. وما حصل من تنويعات ، ومتضادات ، فيها ، فهو مسلمة تطورية . لكن الأمر في الفن العراقي ، يختلف تماماً . كانت حتمية التنوع الأسلوبي ، تخص التجريب ، وأرضاء المشاهد ، والبحث عن خلاصة . أذكر جملة قالها حافظ الدروبي . قال أنه رسم بكل الأساليب ولكنه لا يعرف ماذا يريد المشاهد ‍ بالفعل ظهرت في التشكيل العراقي ، أساليب واتجاهات   مستمدة من روافد مختلفة .. ومن بلدان متغايرة .. وقد عكست مفهوم التجريب من غير هدف عدا محاولة صناعة العمل المقبول ، أو السلعة القابلة للاقتناء . عامة ، يمكن اعتبار هذا التنوع ، دلالة حيوية ، وبحث ، ومراجعة .. ومع ان الحداثة الأوربية كانت تهتم بالتوقيع الخاص بالمبدع ، سنرى فنانا ، يهتم بهذا الجانب ، ولكن في إطار الهوية الجمعية أو شبه الجمعية . أنه بلا شعور منه يرجعنا الى النظام الفني عند القدماء ، أو عند العصر الوسيط ، حيث تبرز الذات الإبداعية ألا باعتبارها صوتاً جماعياً . هذا الأشكال جعل التوقيع ، عند الفنان ، مرتبكاً ، ومفككاً . وهذا الخلل يغاير أهداف الحداثة ( الأوربية ) التي لا يريد ان تصبح حداثة وطنية وقومية في الأخير ، أي ان الفنان يعمل على عكس التيار .. لهذا نرى الفنان ، خلال هذا القرن يعمل على

الرجوع الى الواقع : القرية .. والمدينة .. والطبيعة ..

ويستلهم الرموز ، التي صداها لدى المشاهد ، والمتابع : الرموز الدينية (قباب .. مساجد .. أرابسك ) والثقافية ( ظاهرة استلهام الحرف العربي ) والطبيعية ( كالخيول ) مثلاً ..

والموضوعات الاجتماعية ، والتاريخية .. ذات القصة أو التي تعتمد الحكاية .

والعناية بالتجديد ، وتحويرات العمل الواقعي ، واختزاله .. الخ

 

     ان الفنان كان يعمل على إرضاء الأخر .. بالدرجة الأولى . وسيحدث التقاطع في هذه التوجهات ، بصورة جعلت التنوع ظاهرة عامة ، وحادة .. فالأشكال ، والتقنيات ، والعناصر كانت شبه مستعارة من مصادرها الأجنبية . ولم يكن العمل على بلورة مدرسة عراقية ، كما لدى جماعة بغداد للفن الحديث ( جماعة جواد سليم ) بالأمر السهل . ولم تكن مكونات الهوية الفنية موازية للنوايا ، والتوجهات الفكرية . فقد تداخلت التوجهات والأساليب واكتفت بالتنوع والمعاصرة . والسؤال كله يخص ماذا كان يريد الفنان .. وماذا كان يريد الوسط الاجتماعي الثقافي ؟ ان دراسة ( الخلخلة ) الواقعية ، والصدمات ، والمتغيرات ، جعلت الفنان جزءاً منها : مرآة لقانونها المتحرك ، فقد أمتاز القرن بحركة وبحث واستئناف دائم للبدايات : أنها خلاصة لا يمكن عزلها عن نظام الحياة العراقية العربية العالمية ، ولا عن جوهر الفن ودوره ومصيره .

 

  الفنان والأخر 

     لسنا بصدد تأمل ( الضرورة الحرية ) ألا باعتبار الفن ، حاجة ان كانت زمنية . تاريخية ، أو روحية أو معا . بهذا الدافع كان الفنان يلبي رغبات الأخر ، الوسط الاجتماعي ، الثقافي ،والذاتي أحيانا . بل كانت الذات ، في الغالب ، مندمجة بالأخر ، وبالمحيط ان كان ماضياً أو مستقبلياً . ومع ذلك كان وجود الفن تحدياً .. في الخزف والنحت والرسم ، وأمام تقاليد بصرية غائبة ، أو تنتمي الى مناخات الدولة العثمانية وهي تشهد موتها ، هذا التحدي له علاقة بالحوار مع الأخر ، في رحلة غير واضحة المعالم لقد لم استلام ( بنية ) شبه كاملة ، بالمضمون والشكل ، وراحت هذه البنية تتغير في الإطار ذاته .

     فمنذ كان الرعيل الأول يرسم بالواقعية التسجيلية ، الموضوعات التقليدية ، صار جيل الرواد يؤسس مفاهيمه للفن . الرواد يعملون على إنشاء الرسام ، وجماعة بغداد للفن الحديث تعمل على جدلية الموروث والمعاصرة ، وجماعة (الانطباعيين ) تعمل على اكتشاف ذاتها ( البصرية ) بالواقع العراقي .. وفي الستينات ، حدثت تمردات أسلوبية ، من داخل الرسم والنحت ، ولكن بمنطق البنية ( الأوربية ) : كانت الموضوعات ، أحياناً ، مستمدة من التراث ( شاكر حسن ، كاظم حيدر ، ضياء العزاوي ) أو من الواقع المتأزم ( محمد مهرالدين / إسماعيل الترك / صالح الجميعي / علي طالب / فائق حسين / أرداش كاكافيان ) أو في سبيل التعبير عن حداثة فنية لها امتياز التمرد ( المجددون / الرؤيا الجديدة ) لقد كان الفن ، في هذا الإطار ، يلبي رغبات الأخر ، ويعكس طبيعة الأحداث ، القومية (الجزائر / فلسطين / لبنان ) ويعكس طبيعة الثورات الوطنية ومنذ ثورة العشرين حتى ثورة 17/30 تموز 1968. وفي الوقت نفسه ، كانت هناك تجارب أكثر راديكالية ، وتطرفاً ، وقد قادها ، في أكثر الأحيان ، شاكر حسن ال سعيد ، وراح ينظر لها ، منذ ( البيان التأملي ) و ( الجدران ) و( البعد الواحد ) ..

     وليس غريباً ان معارض الخمسينات كانت تقام في ( السنتر ) البريطاني والأمريكي .. وكان الاقتناء يتم من قبل الأجانب ، بنسبة كبيرة جداً . هذا ( الأخر ) حتى نهاية القرن ( 2000) كان أجنبياً . وال‘مال الفنية التي اقتناؤها . في الداخل ، هاجرت ، خلال العقد الأخير ، ولم يبق منها ألا ما تم الاحتفاظ به في متحف الرواد ، أو عند عدد قليل من هواة جمع الأعمال الفنية . لقد لعب الأخر الدور الواضح في الأساليب .. وهنا يحدث الفارق بين التشكيل وفنون الكتابة .. لأن ازدهار الأول حصل بسبب الأخر ( الأجنبي ) بينما كانت فنون الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح ، تواجه أزماتها في الداخل . ان كلمة حافظ الدروبي تعكس عمقها في هذا المجال ، فالسوق بحاجة الى تنوع في ( البضاعة ) لتلبية ذوق الأخر ، بالدرجة الأولى . ومن الطريف ، ان الأخر كان يرغب بالفن الأكثر صلة بالتراث الشعبي ، وبالفلكلور ، والأساطير العراقية ، والطبيعة . فهو أيضاً لا يبحث ألا عن جماليات محددة : الحروف .. والإسلاميات .. والانطباعيات ولم يكن يبحث عن الفن ( الهوية التوقيع ) ألا في النادر . وسوق الأعمال الفنية ، اليوم (2000) وعبر قاعات العرض ، ودكاكين بيع اللوحات والآثار الفنية ، يفضح العلاقة بين المنتج ( الفنان ) والأخر ، وعلى حساب الفن من غير شك . فالنقد الفني لم يعد مؤثراً ، في هذه العملية ، وهو ، عامة ، كان مضافاً    للعملية الإنتاجية الفنية ، ولم تكن له سيادة ، أو ذلك الحضور الواضح والمؤثر . بهذا المعنى ، كانت ( الهوية ) الذاتية مستلبة ، وابسط إشارة لها ان هناك عشرات الفنانين يرسمون بأسلوبين .. الأول ، الأسلوب يعرضونه في معارضهم الشخصية ، والأخر ، يتسرب الى دكاكين الفن ، للبيع ، والأمثلة تبدأ بالأستاذ فائق حسن .. ولا تنتهي عند تجارب : وليد شيت .. سيروان باران .. ضياء الخزاعي .. حسام عبد المحسن .. عاصم عبد الأمير .. الخ أنها ليست ازدواجية فحسب ، بل أنها تفسر قلق الشخصية ، وأثر السوق ( الأخر ) في أنتاج أكبر كمية من الأعمال التي تجد رواجاً وتسويقاً سريعاً . مع ذلك وفي هذا المناخ الشائك أسئلة الفنان تخص جوهر توقيعه : هويته الشخصية . فالفنان يكون ذاته بجذورها ورافدها لصالح بنية العمل الفني : البنية التي تصنع أفقها الإبداعي ، لدى الأخر ، جمالياً وإبداعياً . وهو المسار الذي أخلص له جواد سليم ، بعيداً عن الأخر ( المباشر ) . فالفن أفق آخر للحرية ، وتحرر الذات من اغترابها : أفق المغامرة وتحرك الزمن الحضاري .. فالفنان لم يعد يفكر باستنساخ إنتاج الأزمنة القديمة .. بل هو يستلهم من الكنوز ذلك السر الكامن في الخلق الإبداعي . لقد انتج السومري العجلة ، وعلى الفنان اليوم ( في القرن 21) ان ينتج عجلة وملحمته وبصرياته مع حساب التراكم الزمني ، النفسي ، الحضاري . أنه سيقيم قطيعة مع ( الماضي ) ومع ( الفن الأوربي ) قطيعة موت من أجل انبعاث فني له توقيعه وعلاماته المحررة للرؤية . هذا الدافع ، في الجوهر ، يلخص نبض ومحركات التشكيل العراقي ، ومساحته الكبيرة عربياً في الأقل . ولعل أبرز الأسماء ، ومنذ نصف قرن ، تعمل بهذا الهاجس التجريبي ، المعرفي ، مع عشق للمغامرة والبحث والمعرفة والتحدي.              

