عنوان الدراسة
كتاب في موقع :::: جذور التجربة ومسارات التحديث :::: عادل كامل .. الفصل الخامس
الكاتب
عادل كامل/ بغداد
التاريخ
2011-07-04

 

كتاب في موقع

 

التشكيل المعاصر في العراق

   جذور التجربة  ومسارات التحديث

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

وهم الحداثة : إشكالية التحديث والارتداد

[في التشكيل المعاصر في العراق ]

 

عادل كامل

 

تمهيدات

 

     في الستينات ، عرض فائق حسن ، مجموعة من اللوحات التجريدية ، ولكنه ، بعد عقد ، دحضها . لقد كانت أزمة الرسم ومازالت  - تعمل على الهدم ، والهدم الذاتي . ولكن انحطاط الثقافات العام والرسم جزء منها لم يذهب عميقاً في التفكيك ، فتراجع فائق حسن ، وعاد الى خيوله ، وتراجع الرسم ، كافاً ان يشكل علامة انفتاح . بيد ان نظام التعبير الغربي ، واصل تحرشاته ، كما ان الرسم غير الأوربي ، لم يقدر على صياغة لغته ، ألا في حدود المصالحات ، والحفاظ على جماليات أحادية ، ونقوش  جمالية ، والتخيلي شبه التام عن المعنى . لم تكن الحداثة ظاهرة متداولة ، كما في سنوات نهاية القرن العشرين . كان التحديث والمزاوجة بين الموروث والمعاصر والتمسك بالأشكال ظاهرة سائدة .. فباستثناءات نادرة ، عند شاكر حسن ومحمد مهر الدين ، مثلا ً لم يتقدم الرسم ألا باقتراحات تجنبت  فضح الانحطاط السائد في مفاهيم الفن . هل كان الرسام العراقي يدرك ، منذ موت الفن ، عند ( هيغل ) حتى موت الإنسان ، عند ( فوكو ) بعد ( هيدجر ) ، مروراً بموت الإله عند ( نيتشه ) .. وهل كان الرسام العراقي يمتلك  أدلة معرفية تخص تحولات الرسم ، وتشكل دلالاته عبر نزعة ما بعد الحداثة ، بالمنطق الذي جعل أزمة الرسم في أوربا وأمريكا تحديداً تأخذ لغة تجاور مشاريع العولمة الكاسحة ، وتجديدات مفاهيم الذات في الحداثة نحو اللا ذات والاستهلاك حد الرفاهية وطرد الفلسفة ، في اقتراحات ما بعد الحداثة وهيمنات ما بعد رأس المال ، وخلل الجدل في الحوار بين الجغرافية السياسية ، ومصير الحضارة .. ؟  أن الأدلة النظرية غائبة ، وهشة في نهاية المطاف ، عدا تلميحات شاكر حسن ، منذ كتابه ( الحرية في الفن) التي مكثت محدودة ، وبلا امتداد مناسب .

     أنها أزمة وجدت صداها في الازدواجيات .. لأن تحديث الرسم  والتشكيل عامة لم يتوقف عند اختيار أخير . فالظاهرة ستحافظ على ازدواجيتها لا على الصعيد العام ، بل على الصعيد الذاتي . ما هي الحداثة لدى الفنان .. هل هي القطيعة مع الماضي .. أم هي استحداث لغة توازي التحديث في المجتمع .. أم هي تلخص ما هو أبعد : التناقض العميق بين الفنان وعالمه ، بعد ان غدت التيارات الراديكالية أقل ظهوراً ، كانحسار الاتجاه التعبيري ، والواقعية النقدية ، والأساليب الرمزية المختلفة ؟

     -القطيعة مع الماضي ، في التشكيل العراقي ، لا تجادل . فإذا كان العثور على عدد محدود من المخطوطات ، والجداريات الأثرية ، يمنح الماضي شرعية ما ، فأن ذاكرة الفنان لا علاقة لها بهذا الماضي ، ألا في حدود تجارب ستستعير الأشكال والعلاقات وكأنها المثال الوحيد لحداثة لها كيانها المعرفي .. كاستعارات العزاوي لملحمة جلجامش والمعلقات .. أو استلهام شاكر حسن لحكايات الليالي .. أو لموجة استلهام الحرف العربي داخل النص الحديث . ان القطيعة معرفية بالدرجة الأساس . فالماضي دفن في مكان بعيد عن المخيال الفني .. كما ان عادات الفنانين لا علاقة لها بالمفاهيم الفنية القديمة . لقد ولدت أكثر التجارب تحديثاً استناداً الى النماذج المستعارة ، ولم تصر مقبولة ألا بعد سنوات ، مع القبول بظواهر أخرى في الكتابة والعادات الاجتماعية .

 

     - بمعنى ان الحداثة لم تولد متمردة ضد اتجاهات لها سيادتها .. بل أخذت بالظهور وهي متكاملة على صعيد البنية الفنية .. ولهذا راح أكثر الفنانين موهبة يعمل على توازن في الأداء .. فالنص الغربي صار غريباً أمام ثقافة بصرية مختلفة .. فصار الفنان يستدرج المحيط / الذاكرة / والواقع الى تجاربه ، بيد أنه استدراج مازال بحد ذاته عقبة لا تجعل من الحداثة ، راسخة في خطابها الثقافي . ولكن قطيعة المجتمع مع مناخات الماضي . منذ نهاية القرن التاسع عشر ، دفعت بالتحديث الى الوجود ، وصار يكتسب شرعيته مع الظواهر الأخرى . ان الحداثة لم تصر نصاً فنياً ، له شروطه ، ألا بعد قرن من الممارسات الفنية . لكن هذا النص ، عند التفكيك ، لا يعرف ماذا يريد . فالفنان مكث في عمق أزمة المجتمع وثقافته . وستشكل التجارب المهمة علامة قلق وعزلة ومحنة .. وهي ذاتها بحسب (هنري لوفيفر)  - تخص أوربا النصف الأول من القرن العشرين فالحداثة لم تتبلور من الداخل ، ولم يبدعها صانعها . أنه استعارها كاملة ، ومن ثم راح يعدلها لكي تنسجم مع بنية الواقع .

     - وماذا عن ذاتية الفنان تجاه المتغيرات .. وهل ، في عمليات الاستعارة ، تم نقل المأزق العام للحداثة الأوربية ، أم تجاهله ؟ عملياً ، ولأسباب موضوعية ، رسخ جواد سليم ملامح وعناصر البناء الذاتي للفنان .. وراح شاكر حسن ، والناصري ، وسعد شاكر في الخزف ومحمد غني حكمت في النحت ، تطوير هذا المفهوم : أي الحفاظ على تقاليد عمل الفنان ، ودوره في المجتمع .

     - لكن هذا الجهد الكبير ، بعد قرن ، لم يدفع بأزمة الحداثة ألا الى خطابا ًبين الخطابات الأخرى . ولم تتعرض الحداثة للتراجع كما تعرضت بأثر الدور الاستهلاكي للفن . فالمناخ الخمسيني والستيني وأثر الجماعات الفنية في الواقع الفني ، غاب ، وصارت القاعات الفنية تؤدي دور الجماعات الفنية .. لكنها لم تكن علامة إيجابية في هذا السياق ؟ فالقاعات تعرض تجارب الفنانين ، ككل مركز تجاري معاصر ، أنها صارت تعمل وفق شروط السوق ، وليس العكس ، فذات الفنان بدأت بالتراجع ، بعد أن ازدادت عزلته .

     - ما الحداثة في هذا المنظور .. هل هي ، مجدداً ، القطيعة مع العالم .. أم محاولة رمزية للخروج بخطاب تتوازن فيه الدوافع ، المصادر ، والنتائج ؟ أم أنها ، كما في كل حقبة ، قضية تمتلك ديناميتها ، حتى لو كان ( الجديد ) محض استعارات أو استنساخات أو تلفيقات لا يمكن عزلها عن أسبابها والمحيط الذي ولدت فيه ؟

* حدود وفواصل

 

     هل للحداثة ، في التشكيل العراقي ، أبتداءات ، كي تكون لها نهايات محددة .. ومن ذا توقف عند تحديد هذا الاتجاه بكل تنويعاته واختلافاته ، كي يجتاز حدود الأسلوب وخصائص الثبات ؟ أنه لمن الصعب شرح مغزى الحداثة بعد ان ارتبطت بعوامل لا يمكن عزلها وتفكيكها ألا بصعوبة قد لا تفضي الى إغناء البحث . ان التجارب المعاصرة ، منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وحتى مطلع الألفية الثالثة ، تترك وهماً عميقاً بعدد من الأفكار والآراء . أنه وهم يماثل كل خبرة مستعارة لم تكتسب شرعيتها . لكن ماهو الشرعي ، في الأسلوب والأسلوبية ، بعد أن شهد القرن الماضي سلسلة من التحولات والصدمات ؟ بمعنى ان الباحث لا يتحكم بالمصائر وهو ذاته في عمق المتغيرات ؟ ان التحليلات النفسية والاجتماعية والتاريخية والفنية قد لا تكون سوى عقبة أمام سؤال : هل بلغ التشكيل في العراق الحد الذي يسمح له بالتحول .. كالحديث عن جيل نهاية القرن التاسع عشر أو جيل الأوائل أو الرواد أو ما بين الحربين .. وأجيال أخرى لا يمكن فصلها عن الأحداث الدولية أو المحلية .. الخ وهل كانت هذه المراحل قد اكتملت وبلغت شيخوختها من أجل انتظار تجارب متمردة لها صلة بالعوامل المولدة لها ، داخلياً ؟ ربما الشيخوخة لم تصب ألا استثناءات نادرة .. كجواد سليم الذي مات في ذروة إبداعه  .. وكاظم حيدر الذي مثل مغامرة الانفصال والتجريب .. ومحمد مهر الدين الذي عمل وفق أسس معرفية تخص تقنيات الرسم الحديث .. الخ فهل ثمة حدود .. وفواصل ؟ نعم .. وقد يقال كلا أيضاً . فالحداثة لم تتشكل بقواها الداخلية .. بل كانت ، الى حد صارخ ، مشهداً للاستعارات . لقد ولدت تامة ولا أقول كاملة أو غير قادرة على الإضافة والنمو . بيد ان مثالنا يلفت النظر الى الاستثناءات ، بدل الحديث عن استنساخات تم استهلاكها بصورة عامة . فالحداثة التي تقسم الى مراحل .. بدءاً بعصر المعادن .. وعصور الوثبات الكبرى في أوربا ، بعد عصر النهضة .. وصولاً الى فلسفات تفند تاريخ الجذور .. بل وتسهم بإزاحة التاريخ نفسه ، والشروع بالبحث عن إنسان ما بعد الإنسان الذي عرفناه . أنها إشكاليات لا تخص الفن بمعزل عن المعنى الذي يدفع بالحياة الى مصيرها باختراع الأمل .. وسط نهايات وشيخوخات للحلول العتيقة ؟ ان التشكيل في العراق ، في مغزاه الاستثنائي ، هو مرآة متحركة لثوابت وهمية .. فما الذي يلفت النظر في 99% من تجارب لا تمتلك الحد الأدنى في الأداء .. وفي تجارب مستعارة ، اتخذت من الأنظمة قاعدة لها واستبدلت الأشكال بأشكال أخرى ، وهي تبقى تذكرنا بترجمات لنصوص أجنبية .. مع أننا لا نتغافل مغزى خطاب الحداثة السياسي ، والاقتصادي ، والتوسعي .. وما إذا كان العالم يسير نحو نهايته .. أم أنه سيصبح مؤسسة مالية ، أو يصير مؤسسات  ضاجة بالاستهلاك والرفاهيات الى جوار الحروب والموت والاغتراب .. الخ ان الذي يلفت نظرنا ان الفن مكث بعيداً عن كونه علامة معاصرة . ففي التجارب السائدة كانت الأشكال تلبي المستوى الخاص بالنخبة الاجتماعية .. فلم يصر الفن ظاهرة كالشعر في الحياة السياسية . كانت الحداثة تشتغل داخل رؤوس عدد نادر من الذين راحوا يفرقون بين الزمن : الزمن التاريخي ، اليومي ، الذي اشتغلت عليه الحداثة الأوربية منذ عصر النهضة .. والزمن المؤجل . بيد ان الفن في عمله الحسي لا يرضخ للفلسفات المثالية .. فهو وليد ماضيه ، وتقاليده ، وواقعيته .. وهو الذي أعطى للتشكيل ، كما للثقافة ، المدى المتوازن مع مجتمع قيد الاستيقاظ . فوهم الحداثة مكث في الرأس ، في مجتمع منغلق ، لا يشكل الفن فيه ألا خطاباً تقليدياً ، وشعبياً .. فأين تكمن بذور الحداثة .. وهل يمكن رسم مراحلها ؟ ان التقسيمات السائدة ، تفصح عن قطيعة الفن وعزلته .. ولكن ( التحديث ) له مغزاه بظهور الاكتساح الأوربي .. والفن في العراق ، لم يأخذ المكانة ذاتها في تركيا الحديثة ، فالواقع مكث ساكناً ، في عصر الانقلابات الكبرى على صعيد التقنيات والمصائر . هذه المفارقة ، حددت دور الفن .. لأن التجارب المميزة لم تنتج اجتماعياً ، ألا في حدود النخبة . وعندما ولدت أولى التجارب على صعيد التلصيق ، وتحديث التكنيك ، واستخدام المواد المختلفة ، كانت الحداثة الأوربية قد دخلت عصر مغادرة حدود النص ، بإيجاز ، كان الفن يثير الريبة ، بدل ان يسترجع فلسفاته القديمة .. وكان لا يمتلك قدرة اختراق الجدار الاجتماعي ، في ظل مجتمع لا يمتلك وسائل وقدرات إنتاج مصيره .. فالهوية الفنية مكثت خارجية .. إعلامية ، وسياحية في أفضل حالاتها . وسيكون الحديث عن الحداثة ، في المحصلة ، محوراً لعالم تتهدم فيه الانغلاقات .. والإشارة الأخيرة ، لن تسمح لنا بالحديث عن فلسفة حداثوية .. بل عن تجارب متفرقة لم تغادر حدود النص الفني ، وأبعاده التقليدية . كانت ثمة قطيعة أفضت ، الى تشوش تام دفعت بالفن الى دوره الاستهلاكي .. فصار الفن علامة ربح . فهل كان الفن ، في يوم ما ، ليس ألا لغة خارجية للتبادل ، وليس جزءاً من التأمل والوجود بما يمتلك من أسئلة وأبعاد روحية ؟ ان حداثة التشكيل في العراق ، لا تمتلك إجابة تامة . فالفن مازال في دور تأسيس خطابه ، وليس التنوع ألا أحد مظاهر البحث والتجريب والاستهلاك تحديداً .. وقد لا تكون هذه مشكلة خاصة ببلد مثل العراق رغم تاريخه العميق في الفن فالبلدان غير الأوربية ، كانت تتعرض للمصير ذاته . لأن الحداثة ، في المصطلح وفي الهوية ، اشتغلت في فلسفة الوجود . أنها حداثة الاغتراب وموت الإنسان ومحاولات استبدال العالم بوقائع بديلة .. فما بعد الموجة الثالثة وعبرها انتزعت وخلعت الحداثة أنظمة كاملة في التعبير .. فهل ستخضع تجارب البلدان غير الأوربية ، في عصر العولمة ، الى هزات تدفعها الى الارتداد .. أم تضعها في مأزق ما بعد الحداثة .. ؟ ان مصائر الفن ، بعد ان صار الإنسان ذاته مهدداً ، يمنح المعرفة قدرة أكبر على رؤية لا حافات الهاوية : الاندثار .

 

 

 

* التاريخي والمؤجل

 

     ما الذي تتوخاه التقسيمات الأسلوبية لمراحل الفن ، وحصرها داخل عناصر مشتركة ، أكثر من المنظور التقليدي لدراسة آثار الفن ، والنظر أليه نظرة زمنية تعاقبية .. بدءاً بالتقسيم الذي وضعه نزار سليم أو شاكر حسن آل سعيد . فالأول منح الأوائل سمة الريادة الزمنية ، وذكر أسماء عبد القادر الرسام وعصام حافظ والحاج سليم .. ثم جاء الرواد .. وما بعدهم .. وشاكر حسن توقف عند جيل نهاية القرن التاسع عشر .. ودرس الجماليات الفنية بصفتها تمثل مرحلة النضج في تاريخ التشكيل المعاصر في العراق . وكنت ، في كتبي ، قد آثرت المحركات السياسية والاجتماعية في دراسة الأجيال . أنها كانت ، بصورة عامة ، تهمل آثر الزمن الأخر ، المؤجل غالباً ، وأثره في الحداثة . فالأخيرة ، بالمنظور الذي ظهرت عليه ، هي من صنع الضرورات والارادات البشرية . فالحداثة قاومت الغياب ، والمخفي ، وتوقفت عند الدلالة التاريخية . وسيكون مفهوم ( التحديث ) تعاقبياً ، وسردياً ، له مقدماته ونتائجه ، بعيداً عن الاحتمالات والفلسفات المغايرة .  . لقد كان مرئياً ، وله أسبابه .. كأثر الواقع الحضاري في الفن بكل تفاصيله السببية .. كأثر الوضع النفسي والأحداث العالمية والمحلية . ومن النادر التوقف عند وثبات ومحركات مغايرة في صياغة الرؤية ، عدا اعتماد شاكر حسن صياغاته المعروفة حول البعد الواحد ، أو الروحي في الفن .. ومثل هذا التقسيم لم يفض الى وضوح تام ، لأنه سيبقى يحمل ذاكرة الازدواجية . فالفن المعاصر ، على الرغم من حداثته ، لا هو مرآة اجتماعية وتاريخية ، ولا هو أحد تجليات المطلق . وفي هذا السياق لا يمكن حصر التجارب الغزيرة داخل مفاهيم محددة ، صريحة ، وقائمة على منظور أو أفكار فلسفية . كان التجريب هو أبرز سمة شغلت التجارب الفردية . وحتى عندما تبلورت الجماعات ، منذ الأربعينيات وما بعدها ، لم تكن الصياغات الجمعية تتجاوز التجاور أو التجمع . ومثل هذا الواقع يفصح عن مدى اشتغال الأفكار والأساليب ، والاتجاهات في النصوص التي كانت تلبي مستلزمات وقائع المجتمع ونخبه الاجتماعية أو الثقافية .  

     فلم تكن هذه التجارب أكثر من مرآة لمسار متصدع ، ومقسم ، يسعى الى بلورة خصائصه عبر التجريب والفردية . وهو المسار الذي لا يغادر منطقه الزمني ، وعوامله التاريخية . فالحداثة ، حتى في تجارب فاتحة الألفية الثالثة ، لا تمتلك مبررات ان تكون صريحة ، كما في الحداثات الأوربية ، أو عبر ما بعد الحداثة . لأن الزمن الذي اشتغل عبرها ، لا يمكن ضبطه . لكن هذا لا يلغي مفهوم الزمن الأخر ، الذي لم يصر قوة فاعلة في التجار ، بل كان الزمن التاريخي ، أو زمن المرئيات ، أكثر فعالاً .. وهو الزمن المستعار ، القائم على أنظمة لها حدودها وتقاليدها . ومثل هذا المأزق ستكون له آثاره في وظائف الفن ، وفي انشطاراته المتوالية . بيد ان الزمن الواقعي ، التاريخي ، ضمن خطاب الحداثة السياسي ، لم يتوغل في مكونات النبض ، ومفاهيم الفن . كان هذا المفهوم يتحرك عبر المحاكاة ، واعتبار النموذج الأوربي في المقدمة . أنه الذي حاول استعادة الزمن الأرضي ، ولكنه لم يثمر ألا ثمراته التي توزعت وتحددت بسمات المؤثرات والأسباب والعوامل الخارجية ، فإذا كانت الحداثة الأوربية قد اقتلعت المفاهيم الميتافيزيقية ، قبل خمسة قرون ، ومنحت الحداثة المصير الذي دفع (هيدجر) به نحو حافات المجهول ، فأن حداثات البلدان غير الأوربية ستبقى ملحقة بالنزعات التاريخية . أنها لم تقدر ان تشطر الزمن ، في أكثر الحالات إبداعاً . فلم تكن ثمة فلسفات صريحة ، وواضحة الأسس ، كالتي ظهرت عند ( كانت ) و ( هيغل ) و ( نيتشه ) . كان التحديث يتحرك على ضفاف الحداثات الأوربية .. وقد لا يكون ، في أكثر حالاته نضجاً ، ألا تكراراً أو صدى لها ، فلم يكن النص يمتلك هويته كمنجز له زمنه وكيانه . أنه كان ، ككل العلامات الأخرى ، لا ينتج في الداخل . كان مستعاراً ، الأمر الذي جعل الأقنعة ، في الفن ـ تأخذ سيادتها . فكما لم تكن ثمة صناعات وتنميات ومخترعات خاصة ، فأن المنجز الفني ، طوال هذا الزمن ، كان ملحقاً بالتحديث الإجباري . فالمدارس والأساليب شكلت الصدى الواهن للمدارس الأخرى .. ومن الصعب تلمس أثر الزمن المؤجل ، ألا في غياب مغزاه فلسفياً داخل سياقات الفن . لأن الشرقي ، الذي برهن بعناد نادر ، أنه لا يريد تفكيك زمنه التاريخي . فخلال ألف سنة ، لا أحد أعطى الأسئلة التاريخية ، القوة ذاتها التي حصلت في أوربا عصر النهضة ، لحسم قضايا مكثت معلقة وكأنها قدرية . فالتدهور الاقتصادي ، والاجتماعي ، والثقافي ، وجدت صداها في قطيعة المراحل ، وفي عزله الفن عن المجتمع . ولن تناقش هذه الأفكار ، عامة ، بصورة صريحة . بل ستجد من يدحضها بحجة أنها تمنح الزمن التاريخي خطرة ، ومغزاه المفكك للزمن الأخر .. وكأن هؤلاء الذين يتلذذون بعصور التدهور لا يجدون مكانتهم ألا وهم يدافعون عن المستحيلات . عن زمن المطلق . ان هذه المفارقة لم تذهب سدى .. أنها توغلت في صياغة هشاشات لا تحصى .. لأنها في نهاية المطاف ولدّت مفارقات جانبية دفعت بالفن الى الهامش ، بعيداً عن المركز . فالزمن ذاته كان يأخذ مجراه ، لكن أوهام المثاليات ، كانت أصلب . فلم يكن الفن يمتلك قدرة الشعر العربي ، في عصوره المختلفة . حيث عبر شعر ما قبل الإسلام ، عن أعقد مأزق يخص هذا الفارق . كان الفن ، مثل كل عمليات الإنتاج ، يقع في عصر جمع القوت .. وفي عصر الحلول المؤجلة . أنه كان في عمق الغياب . فالفن لم يصر مرآة كالتي أراد لها جواد سليم ، ألا في تجارب أنتجتها ومضات فذة . فالواسطي لم يكن وهماً ، ولكن حداثته لم تدرس بصورة تجعل من إبداعه ، علامة تراكمية . وهو ما سيشكل سمه لمرحلة امتدت أكثر من قرن .

 

 

التقنية : الحدود والوهم

 

     هل انتزعت التقنية وظائف المقدس ، لتدفع بالمفاهيم خطوة بعيدة في الانفصال عن الطبيعة ، والعصور القديمة : خطوة نحو تفكيك أنظمة الوهم والأقنعة ؟ بمعنى آخر ، هل غدا المستقبل مرئياً ، ومسيطراً عليه ، ومحسوباً بالتقنيات الجديدة ، أو عصر ما بعد الصناعة ، والتقنيات التقليدية ؟ ان التقنية ، لم تعد ثمرة التراكم الطويل لمجمل العلوم والتجارب .. أنها صارت تستبدل تفكير ( المفكر ) لتذكر ( له) وصارت تذهب أبعد من ذلك : أنها غدت تعمل على صياغة قناعات مختلفة ، فنظام العالم ، بعد تفكيك عصور الأساطير ، صار يحدق في قوانينه الأبدية ..

     فكيف نجد صلة بين أقدم الفنون ، وأكثرها حداثة ، بعد ان كانت رسومات عصر الكهوف ، على سبيل المثال ، تشتغل ، بما يعمل على بلوغه فنان الألفية الثالثة .. ؟ هل مكثت القوانين ، والوعي برمته ، في الداخل ، داخل آليات عمل الفنان ، كمعتقداته أو علومه .. أم ان الفنان ، مثل كل الكيانات ، يعمل بآلية بالغة التعقيد ، والعمق حد أنها تمتلك مغزاها الروحي ، بل ، والمقدس ، ولكن خارج حدود العبارات الوثنية ؟

     سؤال كهذا يجد مغزاه المباشر : ما الذي يفعله الفنان أصلاً ، خارج عمله الوظيفي ، والاستهلاكي .. وما علاقة الإرادة الحرية في صنع العلامات الفنية ؟ ان التعبير لم يغادر الذات .. لكن أي ذات ، وفي أي منجز ، لا تتحرك حركة تلقائية ، أو عشوائية .. أنها ، بحسب هذا كله ، تشتغل بكل الذي غدا محذوفاً . أنها محكومة بالوعي الذي يبلغ درجة الاستحالة أو العجز ، لكن الأخير ، يجعل العجز قناعة للتواصل ، والتتابع . وبعيداً عن تفحص المراحل والحقب والعصور ، فأن تعريف التقنية لا يمكن عزله عن المسيرة الخاصة بتاريخ الإنسان وتاريخ فنه .

     لقد ولدت تجارب فنية خارج زمنها ، ولم تتحقق تلك التجارب ألا لأنها ولدت داخل زمنها . أوضّح : ان الزمن لا يصبح ألا مثل الجاذبية ، أو انحناءات الزمن ( هناك أزمنة أي هناك تقاطعات في الانحناءات : زمن المجرة زمن الكوزرات زمن الثقوب السود الخ ) : كلها كانت تتحرك داخل الوعي المقدس ، والأسطوري ، الذي رسم علاماته بعلامات خضعت للتحليل . بيد أن أي عصر ، بفعل هذا المصير المتواصل للتقنيات ، له أثره ومميزاته .. وهو الذي دفع بالتحليل الى أراء متباينة .. ووظائف تبدو مختلفة .. حتى صار اللا معنى أو الشيء في ذاته أو العلامة التي بلا دلالة .. الخ معنى لهذا التداخل في الأبعاد ، والأشكال والمخفيات . فهل كانت تجارب الفنان تدرك أنها بصدد مصائر أسلوبية تناسب هذه الوثبات ، أو الأرتدادات مثلاً .. أم كان الفن ، وهو يراقب عصر التحرر الوطني ، يلقى ، ويولد ، بدافع الضرورات .. بينما كان الفنان ، في أعماقه ، يتوقف عند قناعات راسخة .. أو لا تقبل الدحض  ؟

     التقنية ، إذاً ، خلال نصف القرن الماضي من القرن العشرين ، لا تعّرف أو تقيد عند مفهوم أخير .. بيد أن مقدسات الماضي ، وأساطيره ، لم تعد تعمل في بنية الحضارة الأوربية .. خاصة ، أنها ستولد ، بوثبات أكثر عناداً وقوة ، في تجارب ما بعد الحداثة ، ذات التأثير والقيادة غير الاوربية .. فهل تقسم التقنية الى أداة .. والى معرفة تدحض الثابت المقدس المكتمل ، هذا الذي صار وثناً .. أي ، المعرفة التي تعيد فتح ممرات في تدفقات المجهول .. أم أنها ، في مجتمعاتنا المؤجلة ، لا تعدو سوى ندٍ ميت للفراغ والثابت ؟ في الحالات كلها ، ظهر أثر التقنية في المجال الأول ، المنقول من أوربا ، ولم يظهر الثاني ، ألا عبر ألتماعات وجيزة . فالصراع الحاد بين الشمال والجنوب ، مكث يحفر في الهوة بينهما . لقد تراجعت التقنية ، حتى بالمفهوم السائد ، تاركة أثر المنتج في بنية المستهلك . فالفن في الغالب لم يصر ، كما في عصوره المزدهرة تقنية تفكر ذاتياً . بل صار انعكاساً ، وتعبيراً في أفضل حالاته .. وأبسط مراجعه للقرن الماضي ، لا تفضي ألا الى تقسيمات لا تغادر المدارس الأوربية . فالحداثة لم تصر تأملاً في التأمل .. ولم تصر تجربة في الحضور .. بل انشغلت التقنية بلعبتها الزمانية .. وكما شكل محور الزمن الغائب محركاً للتكرارات والثوابت ، شكل الزمن التاريخي ، فقراً في الهوية . ففي مجتمعات الفراغ ، لا تحدث الصدمات أثراً جذرياً ، بل تقود ، الصدمات ، للقبول بالاستحالات . والأعمال الفنية النادرة ، في هذا المناخ ، تغدو مطرودة ، ومبعدة .. لآن مجتمعات الفراغ ، تهلهل لغوايات الرفاهية .. أنها تواكب فرحها الوافد .. فهي ، عملياً ، لا تمتلك ألا ذاكرة مستعارة . أنها لا تتقدم . وفرحها في النهاية ليس ألا قناعاً .. فهي مجتمعات قائمة على الاستعادة وبلا رصيد محرك لتسلسلها داخل المشهد الكلي . فالتقنية ، في نهاية المطاف ، غائبة . والمهارات القليلة التي ظهرت ، لا تني ان تكون أكثر من خبرة محدودة ، ومنسحبة عن السياق العام . فكيف سننظر الى حداثات قائمة على هذا الوهم ؟ ان الصلابة التي يتمتع بها عدد من الدارسين ، وهواة الكتابة ، وأساتذة الدراسات العلياً ، لا علاقة لهم بكل دحض وشك ومعرفة قادرة على نسف منطق الوهم .. فالفن مازال يتمتع برصيده [ 1 ] أما أنه يخفي وهم المقدس [2] وأما أنه دخل لعبة ، وسياقات ، السوق . ولن تكون الشروحات والدراسات أكثر من مباركة لجهود الرتابة وأسسها القائمة على مجتمعات لا تنتج ألا فراغها . أن إنسان الكهف ، رسم ، ليس بصفته رساماً ، أي في حدود وعيه بالتقنية العملية فحسب ، بل كان يتمثل زمنه هوية في التتابع ، والمغامرة .. فالتقنية لم تمكث داخل النص أو داخل الكهف ، بل هي المنتج ذاته بما لا يقبل الانغلاق . أنها حرية ضمنا جعلت الوجود ممكناً ومحتملاً . أما الحريات القائمة على أنظمة التداول ، لا على مشفرات الوجود ، فأنها لم تنتج ألا سلاسل من العلاقات الاستهلاكية . فعندما تغدو التنمية وهماً ، ولا تنتج ألا أشكالها وأقنعتها وعاداتها العنيدة ، فأنها ستطرد كل وعي تقني شفاف بالصيرورة . والحداثة ، التي مازالت تنتظر ان تكون واضحة المعالم والحدود ، لن تولد ألا في حدود استهلاكها المتواصل .

 

 

 

* التكرار والحذف

 

     ما الذي تريد ان تكتشفه الحداثة ، وهي تكف ان تكون مستقلة ، في خصائصها ، ومعالمها الداخلية .. أليست هي نزعة مواكبة لمصائر أخرى على صعيد عصر مختلف . لأن نزعة الاستهلاك ، بما تتضمن من فراغات وفجوات غير مشغولة ، مازلت مغرية وقائمة على التجريب .. كما أنها صارت لا تنظر الى الماضي ، ألا باعتباره أثراً ، أو محركاً مطموراً ، حذف ، أو يتم حذفه في سياق بدايات بلا نهاية ؟ ان حداثة ما بعد منتصف القرن العشرين ، لم تعد انعكاساً أو قائمة على نظريات التعبير .. أنها غدت مستقلة في صياغة أهدافها ، ودلالاتها الفنية . لكن الأمر ، في البلدان ذات التاريخ الراسخ ، المشغولة حد الإنهاك بالمصائر الحياتية والأيديولوجية ، فيأخذ شكل التحديث والمحاكاة والتبعية . فكما لم تعد ثمة منافسات في السوق ، فأن الفن ، هو الآخر ، لا يغادر العلاقات الكلية . أنه لا ينتج نفسه ، وليس استكمالا ً لماضيه .. لكنه ، في هذا المأزق ، يبحث عن حلول شبحية . فالفنان لا ينتج فنه من أجل الفن ، في سياقات المقدس والتأمل .. بل يجد نفسه إزاء مجهول أسمه الآخر . فالأساليب تولد وتندثر خارج وعيه للمحركات الشاملة ، القسرية ، في سياق نهايات متكررة ، كموت الفن وموت الإنسان . لأن هكذا حداثة لا تمتلك قدرة المنافسة ، أو قدرة ان تكون عالمية ، وهي تدخل في تصادمات من نوع آخر . أنها ترتد ، وكحلول شبحية ، تتمسك بأشكالها السابقة . فهي تنتج تكرارات للمدارس المتحفية ، المدروسة ، بدل التوقف عند جوهر الأسئلة . ومثل هذا الواقع ، عامة ، جعل البدائيات ، والنقوش، والفنون الشعبية ، سلعة قابلة للتداول . فهي لا تغادر المشهد السياحي ، الاستهلاكي ، الذي لا يفضي الى التراكم ، والى ميلاد أفكار في النقد والفلسفة . فالاستعارات المتواصلة للرموز وأنظمة التعبير دفعت بالفن الى السطح ، بدل الدحض . فالذي أخذ شكل الحداثة ، بالمعنى الأوربي ، هو الأخر يواكب ويغاير التيار السابق . لأن الأخير يكرر الأنظمة ذاتها التي لم تعد حداثوية .. وفي التضاد ، لا يقود هذا المشهد ، الى الابتكار . فالهيمنة العامة للاستهلاك لا تتوازن مع الذاتي في الفن .. حتى ان المراقب يتساءل : ما الذي يحدث في الفن .. وماذا يريد ان يقول ، عدا ، مشاهد البذخ والجماليات الأحادية ؟ ان أسماء قليلة حاولت التفرد بالعثور على توازنات ، وترميمات للنص الفني ، وهي المحاولات الأقل شهرة في هذا السياق . فالذي يحدث خارج النص ، لا يجد علامة له ألا في إخفاءه . ثمة جهد متكرر وعنيد يتمثل في غالبية أعمال نهاية القرن وفاتحة الألفية الثالثة ، جهد يكمن في حذف المرئيات ، والسرد ، والشرح .. وهو التيار الذي يتوخى ألا يفقد ذاتيته أمام موضات التحديث ، وأمام تيارات ما بعد الحداثة . فالعدم ليس فلسفة ، بل مكث في عمق الواقع .. والعدم هو الشكل الواقعي للنسف المتواصل والدامي للأحداث والثوابت .. لكنه لم يصر ، داخل التجربة ، عاملاً فنياً . أنه مكث بعيداً عن المرئيات ، كي يأخذ مغزاه الرمزي ، أو الحيادي في نهاية المطاف . ومن ذا الذي يقدر على حذف هذا كله ، إزاء تكرار متواصل للمشهد المجرد : السطح والثقوب والتقنيات المستعارة ، عدا استخدامات للبيئة وتحويرات للأساطير والرموز . ان حداثة بلغت عزلتها حد القطيعة ، تنتظر مهارات استثنائية تدرك أنها ان لم تغادر هذا المشهد ، فأنها ستكف ان تكون ألا امتداداً لرغبات السوق ، وأقنعة الابتكار .                         

 

 

 

 

 

 

ما الذي يقال ..؟

 

     هل اجتازت الحداثة عتبة محاكاة ومواكبة النموذج الأوربي .. عبر عصر تتحكم فيه التحولات ما بعد الرأسمالية ، ودخول العولمة بصفتها أحد أشكال ما بعد الحداثة .. وهل كان للسمات البيئية والمحلية والرمزية والشعبية ، الأثر المتوازن مع تحولات الأساليب ، ودخول الفن ، بعد التصدع المتعاقب للأيديولوجيا ، فضاءات ما بعد تقنية ؟

     يصعب تحديد سمات هذه الحداثة .. وتحولاتها .. في عمق هذا الصراع .. حيث الحداثة ذاتها لم تكتمل .. كما ان تهميش  دور الفن له انعكاسه على المؤسسة الفنية والمجتمع والمغامرة الإبداعية . وفي الحصيلة لم تظهر تيارات أو مبادرات ذات قيمة ألا وفقدت هذا الامتياز . فبعد ان تبلورت جماعات الخمسينات ، الرواد وبغداد للفن الحديث والانطباعيين العراقيين ، ظهرت نزعات متطرفة وجماعية مثلتها جماعة الرؤيا الجديدة .. وجماعة المجددين ، والبعد الواحد .. مع ظهور تجارب فردية لم تجد صدى يناسبها وسط ارتدادات دفعت بالفن الى السوق والتكرار والمحدودية . تجارب محمود صبري في واقعية الكم ، بصفتها محاولة إعطاء العلم الفيزياء دوره في الرؤية الجمالية .. وتجارب  د. قتيبة الشيخ نوري حول تقصي اللا مرئي والمخفيات في الطبيعة والفن .. أنها تجارب مكثت تخفي نزعتها التجريبية ، ضمن مجتمع لم يصر فيه الفن ، ألا بصورة محدودة ووظيفية وشكلية ، علامة عصر .. بل على العكس ، وبعد هجرات كبرى لمئات الفنانين ، وغياب الحوار المناسب للذي يحدث في الفلسفة والأسواق والتقنيات ، صار الفن ظاهرة لا تقول الذي كان المجتمع يتكلمه . ان الفارق بين حداثات تولد صلبة ، وهي تواجه مصيرها في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية ، وتحديثات هشة كظاهرة استبدال الكوكاكولا بالشاي ، تولد محتضرة .. ولا تترك مساراً معرفياً يفسر مغزى واقعها الحتمي ، وانتظار تصدعها عبر التحولات والتصادمات المتكررة . ان الغياب شبه التام لأثر الفن في المجتمع ، والعكس ، جعل المدينة العراقية تتراجع بلا مبالاة وعناد . فهل صارت بغداد ، بعد تدمير النظام الملكي عام 1958، عاصمة تحمل علامات النظام الجمهوري .. أم كانت المدينة ، في أفضل حالاتها ، لا  تمثل ألا مشهداً احتفالياً واستعراضياً لتحولات الأقنعة ؟ ان انسحاب تجارب الحداثة لم يسهم بظهور نزعات مغايرة ألا لدي شاكر حسن  ، ولدي طلابه ، وهي نزعات لم تكتمل ، أو أنها مكثت داخل جدران الذهن وحالات العرض ، مع هجرة الأعمال الممثلة لها ، بدل ان تجد مكانها في المشهد الثقافي الفني . لأن الأخير ، ومنذ فاتحة العقد السابع ( 1970 ) شكل قطيعة شبه تامة مع التحديث ومع الحداثة ، خاصة ، على المستوى النظري ، وعلى صعيد المبادرات الفكرية والتنظيرية . فالحداثة لا تصنعها عوامل العزلة والقمع المنظم لمجتمع مكث حياً بدافع وجوده التكراري . فعندما يدرك هذا المجتمع أنه لا يمتلك قدرة ان ينفي مراحله لينتج مغامرته الوجودية ، في إطار نموه الطبيعي ، فأن هوية الحداثة ، مثل هوية الكائن ، تنتج انقسامات وتنويعات حد تدمير أهدافها . فهل يحق لنا ان نمتد في الكلام .. عندما تكون عناصر ومكونات الحداثة غائبة .. وعندما تكون التحولات العالمية قد هيمنت على مسار توزيع المواهب والطاقات ، فضلاً عن العوامل الكبرى ، مثل شكل المدينة ومغزاها .. ودور المؤسسات الغائب أو المدمر ، وركاكة القوة الإنتاجية للمجتمع وتدهور التخطيط ، وانتصار عصر ما قبل الكتابة ، أدى الى ظهور تناقضات لا علاقة لها بجوهر الحداثة ، أتساءل ، هل يحق لنا أن نمتد في الكلام ، عندما أصبحنا لا نصغي حتى لأصواتنا الداخلية .. وبعد ان أصبحنا لا نترقب ألا مشهداً سحرياً لجوهر اللا مبالاة الأجمل .. هل يحق لنا ان نترقب موتاً بعمق أحلامنا المؤجلة ، بعد ان أصبحت ظاهرة انتظار الغائب أزلية ، منذ نهاية عصر سومر .                   

 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق