جاري العزيز الذي لم ير (نصب الحرية) البحث عن نبوءة الملك الحزين في شوارع بغداد
فاروق يوسف
صوت المغني يأتي عميقا. ينكسر الهواء. سلمه ينزلق وعطره يتلعثم. هل صار علينا أن نصدق أن الموت نوم دائم حقا؟ انه نوم كأي نوم آخر، سفر مفاجئ. الميت شخص آخر. الشخص الوحيد الذين لن يصيبه الأرق بسبب الحب. نائم مثل صوت المغني على درجات سلمه. ينزلق إلى العتبة الأخرى. سيجد الباب مفتوحا. لن يخطر له أن يلتفت. ' الكذلة مالت يا ولد' ثوب أزرق مثل راية، لم ير هلالا في الأفق. مضى زمن الحرية. سيقود صوت المغني الخراف الى المراعي غير أنه لن يعود بها الى الحظائر. يشم القرويون رائحة الثعالب. ' ألا يزال جسر المسيب في مكانه؟' الصدفة وحدها صنعت من ذلك الجسر عنوانا للضياع العراقي. ضياع مترف يمهد له صوت المغني الطريق إلى المتاهة الأخيرة. ' أمعوذ يا يابه' سوف تمضي الجنازة. لن يلتفت الميت. شيء منه ينسل من بين المشيعين ليعود بالأغنية إلى البئر. ' فراكهم بجاني' ولكن الدموع صارت تركض هي الأخرى. بلد كله يركض. شعب يركض إلى فجيعته. كانت بغداد موعودة دائما بالمرور على جسر المسيب، حافية من غير قدمين. لقد اختفى جزؤها الأسفل. سيكون علينا أن نفكر بالمدلل الزعلان في مقهى عزاوي لا بغربة الميت عن جسده. ليس للميت أم. كل الامهات سبقن الجنازة إلى مقبرة افتراضية. ' فوضى' قال المؤذن. ' طقس' قالت المجندة. ' طوائف تحنو عليها الفتاوى' قال المثقف الملغوم. يوسف عمر يقول: ' جي ما لي والي'. الميت يرغب في استعادة زمن اللافتات. يقال أن رفعت الجادرجي صمم موضع نصب الحرية لجواد سليم على هيئة لافتة. كنا إذاً نمر من تحت تلك اللافتة سكارى من غير أن ندري. كنا نمشي في مسيرة غامضة ونحن نهذي. ' يلي اوكعت بالبير/ ناوشني اصبعك/ لوما حجايا الناس/ انزل وأدفعك' أستعيد المشهد الكابوسي الذي صنعه واحد من عباقرة العمارة في العراق. المسيرة مستمرة واللافتة البيضاء مرفوعة. الجنازة تمر من تحت نصب الحرية. ' ألا تعني الحرية انفراط الجمع، فلمَ كل هذه الحشود؟' وحده الميت في إمكانه أن يقع في مثل هذه الشبهة. لن يرى أحد من المارين تحت اللافتة انتصارات العسكر. قبل سنوات رجع الأسرى من إيران فلم يجدوا لهم موقع قدم. كلما القوا خطوة عادت إليهم خائبة. فراغ كوني وليس وطنا. قفزوا من السجن إلى الهاوية. لم يكن هناك من يفكر بالمدلل الزعلان. فالاقدام الهاربة من الكويت عجلت بنهاية خيالهم الوطني. على طريق محمد القاسم السريع وسط بغداد رأيته وهو يشير يائسا ومحطما للسيارات على طريقة الاوتو ستوب. لا احد يقف له. واحد من سُوّاحنا الذين كانوا في الكويت. لم تخفني بندقيته. وقفت ففتح باب السيارة وصعد وهو ينظر إليّ غير مصدق. نسي أن يلقي عليّ التحية. قال لي مباشرة: ' مشيت أياما، لكن الساعات التي وقفتها هنا كانت الأقسى' أخفضت صوت المغني لأسمعه. لكنه لم يقل كلمة أخرى. كما لو أنني عبرت به جسر المسيب. حين طلب مني التوقف لينزل، قال لي وهو يزيح بندقيته عن كتفه: ' لقد احتفظت بها أياما من أجل أن لا يستولي عليها عدو، هل تريدها؟' حينها التفت إليه وأنا أبكي.
2
أعود إلى نصب الحرية وأنا أفكر بالنصارى. أبو روني، جاري العزيز هرب إلى بغداد من البصرة أيام القصف الايراني. كان الرجل المصرفي عميقا في انتمائه إلى البصرة. حدثني باعجاب عن عصامية أختيه المقيمتين في الهند. تزوجتا هناك وثراؤهما لا يمكن الاحاطة به. ابنته (كلوديت) تربت ودرست هناك. لم ير أبو روني نصب الحرية. لم يذهب إلى الباب الشرقي حيث النصب الذي يقع في مركز بغداد. كان يبحث عن القادمين من البصرة ليشم رائحة بيته من خلالهم. بيت بطابقين أعرف جغرافيته بدءا من بابه إلى غرف النوم. أثثه أبو روني بأصابعه المشتبكة بأصابع زوجته. كان يمشي بي سنتيمترا بعد آخر، وحين ينسى شيئا مهما، يعود بي إلى بداية الحكاية. الآن يمكنني تخيل ليلة زفافه وما حمله إلى البيت يوما بعد آخر من أثاث. ' كنت أيام العطل أذهب الى الكويت لأشتري ما أحتاجه من أثاث' يقول لي. كان ذلك الأثاث ينضم إلى الحلم. لم يشعر أبو روني بمر السنين. كان مستمرا في تأثيث حلمه، حين أجُبر فجأة على مغادرة بيته إلى الأبد. حريته كلها ذهبت إلى جهة مجهولة. كان جاري العزيز كمن يقضي وقتا ضائعا. ' لم يعد للعمرمعنى' قال لي وهو يضع الخيار في قنينة ليصنع طرشيا. ' حار دائما فأنا تربيتي هندية' يضحك. لم يكن يحن إلى سنوات الاحتلال البريطاني وهو الانكليزي الأصل. كانت عراقيته تهذب طباعي الريفية. ابن البصرة، ثانية مدن العراق وميناؤه الذي كان يعلم مشيخات الخليج فن العيش، وجد نفسه فجأة يقف وحيدا، في منأى عن الجاذبية الأرضية. ' خلي اليلوم يلوم كلبي يحبه/ شلها شغل هالناس كلمن بدربه'. قلب أبي روني كان هناك. في البصرة. لا يصدق أنه صار منفيا. لم يكن يثق باللغة. حلمه يستدعيه. بعد أن ماتت رفيقة عمره اختفى ذلك الحلم. عتمت الطريق. صارت البصرت بعيدة فيما القيامة قريبة. مات أبو روني بعد الاحتلال بسنة ولم ير نصب الحرية ولم يزر عقد النصارى ولا كنيسة اللاتين في بغداد. لم يكن متدينا بقدر ما كان يؤمن بالمسيح مخلصا. لم تكن لديه مشكلة مع الله. كانت مشكلته مع رجال الدين. البصرة كلها باعتبارها ميناء كانت لديها المشكلة نفسها. كل الاديان نزحت إلى البصرة يوم كانت المدينة الوحيدة على الخليج. ارث السماء كله هبط ليجد في تلك المدينة حاضنة لرؤاه الغامضة. أغمض ابو روني عينيه على الاحتلال الامريكي بعد ان كان قد فتحهما على الاحتلال البريطاني. ما بين احتلالين عاش جاري العزيز حياة عظيمة لم يمر أثناءها من تحت نصب الحرية.
3
ما الذي يعنيه نصب الحرية الآن في بلد محتل؟ مزحة هي جزء من كابوس. كان هناك مصورون هنود وعراقيون جوالون يلتقطون الصور للناس تحت نصب الحرية أو في حديقة الأمة، التي كانت تحت مستوى النظر. يهبط المرء إليها عن طريق سلالم متوارية. كنا يومها لا نحتاج إلى صوت المغني. يكفينا أن نقف في ظل تمثال الأم لنشعر بحاجتنا إلى العودة إلى البيت. لم يكن الذهاب إلى نصب الحرية ضروريا. يكفي أن نقرأ لافتة مكتوب عليها (ممنوع التصوير) لنعرف أن حريتنا مصادرة. كان هناك مصورون هنود وعراقيون مسموح لهم بالتصوير. ' هذا مو انصاف منك' كنا نضحك. جواد كان ميتا. ' الناس لو تسألني عنك/ شرد أجاوبهم شكول' كان جواد يحلم. لنغفر له. مثلنا هو الآخر كان يحلم بالحرية. لم يكن يفكر بالكنز الذي سيتركه ليثقل به ضميرنا. إرث ملتبس: لافتة للذكرى، لا ترتفع إليها وجوه بشر يمشون على أرض محشوة بالألغام. حولت الحرية الامريكية البلد كله إلى مزرعة للقتل. أخطأ جواد حين أغفل ذكر الموت في نصبه. كان يصبو إلى زمن لا قتل فيه. نجح النحات في الامساك بنبوءة صغيرة. نبوءة لم تحرج أحدا. كان الشيوعيون يسحلون أعداءهم فيما كان العمال يصفون قطع النصب على اللافتة. بعد عقد من الزمان نصبت المشانق تحت النصب مباشرة، ولم ير أحد من الجمهور ذلك الطفل الحافي الذي يقف في الجهة اليمنى من النصب. يومها انتهى عصر بابل. كان على النصارى أن ينتظروا حتى عام 2003 لتحل قيامتهم التي كانت نبوءة ملك الحيرة المؤجلة. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
|