 

     الهوية الحداثة

     لم تحمل الفنون القديمة توقيع مبدعها ، وان وجد ذلك ، فلا معنى كبير له . كانت الهوية جمعية ، تبعاً للمعتقد ، أو لسيادة الدولة ، والحاكم على وجه التحديد . ومنذ بدأ الفن الحديث ، بعد غزو نابليون لمصر وتشكل الدولة العراقية الحديثة ، صار توقيع الفنان ، بشكل أو آخر ، له مغزاه . أنه جزء من الحداثة الأجنبية . حيث توضح هدف الفن ، في المسار الحديث للحياة العامة . بيد ان الفنان الذي راح يستعير هويته ، وعلى مدى قرن ،أخذ يتأمل معنى ( ألانا ) في هذا المجال . وسأغير نص أحد النقاد في مجال الشعر ، باتجاه التشكيل ، ليشخص ، بأن الحداثة التشكيلية ، ليست مجرد بنى وتشكيلات وعناصر فنية . فهي تفترض . بدئياً . معرفة الفنان نفسه بوصفه ذاتاً ، وبوصف هذه الذات إبداعاً، وكون الفن يعمل على الكشف ، والإفصاح ، والإيصال . هذه الإحاطة المعرفية نفسه ، الشرط الأول للهوية ، أي للعلاقة الخلاقة مع الأخر . هكذا سيتوضح لدينا المنهج في الحكم النقدي ، في كون الفن ليس امتداداً للزخرفة ، وليس امتداداً للعناصر الديكورية ، والترفيهية ، وإنما للفن ، كحداثة ، قضية ، وشروط فنية لا يمكن التخلي عنها ، أو أفعالها . ومثل هذه المراجعة ستقع على عائق نقاد الغد ، في تفكيك النصوص الفنية ، وغربلة الكتابات ، في مسار تحديد ملامح الهوية الحداثوية العراقية في التشكيل . بيد أننا لا نستطيع إغفال المهارات والمواهب شرط لا يلتقي مع الإبداع ، فهناك أسماء كثيرة نتعرف عليها . أسماء استطاعت ، بغياب التفرغ الكلي للفن ، ولدوره ، في الحياة الاجتماعية الثقافية ، ان ترسم هوية التشكيل العراقي ، انطلاقاً من مصادر واقعية ، تراثية ، شعبية ، وتجارب الشعوب ، مع وعي بالتكنيك والتقنية ، لبلورة عناصر هويتها . فلا يمكن إغفال أسماء مثل : مديحة عمر / صديق أحمد / نوري مصطفى بهجت / جميل حمودي / د. خالد الجادر / إسماعيل الشيخلي / نوري الراوي / محمود صبري / نجيب يونس / كاظم حيدر / محمد علي شاكر / سعد الطائي / محمد عارف / سالم الدباغ / سعاد العطار / خالد النائب / ليلى العطار / ليزا الترك / علي طالب / فهمي القيسي / نزار الهنداوي / وليد شيت / مخلد المختار / كريم سيفو / فاخر محمد / عبد الأمير علوان / أياد الحسيني / كريم رسن / حيدر خالد / محمود العبيدي / علي آل تاجر / الخ  وأسماء أخرى .

     فثمة ملامح مشتركة قد تبدو غير واضحة .. لدينا .. على صعيد التكوين .. والألوان .. بطرق التنفيذ .. والبعد الشرقي ، الصوفي والشفاف ، وتصوير المدينة والقرى . والحياة الاجتماعية . والصور الشخصية ، والعناية بالطبيعة العراقية ، والمشاهد الشعبية ، والحرف العربي ، والرموز المستمدة من الموروث ، والحضارات القديمة : ومعالجة فراغ غير مفهوم ص71  والأجنبية الأخرى ، كلها ، تتداخل ، تشكل بنية الفن الحديث : بنية الفن التنوع في إطار الوحدة العامة .. وحدة التجريب ، نحو التأسيس ، بل ونحو الريادة الإبداعية ، التي ستبقى قائمة ، بتجدد الزمن ، والأسئلة .

 

 

الأسلوب الفني المعاصر

وهم اليقين وصدقه

 

     يذهب كثير من متذوقي الفن في تحديد أهمية المنجزات الفنية ، لديمومتها الزمنية .. على ان هذه الديمومة ، وبفعل الشروحات المصاحبة لهذه الأعمال تكمن في أهمية تلك الأعمال فنياً وجمالياً فالذوق العام تشكل عبر حقبة طويلة ، حتى أنه يرتبط عميقاً بالعادات والمعتقدات والتقاليد المختلفة .

     فهل يحقق الفن الحديث ، والتجارب الأكثر حداثة ، هذا الحكم لدى غالبية السكان ؟ بلا شك ستبقى ثمة معادلة سليمة حتى في أكثر البلدان عناية بالفنون الجميلة .. فالذوق العام ، ليس الأخير في قول الكلمة الفصل ألا بعد ان تكون (( النخبة )) المفكرة قد قالت كلمتها ، بصدد هذا الاتجاه أو ذاك الأسلوب الفني لهذا ستبقى هناك مفارقة شبه دائمة بين المبدع والمتلقي / أي المسافة الفاصلة بين أنظمة التفكير وزاوية رؤية العالم وتحديد هذه الزاوية وطرق معالجتها . أننا لا نريد تفسير (( العبقرية )) حسب ما يقال بل نرى ان المهارات الكبرى هي القاعدة ، والذوق العام هو الذي يعاني من مشكلات عدم الأستساغة أو الاستجابة الصادقة .. وستبقى هذه المسافة ، بالرغم من محاولات التقارب والانسجام والشرح ، فاصلة بين منظومتين في الإبداع والتلقي ، فالفنان يرى إنجازه كشكل من أشكال ((ضمير)) عصره بينما سيتمسك المتلقي بإرث العادات .. ان هذه القاعدة ، ليست يقيناً بل هو الوهم الذي يتشكل لأسباب لا تحصى . ولكن أسلوب الفنان في الوقت نفسه ، لا يمكن ان يعالج في ( بنية ) ثابتة . فكل أثر ينضم إبعاده المتداولة (الأزمنة الثلاثة .. الأبعاد النفسية .. الاجتماعية .. الحرفية .. الروحية الخ) فالأسرار الكامنة في جوهر الخلق الفني ما زالت تسحرنا بوهمهما تارة .. وبيقينها تارة أخرى . وعملية الفصل بين اليقين وضده أو بين الحق والباطل محاولة ان لم تحصل تثير الغثيان وان حصلت فأنها لا تدل ألا مستوى غير رفيع في الحكم ، على أن الصمت تجاه عدة التفرقة بين الإبداع الوهمي ونقيضه هو بحد ذاته كارثة .. فالإنسان يعزف من هذه الزاوية ، كمخلوق جمالي يمتلك حساسية مشحونة بالدهشة والغرابة والاستبصار .. يضاف لهذا ان ( الوهم ) قد لا يخص ألا قانون التحولات .. والتراكم .. وفناء الأشكال وانبعاثها وفق عمليات دائرة أو حتى حلزونية لأن (( الوهم )) يساوي الباطل أو كون الأكثر تقدماً في الباطل لا يمكن ان يصير يقيناً .. ففوق كل وهم وهم ثان ، وثالث .. لأن الوهم الأول (( أس )) الأوهام المتراكمة ، كامتداد أفقي لها .. وحنى عندما تغدو الرؤية (( عمودية )) أو هرمية فأنها قائمة على العدد (( واحد )) الأول غير القابل للإضافة ألا كامتداد .. وهو الامتداد الذي لا يتمثل فيه اليقين .

     أننا هنا نتلمس مشكلات اللا فن في تاريخ الفن الذي لم يمض عليه زمن طويل ، واللا فن ليس محاولة لابتكار منظومات تفوقية لا تنفصل عن فلسفة عصر ما فوق الحاسوب التقليدي في مرحلته الرابعة على الأقل أو في عصر ما فوق التصنيع : عصر ينشط فيه الخيال كما في عصر سابق ، لإبقاء المستقبل حقيقة واقعية وصلبة واقصد بهذا ان الأساليب الفنية هي ثمرة مصادر لا تحصى تجعل ( التفرد ) منسجماً مع المشهد الجمعي للسكان . والتفرد بحد ذاته ، في اختبار طرق الحياة أو الإبداع الجمالي أو الموت ، أو الإبداع الوهمي . يتشكل بعيداً عن (الحرية) الخالصة ، فالحرية حسب تعريف لها إذا كانت تعني عدم الإيذاء ، فأنها ستكون ضرباً من الميتافيزيقياً .. لأن قوانين الديناميكية ، المباشرة والأكثر تعقيداً قائمة على نظام الإزالة فالأشياء كل الأشياء ، المادية أو الأفكار المتسامية لها عمرها الزمن مثل كل كائن لا متناهي في الكبر أو الصغر .. ومثل هذا القانون الثابت حسب ما لدينا من خبرة يجعل أساليب الإبداع الجمالي جزئية وستبقى طموحات البحث عن رؤية كلية جزءاً من الوهم السلوكي أو الخيالي .فإذا كان المتلقي ، لا يمتلك ألا هذه القاعدة فأنه لن يمتلك جسراً أخر للعبور نحو الفن ، وتفهم الابتكارات المستحدثة ، والتي لها علاقة غامضة أو غير قابلة للشرح ، بالقدم فالأساليب تستحدث ضمن حداثة وجودها .. والعملية التأملية للأساليب ، لا تمتلك ألا هذا القانون .

     على ان الإبداع والتذوق عند المشاهدين يحاول قلب الجزئي الى كلي .. والمتحرك الى ثابت والباطل الى حق .. وعلى الصعيد الأخير ، سيقال ان الجزء الذي هو ( الوهم ) ليس وهماً ، وإنما هو ثمة إطار الوجود الكلي ، يمتلك نسبة من ( الحق ) المطلق . فليس ثمة ما هو (( زائد )) .. وأن الوجود خارج وعينا ، ليس استهلاكياً .. وان الفنان والمشاهد أو المؤرخ والناقد لا يحق له الإحساس بعبثية (( سيزيف )) بل عليه بكل هدوء الامتنان بواجب الشكل . فحتى عندما يستعصي فهم الأشكال والموضوعات فأنها في واقع الأمر ، واجبة الوجود ، لأنها (( موجودة )) أو (( ملقاة )) بل لأننا في تعاملنا معها ، نبرهن على يقين العلاقة بينهما .. وألا لماذا كان هذا الوعي الذي يفند كونه ثمرة تطور من ( اليد ) والعمل الى ( الفكر ) والى عصر ما فوق (( الرابط الحساس ذاتي التفكير )) بمعنى أخر ان الأسلوب والمنجز الفني برمته يحقق ذاته . كبنية مترابطة مع عوالمها وعللها . فالأسلوب ليس ثمرة الوعي بمعزل عن الحاجات .. ولكن المطالبة الدائمة في الإبداع تتعدى هذه البديهة . لفن اللا أسلوب وكل ما يشكل ( مادة ) الثقافة الفنية الاجتماعية . وهكذا سيبقى الصراع بلا حد ولا يتاح لأحد ان يقول كلمة أخيرة عدا ان تاريخ الفن وتقاليد الذاكرة الجمالية ، وتجار الأعمال الفنية ، سيحصلون على مكاسب إضافية . بيد ان قانون تحولات المادة وعدم فنائها يبرهن على عظمة هذا الوهم لأن عملية الحدس بالتاريخ لم تعد علماً مثلما حاول عمانوئيل كانت ان يجعل من الميتافيزيقيا علماً .. فالوهم بالأسلوب يفصح عن فقر (( كبرياء )) زائف وعن سوء نية متجذرة في بؤس الوعي الفلسفي لا في حقيقة ما وراء حقيقة الوجود .. وفي الأخير يضطر ( الناقد الحكيم ، المدرك لجهله ) بالكف عن الكلام ، ولكن ليس لصالح ( الصمت ) مثلما يضطر هذا النموذج للصمت ولكن ليس لصالح (الكلام) وإنما لصالح فكرة ان من يفرق بين الجمال والقبح لا يمتلك شيئاً من علم اليقين .. وان من لا يفرق بينهما ليس بأفضل من الأول الأمر الذي يجعل بحث الفنان يماثل بحث الباحث في ما وراء القبح والجمال وفيما خلف الصمت والكلام . وعلن كهذا ما زال قيد الطموح ولا يراود ألا أصحاب الامتنان للأشياء كلها ، باعتبارها أولاً وأخيراً صادرة عن علة واحدة وان الخلل في الحكم لا علاقة له ألا بمن يتعجل الحكم بينما تكمن الحقيقة في ذاتها بلا صفات أو مسميات ، وهي قبل كل شيء ليست بحاجة لمن يتزعم الدفاع عنها بثيوقراطية مقننة بوسائل علمية فائقة ..

هكذا يتم النظر الى وحدة ( اليقين الوهم ) بالأسلوب نحو نزعته اللا أسلوبية بحركة حلزونية إنما مغاير للقبح كجمال .. أو للجمال كقبح ومثل هذا الوعي بتفسير الأشياء لا يقود الى كوارث خرقاء بل الى استمتاع يخص جوهر قانون الأجزاء وهي تعمل ضمن قانونها اللا مرئي .

 

 

 

في نهاية القرن العشرين

أسئلة الفن .. والأسلوب

 

     ما الذي يكمن في الفن : هل يظهر في تفاصيل الأشكال أو يختص وراء علاقات العناصر .. وهل ثمة ما هو أبعد من ذلك الذي تم التطرق أليه ، عملياً ونظرياً ، حتى نهاية القرن العشرين ؟ وهل ان نظرية أو فرضية ( موت الفن ) محض فكرة وقد تلاشت ، أمام إبداع الإنسان في مختلف الحقول ، العملية ، والجمالية .. وان الدراسات ذات البلاغة العلمية لم تأخذ مكانتها في اجتياز ظاهرة إثبات الفن ..؟

     وأسئلة أخرى ما زالت كامنة وقائمة بين ( لماذا ) الفن .. و ( كيف ) تتولد بسبب ظاهرة الفن ، بكل أبعاده ، ومستوياته ، وعند مختلف الشعوب والفئات السكانية .. ففي وجود الفن قوة شيه سحرية تنتمي الى نشأته الأولى : ذلك التحول من التأمل المجرد الى الإنجاز التأملي .. والى الفعل الجديد الحاصل بقوة الإبداع .. الأكثر بلاغة من أي تعريف يحاول الإحاطة بها .. فقد ظهر الفن لدى سكان الكهوف .. وظهر في القرى المبكرة .. وتطور .. وأزداد صلة بالتطور الحضاري .. وما أنفك يزداد تعلقاً بالقلب والماكنة التقنية على حد سواء : الفن في خطابه الذاتي .. والكوني .. والمشترك أو المتداخل بينهما .. الفن المجرد .. والتشخيصي .. والمحور .. والمتوازن بين المعلوم المرئي وغير المعلوم أو المجهول . الفن الذي يتحدث عن الأزمنة في الزمن الواحد .. والفن الذي يتحدث فيه الزمن الواحد عن الأزمنة .. الفن البدائي والفطري والفن المقنن بتقنيات عليا .. هكذا ، لم يتوقف الفنان في عمليات الإنتاج ولم تتوقف الدراسات والمناهج الجديدة في تسليط الضوء على ظاهرة الفن ، في البعد العملي أو الجمالي ، أو الروحي ، أو السياسي ، أو الاجتماعي ، أو النفسي الخ وكان ثمة قوة خفية ما زالت تكمن في مكان مجهول . قوة كامنة في الإنسان ذاته ، كظاهرة غريبة ، ذات دلالات كبرى ، محيرة ، عميقة ، عبثية ، هادفة ، مرحلية مطلقة ، مثالية ، لا أدرية ، وقوة تكمن فيها أكثر الفلسفات وضوحاً وغموضاً على حد سواء . الإنسان ذاته الذي يصنع الفن ، ويخترع ، ليدل عليه ، أو ليختفي داخله ، أو كإشارة له ، وأثر .. حيث لا يمكن فصل الفنان عن فنه .. ولا فصل الدال عن المدلول ، في حضارة تحمل تاريخ الإنسان وأسراره المعلنة أو الخفية ..

     فما هو الفن .. بعد كل هذا التاريخ الطويل .. هل هو محض ( شيء ) أو (سلعة) أو إشباع رغبة أو تعبير عن غاية قومية أو إنسانية أو كونية .. أم أن حدود الفن ، ما زالت في مكان أخر ، أبعد من هذا كله .. ومن الظاهر المنجز .. ؟     

     وبمعنى أخر ما هو الإنسان .. لكي نعرف الفن وماهيته .. هل هو سر الميلاد والموت .. سر الشعلة والحياة أم سر الانهيار والتحول .. هل هو محض زمن وجيز أم هو أحد أشكال الخلود .. ؟

     يقيناً .. لولا عظمة الإنسان ، بكل ما لدينا من فلسفات ، ومعتقدات ، وأيديولوجيات ، وطباع ، وأحوال ، ومتغيرات ، لما كان للفن كل هذه الأهمية ، في الحياة اليومية والثقافية لدي البشر .. الأمر الذي يجعل الفن ، بشكل ما من الأشكال ، يكمن في ميلاد الفن ذاته .. وفي تجرد الأسئلة أيضاً .

     لكن الأسئلة ، في الفن ، تبحث عن إقناع ، وصياغة توازي روح الابتكار ، في سياق القانون العام ، من هنا يكون الفنان ، بالدرجة الأولى ، الناقد المباشر لنفسه ، بدل انتظار الآراء الأخرى . فما دام الفن غدا ضرورة في حياة الإنسان ، فأن هذه الضرورة لها (( حريتها )) الإبداعية ، في حدود النص الفني .. وهي بعض مهارة الفنان . أنه الأثر الذي يختزل التراكمات السابقة ، ويعيد صياغتها ، من وجهة نظر الفنان .. الخبير بأسلوبه . فالفن هو الأسلوب ، حتى في حالة التمرد على الأسلوب . فتاريخ الفن يبحث عن الشخصية ، وعمقها ، وصدقها ، بالدرجة الأولى . فمن خل الأسلوب يتم التعبير عن الإبعاد الكامنة في النص الفني ، وكان الفنان محض ( جسر ) .. وهذه مشكلة تضاف الى المشكلات السابقة . فهناك : الفنان .. الفن .. والأخر . وكل منهم له دوره في ظاهرة الفن ، وأسئلة الإنسان . فبين الوضوح التام ، وبين الغموض ، بين النظام الجمالي ، التمرد الدائم ضد الثبات ، بين النائية والتأمل الذي يصل حد اللا عمل والفناء في المطلق ، بين الخبرة والبدائية ، بين الترف وبين الاختزال .. الخ يكمن ذلك السر الغامض الذي يجذبنا أليه .. سر الفن الكامن في المعنى وفي الإشارة وفي الرمز وفي الشكل وفي وسائل أكثر بساطة أو أكثر تعقيداً .. لكن هذا كله لا يحدث ألا بإقناع يبدأ بظاهرة الفن .. وظاهرة الفنان غير قابلة للموت ، حتى بموت الأطراف الثلاثة . ذلك لأنها كامنة في انبعاثها وتجددها عبر قناعات إضافية . أنه الفن الكامن في هذه العملية الديناميكية ، حيث المعنى يكمن فيها ، وينبعث منها ، كخطاب لا يمكن فصله عن ظاهرة الإنسان ، وظاهرة أسلوبه في الأخير .        

 

 

الحوار وأبعاده    

     تحتم أية مراجعة للأساليب الفنية ، منذ الحرب العالمية الأولى ، تحليل أهداف الفن في ضوء زوال الثوابت ، وفي ضوء معالم فنية مغايرة لقرون من التقاليد الفنية في أوربا . كان العالم في نهاية القرن التاسع عشر يرزح تحت أثقال الإمبراطورية المريضة الرجل المريض وكان العالم ينتظر هيمنات مختلفة ، تبعاً للتطور الحاصل في التقنيات . وحقيقة ناصعة كحقيقة الثورة الصناعية ، في هذه المرحلة ستبرهن على أهميتها في المتغيرات الأسلوبية . فعلى الرغم من غليان العالم عبر حروبه المحلية المعروفة فأن الحرب الأولى حتمت بسبب علاقتها بأكبر عدد من البلدان والشعوب ، أجراء تغييرات جذرية في الوعي البشري .

     كان الوطن العربي باستثناء دخول نابليون لمصر [ 1798 ] يواجه قدره المظلم .. فقد كان يعيش مثقلاً بالموت وبإمكان من يتأمل ذلك الواقع ان يتفحص البؤس الرهيب الذي واجه السكان ، الأمر الذي جعل الصراع في الداخل داخل البنية الاجتماعية بانتظار إجراءات حاسمة فكانت المتغيرات الدولية وهي استعمارية ومؤلمة في الغالب الحل الذي فرض نفسه ، ودفع بالطليعة الثقافية للحديث عن استعادة الذات ، ورسم معالم الشخصية الوطنية القومية كان الوعي يتبلور اجتماعياً ، بفعل الحوار ان كان من الداخل أو الخارج الحوار في سخونته أو أية درجة من درجات الوعي .

     ولم يكن الفن بمعزل عن هذه المتغيرات . وفي واقع الأمر ، باستثناء التقاليد التي أرساها الفنان الحرفي ، والمعماري ، والشعبي فأن الفن الحديث لم يكن يشكل ألا ظلا لنور بعيد وسنلاحظ حتى في نهاية القرن العشرين من يتحدث عن الانسلاخ واغتراب الفن وتلك العوامل التي تبدو غير واضحة في إرساء بعض القيم وجعلها في المقدمة فنها بطيب خاطر .. أنها مع أسواقها الجديدة  وسيطرتها على الموارد الأساسية خططت بعمق على استلاب الوعي وجعله خاضعاً لها اقتصادياً وفكرياً . ان أسطورة الاستعمار بنيوياً هي جوهر القوة والذكاء : جوهر الاقتصاد الحرب والأيديولوجيا التي استطاعت أوربا فيها ان تفرض شخصيتها على هذه البلدان ..في الوقت الذي كانت حركة العالم على مستويات أخرى تعمل على الضد من أسطورة الاستعمار فالثورات الوطنية لم تخمد حتى اليوم وستبقى أحد أطراف الحوار في الفلسفة أو في الثقافة أو في الوجود ومن ناحية أخرى فأن صعود المملكة العظمى كان يمهد لحفر قبرها أيضاً وصعود في محاولات معروفة دول كبرى مثل ألمانيا .. وروسيا والولايات المتحدة .. ان هذا الكلام ليس سياسياً وإنما هو الواقع المرئي وتبعاً للنزاع الوجودي وما يصاحبه من نزف وبؤس ومرارة لا توصف يتغير العالم ولكنه لا يتوقف عن الحركة .

     على أننا سنرى أساليبنا الفنية أكثر تعقيداً في الاستجابة لهذه المؤثرات فإلى جانب الانتماء الجغرافي المحيطي التاريخي والحضاري بالأبعاد المعروفة ، التاريخ القديم والعربي الإسلامي تدخل عناصر الحداثة التقنية برسم تمثلات مختلفة للرؤية الفنية والجمالية . وبإمكان من يدرس التفاصيل التعرف في المعرض الجماعي الواحد أو عند الفنان بذاته ، على هذه المؤثرات التي تفسر مغزى التجريب ومحتوى التناقضات وفقر الرؤية في الأخير .

     هذا المشهد سيبقى يتكرر وسيبقى الحوار أقل وعياً بجوهر حتى يومنا هذا .. والسب الأسباب لا تخص الوعي بقدر أراده القوة   لا تخص المعتقد بقدر التأثير السحري للأيديولوجيا .. الأمر الذي جعل الفن يتخذ شكلاً فوقياً أو اعتبار الأساليب محض نتائج . وهذا المفهوم الأوربي سيشخص بدور الفن في حياة الإنسان . فالفن في بلدان آسيا وأفريقيا كان ينبع من جوهر المعتقد ، والمحيط وكان دور الفن ومغزاه يتداخل في صميم الحياة الفلسفية واليومية . ولم تكن ثمة حاجة لقاعات عرض أو تقاليد أوربية . بل كانت هناك دور العبارة والحياة التي صنعها هذا الإنسان عبر آلاف السنين . هنا حدثت الصدمة الأولى : صدمة كون الفن جاء من خارج من فوق كملصق أي ثمة مفارقة بين جوهر ( النبع الينابيع ) والمطر الذي تحركه الرياح . ومفارقة كهذه تاريخية قطعاً . فالفنانون تابعون لبناة حضارتهم . وعملية الاستقلال الأسلوبي ، الشخصي جاءت وليدة الحوار الساخن بين مفهوم ( البشر = الكتلة = الاشتراكية ) ومفهوم ( الذات = الحرية = اللاغتراب ) . وسنلاحظ ان هذا الحوار ولا نقول الصراع لم يثمر ألا المهارات الإبداعية التي مثلته . ففردية أوربا والغرب اليوم كانت تعمل على الضد من جوهر المعتقد ان كان دينيا روحياً أو اشتراكيا عادلاً على الصعيد الاجتماعي . وقبل ان نتوقف عند الحداثة في أوربا ذاتها لا بد من الإشارة الى أنظمة البنية الاقتصادية والسياسية بينهما بين أوربا الصناعية الليبرالية المستعمرة وبما تمتلك من كنوز الإقطاع والمراحل التالية ، وبين بلدان سحرها التخلف وجعلها في نقطة واحدة ، بين قوة الماكنة وانهيار المعمار السحري ، بين نظام المعلومات والدقة والمفهوم المادي للعالم ، وبين مفهوم القدر واللادقة والأسطورة ، بين الأقوى الذي يرسم رؤيته في السيطرة على الطبيعة ، وبين من آمن بفناء الأشياء كلها ، هذا الحوار العنيف ، سينعكس في مغزى الصراع ، ونتائجه . حتى ان ظاهرة ( البطولة ) في البلدان المستلبة ستبقى فردية ، ولكن على الضد من المفهوم الأوربي : أنها فردية ثيوقراطية كما هو التلصيق في الرسم بينما ستشكل الفردية الأوربية الذاتية مصالح كبرى للسكان .

     ان واحدة من أكثر البراهين عبثاً ، تجعلنا لا نثق كثيراً بالبيانات ان كانت سوريالية أو واقعية أو مستقبلية ، ولا حتى بالنوايا الأكثر تطرفاً بالإخلاص .. لكن الحقيقة الأخرى تجعلنا ندرك بشكل من الأشكال ان التاريخ لا يصنع كيف ما شاء . فعلى مدى الزمن السابق ، كان الإبداع يحتوي مستقبله .. مثلما الأعداد لا تأتي ألا بعد الواحد ، ولا تتراجع ألا بعده أيضاً . وذلك لأن الغد ينتمي الى الخيال ، ولا ينتمي الى التذكر . وعلى الرغم من أهمية تفحص المتحف ، كما فعل أندريه مالرو ، انطلاقاً من البعد الأخلاقي أو نبل الضمائر ، فأن عمليات التذكر ستخص البناءات القادمة ، للذات ، وللجماعة ، بروح القانون الذي يبلغ درجة الجمال ، من وجهة نظر الفنان وهو يبدع نوع المبتكر ، فالفنان حر بقيود التحرر من حريته عندما تكون قيداً ؟ بمعنى ان التفكير في الحرية ينسجم مع جوهرها الحر .. فهل يكون ( القلق ) الفني ظاهرة لا علاقة لها بالأساسات .. أم ان البحث عن علاقات متوازنة بين الإنساني واللا إنساني ضائعة الهدف ؟ يخيل لنا دائماً ان الهدف أبعد من الكلام .. أي من التقنيين ..

     على الرغم من أهميته باعتبار الفن خبرة ( حسب جون دوي في فلسفته البرغماتية ) .. وباعتبار ان الفن جزء من المتحف العام للسكان وللصبوات أيضاً .. ولكن ماذا أبعد من ذلك كله .. هل نتوقف عند البنية التشكيلية بمعزل عن عالمنا المتحرك .. كصراع أرادات أم ان يتحقق ( النوع ) ثقافياً وفنياً ، من خلال الحوار ؟

     لابد من تحديد جوهر الوعي ، في أي حوار ، فالوعي هو ثمرة الحدس بالخطى المرئي أو اللا مرئي أيضاً ، فالعالم تتهدده مشاكل الغذاء ، وسوء التوزيع والملكيات الخيالية ، والتلوث البئي ، والتعصب والحروب ، والأمراض الخ  أي ان الوعي ، بهذا المعنى ، هو محاولة للتكيف في الوجود ، وعدم الانسياق الى موت الجماعة ، أو الاندماج بالكم ، لكن المشكلة الجمالية ، في الحالات كلها ، أكثر تعقيداً ، حتى على الصعيد النظري على ان ما يجعل البحث يمتد ولا يتعثر كون الإبداع يلتقي في جوهر الحوار ، لا في حقيقة الصراع .

     فالوعي بعالم أجمل ، أو أقل قبحاً مما هو عليه ، يعيد للأذهان الفارق بين الجذري بين الأيديولوجيا والمعتقد ، فثمة هوة بينهما كالتي بين الوسائل والغايات ، الأمر الذي يذكرنا بالفوارق الأسلوبية ، بين الغرب والشرق ، وسنلاحظ ان هذه المسافات . هي ثمرة اختلافات في البيئة والتاريخ والأهداف .. ولكن هل ثمة قطيعة أبدية ونحن نتوقف عند مغزى الحوار الحضاري ، الجمالي ، انطلاقاً من مصائر تتعرض لتلوث شامل الأبعاد .

     ان مهمات الفنان ، في الحالات كلها ، تؤشر عمق زهده المعاصر ، فهو ليس نسخة من مخلوق ولد في الماضي بل هو حر بوعيه هذا البناء ، جمالياً ، وبأبعاد روحية وتاريخية . فالفن ثمرة ما لا يحصى من الروافد . انطلاقاً من حقيقة ان التراث .. برمته ينتمي الى السكان .. وهذا يعني ان جذور الفنان تنتمي الى المنجز ، بعيداً عن الانغلاق أو أسبابه هذه الرؤية الشاملة تمثل وعياً لاستيعاب أنظمة العمل ، والاستجابة لإبداع مضاف .. فالفن وريث الماضي كله ، وحلقاته الذهبية بالدرجة الأولى ، الأمر الذي يجعل من الفنان على وعي يتوازن فيه إبداعه مع الجوانب الفكرية والتاريخية أيضاً .

     هذه المهمة لمنح المنجز الفني وعياً داخلياً ضرورياً لاكتساب مغزاه في الحداثة .. أو في الأسئلة الجمالية والوجودية .

     فالحوار في سياقه الجمالية ، يتشكل من حوار مركب ، بكل أبعاده التأملية .. وبهذا المعنى تكون حقيقة الفن متوازنة مع تقنياته .. فثمة لا مرئيات في المرئي .. وحسب الفيلسوف الصيني (( لاوتسي )) فإن الحقيقة لا يمكن مشاهدتها إنما هذا لا يجعلنا ان نسير في الطريق المغاير .. هان يحدد الفنان غايته كانتماء كلي للبشر .. في نوعها المؤسس والحر بشروط شفافية الحرية ، لا جدران الضرورات أو الحتميات المزعومة .

     هذه الوقفة ستجعلنا نعود الى التشكيل المعاصر في العراق : الرؤية الكونية انطلاقاً من الخصوصية المحررة لثوابتها ، والمحررة لحريتها باتجاه حرية أكبر ، فالحوار يفصح عن لقاء النوع الأذكى ، الأكثر استجابة لحل معضلات الإبداع الفني: هذا التوازن بين معطى المتحف ، والخيال في مداه المبتكر . ان ( حوار ) كرؤية ، تتوخى موقف البناء ، تاركة العملة الرديئة لزوالها ، تستعيد روح الأسس في الحضارات التي شكلت وعينا ، وفي الوقت نفسه ، تشكل وعيها في الجوهر المعاصر .. فالتوازن الجدلي بين الحدود ، كتوازن العقل بالعاطفة ، يتوخى الحوار في سياق البناء الروحي المتكامل في عصرنا ، وهو يواجه مشكلات الاغتراب والاندماج بالكم الأعمى ، فالحوار الجمالي يسعى ، في أحد وظائفه الخروج من مقبرة سومر ، أو مشاهدة أهرامات مصر من الداخل ، أ, الإصغاء الى تراتيل بوذا ، واستيعاب طاقات ما فوق التقنية الجبارة ، وحركة الذكاء الحديث .. أن الحوار ، فلسفياً ، يحرر الصمت أو حتى الكلام المقنن جيداً .. أنه البحث المتواصل في عمليات الاكتشاف .

3

     هل يمكننا فصل نظرية الفن ، كلياً أو جزئياً ، عن التطبيقات المضافة لتاريخ التشكيل ، منذ فينوس الأول ، وعصر الكهوف غير القابل للدحض ، أم بإمكان الفن ان يخترق خيالنا بالحدس وبالخوارق كما في الفن البدائي على سبيل المثال ؟

     في واقع الأمر نتساءل ، وسنثير أسئلة متتالية ، مولدة لبعضها ، البعض الأخر ، انطلاقاً من استحالة اليقين الأخير في أية ، أجابه واقعية أو رمزية بعيداً عن المنجز وما يمتلكه من شرعية على ان الشرعية ، في الفن ، لا تتأنى بفعل الغالبية ، وإنما هي ثمرة الوعي النوعي لمجموع السكان ، هنا وفي كل مكان وزمن : الوعي الخاص كونياً وبانتماءات مثمرة تخص عمق الجذور الروحية . فعالمية الفن منذ ثورة الحداثة في فاتحة هذا القرن ، مع التكعيبية ، والدادائية والسوريالية ، والتجريدية التعبيرية واللارسوية الخ ، بكل أبعادها التي ننتمي أليها ، لم تكن وليدة : فلسفياً .. إنسانياً .. جمالياً .. وروحياً في الأخير .

     ألم يكن فنان الكهوف قد شخص مغزى الخوف ، والبيئة وعمق النفس الفردي والجمعي والتقني أيضاً في رسوماته ألم يكن عالمياً انطلاقاً من فزعه وفي محاولة للتوازن بين القوى .. الحياة والمجهول .. تناقضات الطبيعة ؟ ان الحوار هنا لا يعني التلفيق أو الكولاج التلصيق وإنما يعني الموازنة باتجاه النوع : فالنوع فنياً كما هو الحال على الصعيد البشري هو أجراء حاصل عبر عمليات تحقيق الوجود فالصدمات تؤدي الى استجابة ، الى تألف ، تكيف ، ولكن الأكثر أهمية في هذا كله ان التوازن هو حصيلة لقاء الذكاء بالدرجة . في حدود مالدينا من وسائل . هنا يحدث الشرخ [ شرعية القلق الدائم ] : هل يتحقق الفن بدافع الذكاء أم بدافع أكثر صلة بعمليات أكثر تعقيداً ؟ بمعنى هل بلغ الإنسان عصر التدوين ينطق بخطاب الفن وذاته ، تجلياً لأنساق المعتقد ( القانون الكوني ) ومستوياته .. وأنه في هذا كله كان يندفع الى الحرية وكأنه بالضرورة لا يمتلك ألا هذه الإرادة .. أم ان الوعي بعيداً عن القدر- الحتميات يمتلك زمام قيادة عمليات الهيمنة على منجزات السكان ومشاريعهم كافة ؟

     هنا تولد الأسئلة أسئلة .. تولدها حية مترفة تارة وقاسية ومؤلمة درجة الصفر غالباً ، إنما الأسئلة تتراكم ، كاستفزاز للإجابات المبوبة ، الوثنية فالأسئلة لا تكف عن الامتداد .. لأنها لا تتعارض مع كونية أصلاً . فحتى الموت لا يشكل قطيعة مع الابتكار شرط ان الميلاد لا يتوقف عند نوعه . فالنوع ذاته ، بالزيادة ، يغدو كما كم بالزمن والأفعال ، يتوخى النوع البديل . أنها بديهة جدل ، ولكن كيف بالأمكان تذوق فنون أقدم البدايات البشرية كحداثة تمتلك قوانين مازالت مثار دهشة ، بعيداً عن فهم الزمن كمراحل أو كنقطة في فضاء .

     وستقود الأسئلة في عمليات التتابع من الكائن اللا عضوي الى الحركة ، والى أبسط جهاز مقنن ومرتب مع العوامل الخارجية ، الى استجابات وعادات وسيطرة : فالفن ليس انعكاساً بالبديهة الاجتماعية ، كما ذهب جواد سليم الى ذلك ، وإنما في سياق [ الحوار ] يضعنا أمام معادلة مازالت تتطلب التأمل ، أيهما أقدم ، الحوار أم صانعه ؟ وأيهما أقدم : الغاية أم عبث الوسائل كلها في الوصول أليها ؟ ان الواقع الاجتماعي ، قبل عصر الكهوف ، منذ كان السكان يقتاتون على الطبيعة ، مروراً بالصيد ، وبناء القرى الأولى ، و حتى النحت الضوئي وما فوق الرسم كان الحوار يتسم بالصراع في مدياته المتباينة ، الحادة أو الأكثر حدة ، إنما كان تاريخ الفن ينحاز لمعادلة [ الفن ] في أعقد أشكالها : تأشير العمق بمهارات عالية الوسائل . هنا يفضح تاريخ ذاته أو تاريخ القتل عن تطور الصخرة الى مفاعلات أعلى شدة من أسلحة الدمار الشامل لكن لماذا لم تستسلم الذوات السكانية في المتجمدات أو الصحارى أو الوديان أو المستنقعات لأي قانون عدا قانون [ الحوار ] الذي يلخص فلسفة التحولات ، والاستجابة الدائمة لنسق من الأنساق .

     بمعنى مرة ثانية ، ماذا في جوهر الصخرة من جمر .. وهل بإمكاننا ان نصل الى الحق دون ان نحترق ؟ الفنانون الكبار ، في مختلف الأزمنة كانوا يدركون هذه المعادلة ، اجتماعياً وفنياً ، وهل كانت ثمة نظريات فنية غير معلنة جمالياً ، قد سبقت الوعي بالإنجاز ؟ سؤال كهذا يضعنا في فن نهاية القرن العشرين : كيف تتحول كتل البشر الصماء الى مناطق إبداعية متوازنة بين الخلود وسره ، بين الجزء والعدل الكلي ؟

 

خطاب

التوجه وتضادات الأسلوب

     لا يمكن وضع فواصل أكيدة بين أهداف الفن ومرجعياته ، لكي تكون هناك بنية خالصة ، وقائمة بذاتها ، وكأنها بحسب كانت الشيء في ذاته ثمة امتداد وتغاير حد القطيعة ولكن في حدود توازن بين الأني الجزئي والمطلق . ان الفن لن يغدو ( وسيلة ) كاستبدال تعمق غاياته ، وفي مقدمتها الجمالية الروحية ، ألا إذا غدا محض سلعة خاضعة لقوى إنتاجية معلنة أو مستترة . ان الفن العراقي ، كباقي الفنون ، خضع لمعادلة الطلب وتبدل الأساليب بحسب ذلك ، وفي نزاع دائم مع أهداف الجذرية . أننا قد لا نخلص لتعريف ( لماذا الفن ) ولماذا هو ضرورة لكي نترك ونتوقف عند معناه ، كنهاية . بيد ان الخزين القديم المبتكر بالخيال والتذكر يفصح عن قواعد وثوابت تبدو غير قابلة للهدم . معنى هذا ان الوسيلة لن تصبح غاية ، ففي الفن ، وفي أي مجتمع وبحسب أي منهج عام للتفكير والسلوك ، ثمة وجود يثبت فعالية الفنان فعالية الأفكار والأساليب ، بخيال له جذوره ، وبابتكارات تبلغ درجة الصدمة . ان بداية هذا القرن ، لا تشبه نهايته ، في هذا المسار ، كانت زمرة من الضباط ، ومن الطبقات غير الشعبية ، تصنع معالم ترفها:   

     كانت تجمل جدران وقاعات الاحتفالات .. ولم يتغير الموقف ، ألا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية ، وظهور التأثيرات الأوربية . بيد ان التقاليد الفنية ، لم تأخذ جدلها مع البنية الاجتماعية الثقافية . لقد كانت الفنون البصرية ، أقل تمثيلاً للحياة . في الوقت الذي ازدهرت فيه الفنون السمعية . ومنذ منتصف القرن ، بظهور أبرز ثلاث جماعات فنية كان التشكيل قد وضع خطأه وصنع جمهوره . ان الفكرة المعلنة في هذا المنحنى ان الفنان يتقدم الذائقة ، ويصنعها ، ولا يخترعها كوهم ، أو يرضي رغباتها . على الرغم من التعقيد الحاصل في هذه القضية فأن الإنتاج الفني سرعان ما سيشكل ظاهرة ثقافية في بغداد تحديداً عمليات الاقتناء .. وضمنا ستتبلور الأساليب المناسبة للسوق . وباستثناء إرضاء الذاتي للفنان ، وللفن ، فقد كان الأسلوب يحقق كلمات جواد سليم (( الفن مرآة اجتماعية)) ان فكرة السوق لا تنفصل في أية دراسة لبنية عن الأسلوب ، وتحويراته . فالفنان راح يجمل ويزخرف ويحيد عمله الفني ببعد سكوني متزن مرة ثانية وباستثناء تجارب جد نادرة ومعروفة لم يترك العقد الخامس ألا ركاماً من التجارب يدرك الناقد في فاتحة القرن الجديد هشاشتها وفقرها المعرفي وسذاجة تقنياتها ذلك لأنها جعلت في الغالب الوسيلة غاية . بيد أن الأحداث الكبرى في صدمات ثلاث في آن ، وطنية قومية دولية : أحداث ما بعد 1958 وحزيران 1967 وما بعد ذلك .. وأحداث باريس الطلابية والثورة الثقافية الصينية وثورات أمريكا اللاتينية قد أدت لظهور زلازل ، بدايات ، تفجرات ، تجديدات .. الخ حاولت إلغاء سكونية الأخرى .. وزخرفية الفن .. ظهرت أسماء أعلنت بخجل غالباً وارتداد أخيراً قطيعتها مع الأوائل والرواد .. فقد صار الفن يتخبط في اتجاهاته ، وأساليبه .

     لكن تجريبية . لقد ظهرت جميع الأساليب دفعة واحدة .. وبدا سوق الاقتناء يمهد لمرحلة ذهبية ، ستتبلور خلال العشر الأخير من القرن العشرين .

     لكن الأسماء الستينية حفرت في الذاكرة وسرعان ما لحقت بها أسماء جديدة ذات شهرة دولية وعربية .. ان الفن لم يولد كشيء في ذاته .. كان الأخر حتى عندما يرسم الرسام فوق جدران الكهوف إرضاءً لذاته مستتراً داخل النص الفني ، فالفنان لا يستهلك طاقته ألا لإثبات جدلية الميتافيزيقيا عبر المرئي . ان المطلق ليس عدماً وليس مطلقاً ألا بوجود الجزء .

     ومهما كان تطور السوق والطلب المتزايد على الاقتناء فثمة محاولة للإمساك بالكينونة والإمساك بما هو لا مرئي من خلال التصور والبصريات . بيد ان التسوق يخترع ويلوي طريق الفنان عبر أسلوبه . فمنذ تم لفت النظر للزخرفات الشعبية ، وجماليات الموروث الفلكلوري : وفنون الديكور ، والأشكال السياحية ( وهو تعبير للفنان د. طارق مظلوم حول الفنون الزائفة ) حتى الأساليب المستعارة والجريد الجمالي التصميمي المستعار تماماً أو المحور من الفن الغربي كانت تأثرات المقتني أي السوق والأثر الخارجي على العملية الإبداعية كبيراً وفاضحاً. حتى بالإمكان تشذيب الاتجاه الحروفي وإرجاعه الى عدد قليل من التجارب الأصلية ، وتفحص الكم الهائل من الاستلهامات المزيفة للاستشراق ورسومات الخيول المجانية المضادة لكل أصالة وللتجارب المتهافتة المحسوبة على التصوير الواقعي أو الانطباعي واستلهام البيئة والمدينة بل وحتى ظاهرة التجريد والتلطيخ والشقوق والثقوب والفطور والتلصيق العبثي التي نقلت عن ( تابيز وغيره من مشاهير الفنانين الأوربيين والأمريكان .. الخ كلها كانت تجد رواجا على حساب الأساليب الأصيلة .

     فاليوم لا نجد لمئات التجارب شيئاً يذكر . فقد خضع الأسلوب لأسباب لا صلة لها بالفن وبالمعرفة الفنية فثمة ضعف عام في التقنية والتكنيك والإخراج الحرفي وتكرار متهافت للتجربة الواحدة حتى أطلق على هذا التيار سخرية -  بأصحاب الواحدة ! أي العمل الواحد . ومع ان هناك في العالم متغير ومتضاد تجارب لها عمقها وصدقها التجريبي في الأقل ، وفي مختلف الأساليب ألا ان ملامح التجذر ستبقى قائمة . فقد كانت التجارب على هامش الحداثة ، لصالح نوايا وأفكار ستبقى قيد التجريب ، ولزمن قادم ، فقد كان العقد الأخير من القرن العشرين مثلاً ، دافعاً لمضاعفة الإنتاج وبرواج غير وهمي للأساليب التي أشرنا لها . فقد كانت أكثر من عشرين قاعة وعشرات الدكاكين تقدم تجاربها في الداخل أو في الخارج .. وبمتابعات نقدية لا تناسبها . أذن ، كان خطاب الفنان بشكل عام يعبر عن نزعة لها صلة بالملتقى . وليس من شك ونحن نتفحص الوظائف لكافة السلع ومنها الجمالية والإنسانية المعنوية ، ان هناك علاقة بين المنتج والسوق ، بيد ان دراسة تاريخية معرفية نقدية لم تجر لتفحص هذه العلاقة . فالأساليب كانت تعبر عن تشابك التجارب ، ازدهار وزوال الظاهرات الفنية ، غياب المتابعات النظرية ، هجرة الأعمال الفنية .. الخ بصورة عشوائية غالباً ، وبضعف السيطرة أو التحكم الذاتي للمؤسسة الفنية ، أو لدور الفنان .. فالمتحولات الاجتماعية وحقيقة واقع الحصار السلبي لها أثرها في التناقضات الأسلوبية ، على حساب توقيع وبنية وتقنيات الفنان ، أي هويته ، تجاه المدارس ، والتيارات السائدة ، فهناك ، في الغالب ، ظواهر تنتظر ذروتها ، ومن غير معرفة الفنان لأسلوبه ومصيره ، فأنه سيمكث في عمق المتاهة .

 

 

آفاق الخطاب وعلاماته

 

     عندما حلل ( هاوزر ) مفهوم الفن ، بوصفه تحدياً ، فأنه لفت النظر الى قانون التطور ، واعتبار ( التعبير ) حقيقة تخص عمليات التشذيب ، وتتطلب الوعي بمستلزمات النوع الإبداعي . فالفن ليس مرآة بالمعنى السلبي ، أو محض ظاهرة بلا أسباب أكثر عمقاً مما يتوفر لدينا من مفاهيم وتعريفات .. والعلاقة الجدلية بين المادة والتعبير .. فالتطور ، في أبعاده ، هو ثمرة التراكم المعرفي العام والخاص ، وهو في جانب آخر ، العلاقة الجمالية ذات المغزى في التاريخ الحضاري . والفن العراقي ، بحسب وحدة التاريخ والجغرافية ، يرجعنا الى أكثر من مئة ألف سنة .. الى زمن تبلور الحساسية المبكرة لكل الأبعاد الجمالية والدلالية .. ففي ذلك الزمن تم صنع أقدم التماثيل والطينية ، والخزفية ، وصنع أقدم الأواني الفخارية .

     وعبر القرون ، صار للفن معناه ، وصارت له تقاليده الحرفية ، تقاليده الخاصة بالأساليب والمواد الأساسية لإنتاجه . وفي عصر التدوين ، كان فنان وادي الرافدين ، قد صنع العجلة ، وعرف طرق صب الخامات المعدنية ، والوعي بصلابتها واستخداماتها والتفنن بها .. وعرف شتى أساليب التزجيج بعد ان صنع دواليب فن الخزف .. كان وعيه متصلاً بالمادة المكتشفة والخاضعة لوعيه الفني .. فضلاً عن تبلور أقدم مفاهيم مكونات ( الخطاب ) مع الحفاظ على ( التوقيع ) كعلاقة جد خاصة بين الذات والمحيط الخارجي . وقد تشكل العلاقة الجانب الخاص بالتحدي والاستجابة ، وبقانون نفي النفي ، والجدل ، وضرورة ان يكون للإنسان فنه ، في سياق الضرورة والحرية الخ ولكن ثمة أبعاد  مضافة ، فهناك اللا مرئي في معمار المرئيات ، وهناك الروحي في تاريخي . ولعل ديمومة الفن ، لها صلة بهذه الأبعاد . وألا كيف تحدت تلك الفنون ( الأصيلة ) عوامل وعوارض الزمن .. وكيف مكثت تثير فينا الأفكار والتأملات والمعاني العميقة .. ان متاحف العالم الكبرى ، في لندن وبرلين وباريس ، تزخر بالكنوز العراقية ، التي مازالت تمتلك خطاب الحداثة ، مضموناً وتقنية ، وحسب شهادة ( أندريه مالرو ) الروائي الفرنسي ووزير الثقافة الديفولي ، فأن تلك العلامات لم تفقد سحرها وجاذبيتها . ولم يكن تاريخ الفن يسير من غير تحديات .. فوادي الرافدين ، على مدى آلاف السنين ، شهد الأحداث الكبرى ، كالفيضانات والحروب والغزو والأوبئة ومختلف الكوارث .. الخ مع ذلك ، كانت الجذور تنتج أغصان أشجارها اليانعة بالثمر المتجدد وبقوة مناسبة لمبدعيها . هذه المسيرة الطويلة ، المدونة ، عبر الأسفار ، أو الكامنة في اللاوعي الجمعي عند الفنان ، لها آثرها في المواقف الإبداعية المعاصرة ، على مدى سنوات نصف القرن العشرين الأخير ، وتحديداً ، العقد الأخير ، والأعوام الأخيرة منه .

 

حصار ضد الحضارة

 

     ان أوربا ، وأمريكا ، ومن كان موقفه مماثلاً ، في تحليل مسيرة الحضارة ، تخضع لسؤال كبير : لماذا راح الحصار يحصد آلاف الأبرياء ، ولماذا مكث الحصار ، بالرغم من التطور الحاصل في وسائل الاتصال ، يتوغل إيذاءً في الضمير ؟ أننا لا نتحدث ألا عن ( قتلة ) وأستاذة للجريمة المنظمة ، في مسار الصراع المرير للاقتصاد والقوة العمياء المدمرة لكل المنجز الأخر ، الذي له تاريخه ، وجغرافيته . أننا لن نتجاهل أسماء كبار المذنبين الذين لا يمثلون أكثر من ( مجرمين ) ضد الشرف الإنساني .. لأن الحصار الذي راح يتوغل في البناءات العراقية أستهدف الحضارة قبل الحصار الغذائي والدوائي ، ومعاً بالمعنى العام . أنه أراد تدمير البنية الثقافية ، وعزل الوطن ، العراق العظيم ، عن منجزات العالم ، وما يحدث فيه وقطع الحوار الشفاف مع الحضارات الكبرى . وفرض الهيمنة الاغترابية ، وتدمير معنى الحياة ، كنوع ، عبر السلالات المتطورة . ان هذا الهدف ، لا يمكن عزله عن الفعل الإبداعي الأخر ، المعبّر عن جوهر عميق له امتيازه على صعيد الخطاب وعوامل التقنية أيضاً . فبعد لا شرعية العدوان ، على البنى كافة ، وقتل آلاف الأبرياء ، وتلويث البيئة ، وممارسة سياسة الغاب بذكاء اللص الأجنبي ، الأمريكي ، ومن معه ، أراد الحصار ، ان يفرض سطوته بتدمير حضارة العراق .

     والمشكلة ان أوربا ، منذ قرون ، كانت تمارس هذا العدوان ، في صمت صارم ، وكان شيئاً لم يحدث . وأبسط شاهد تاريخي صارخ هو وجود آثارنا الحضارية والفنية والشعبية والحرفية والأدبية في المتاحف الكبرى .. لقد كانت للحصار أوليات قديمة .. ولها مغزاها في سبيل تعطيل العقل ،والإرادة ، ومحاولة فرض الوصاية بقوة الأسلحة وبقوة المعرفة الاغترابية .. بهذا البعد كان الحصار يلامس حياة البشر ، بلا استثناء ، وخلق مناخات سلبية . بيد ان رد الفعل جاء كما في أمثلة الأزمنة العراقية المعروفة ، مدركاً لأبعاد مكونات هذا السيناريو .. فكان الكفاح قد بدأ سرياً بالروح البنائية العراقية : قوة العدالة .. وخطاب الثقافة .. وجوهر السلام .. وكان شبح الموت قد طرد من الواقع ومن الخيال .. فقد كانت أراده الإبداع هي أراده الوجود ، وكانت أراده الحياة تجدُ رموزها في الإبداع الفني النبيل .    

 

المنحى الجمالي

     إذا كان الفن ، كامتداد للنبض الداخلي ، وموازنة مع المحيط ( المحرك والمرئيات ) قد دفع بالفنان لاكتشاف خاماته ، في سياق التعبير ، وقادهُ للتوقيع في حدود الخطاب الجمالي والفلسفي والتقني ، فأن للفن مغزاه الأبعد في التعبير عن خصب الحياة ، وامتداد الحركة عبر نوعها المختار أو المنفذ . لقد ظهرت ، خلال سنوات الحصار ، بعد عام ( 1990 ) تجارب تستلهم البعد الجمالي لطبيعة الحياة بكل أبعادها . فعلى العكس من الاتجاه التعبيري ، الذي طالما ظهر أبان الأزمات والكوارث والحروف ، ظهرت تجارب تبدو وكأنها في مكان أخر . ان المتابع لمئات الأعمال الفنية ، في هذا المنحى ، يجد ان الفنان العراقي ، قد أستعاد بتمسك عميق مضامين الخصب ، ولكن من غير أسطورة ، كما في فنون وادي الرافدين . طبعاً ، هناك عشرات الاستثناءات .. ومنا تلك الأعمال الجادة في التعبير عن الخراب الذي تركه الأعداء ، ببساطة هم هؤلاء الذين عملوا على قتل السكان الأبرياء وتخريب المواد الطبيعية وهدم البناءات التحتية ، فهم تاريخياً ينتمون الى سلالات الغزاة والبرابرة ، ذلك لأنهم ، أولاً وأخيراً ، كانوا يستهدفون الإنسان بثقافته وفنه وحضارته لكن المبدع العراقي كما في أزمنة مماثلة أمسك بنبض خطاب الفن الجمالي : الامتداد الداخلي لمضامين الانبعاث ، ولأساطير وادي الرافدين في هذا المجال . فتموز صار ذاكرة جمعية . وقد عبر الفنان عن المضمون بأساليب معاصرة ، وهو الذي يلقي الضوء ، عند خبراء الفن ، حول طبيعة التنوع ألادائي من عصر الى أخر ، بل وبين المراحل المتقاربة ، كما أشار الى ذلك المؤرخ الفرنسي ( أندريه بارو ) في كتبه حول فن سومر وأشور . فالابتكار الأسلوبي ، بهذا المعنى ، ظاهرة عراقية بما تمتلك من حيوية وقوة في التعبير المبتكر . فعلى الرغم من شيوع أصحاب التجارب ( الواحدة ) حيث يغدو التكرار ظاهرة انحسار في التجريب والخيال والتجديد ، فأن البحث عن أساليب مناسبة ومتوازنة مع مضمون الخصب ، ظهرت بمختلف التجارب والتنويعات الادائية .. وقد كان البعد الجمالي ، سمة لهذه التجارب ، باعتباره يخص جوهر النوع البشري . لقد دأب الفنان منذ أقدم الأزمنة ، على تحوير الخامات ، بما ينسجم ولغته ، في التعبير والتأمل .. فالبعد الجمالي ، ليس خاصاً باتجاه أو تقنية محددة . فثمة قواعد وأصول متعارف عليها في تحديد السمات الجمالية لكل أسلوب من الأساليب.

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق