عنوان الدراسة
فنون عالمية ::::: ســـتــــورم ثــورغـيــرســـون الــذي رأى الــمــوسـيـقـى
الكاتب
فاروق يوسف/ السويد
التاريخ
2010-05-31

 

أكثر من أربعين سنة عاشها الفنان البريطاني ستورم ثورغيرسون في حمى الموسيقى، صانع أفكار تصويرية تنتقل بالنغم من الأذن إلى العين. موهبة خارقة كان في إمكانها أن ترى ما تحمله الموسيقى من معجزات تصويرية. تستخرج من الموسيقى ما يمكن أن نسمّيه الواقع المتخيل. ملصقاته ارتبطت بخيال محبّي موسيقى الروك والموسيقى الشعبية في العالم. لقد طُبعت من رسومه ملايين النسخ. وهي الرسوم التي تلخص سيرة عصر متمرد. عصر يستعاد من خلال تلك الرسوم هذه الأيام.

 1

الموسيقى تُلهم لكنها تُري أيضا. لو سألتُ أي موسيقي لما شعر بصعوبة في تأكيد هذا الرأي والثناء عليه. سيقول لك: "نعم الموسيقى تمكّن المرء من أن يرى أشياء كثيرة، تعينه على أن يصل بنظره إلى ما لا يمكن أن يُرى بالعين. على الأقل تلك الحقائق التجريدية التي تنظم عمل الواقع". بقوة التأكيد نفسها، يمكننا أن نقول إن ما نراه من خلال موسيقى باخ من أشياء ووقائع وأمكنة وكائنات يختلف عما يمكن أن نراه من خلال موسيقى موزارت. ما من رسّام إلا وحلم بأن يستخرج من خطوطه وأشكاله ومساحاته الملوّنة موسيقى من نوع ما. لا ينحصر ذلك الانهماك التلذذي بالتجريديين وحدهم، بل يتعداهم إلى أتباع التيارات والمدارس الفنية الأخرى. ليس من العسير على المرء أن ينصت إلى الموسيقى التي تجري في عروق تماثيل مايكل انجلو أو بين مكعبات سيزان وأسطواناته أو في ثنايا حكايات شاغال الدينية. "الفنون كلها تسعى إلى أن تكون موسيقى". من قال ذلك؟ أهو كاندنسكي الذي علّم الرسامين الارتجال، وهو مبدأ موسيقي؟ لكن هناك جانب آخر من جوانب صلة الفنون بالموسيقى، هو الجانب المتعلق بالترويج للموسيقى رسما وتصويرا. بشكل محدد نشير إلى الملصقات وغلف الالبومات والاسطوانات الفنية. وهو عمل يتغاضى عنه البعض من المهتمين بالفن لكونه من وجهة نظر ذلك البعض نوعا من التصميم، وهو كذلك، غير أن هناك استثناءات ابداعية من شأنها أن تلفت الأنظار إلى هذا النوع الفني الذي يعتبر وسيطا بين الموسيقى وعامة الناس. البريطاني ستورم ثورغيرسون هو واحد من تلك الاستثناءات النادرة. لقد التقط هذا الفنان صوره من بين احشاء الجمل الموسيقية، حتى ليكاد يكون أشبه بالمفكر الذي حوّل تلك الجمل صوراً تكاد تكون طبق الأصل. ما إن يسمع المرء جملة موسيقية أو مقطعا من اغنية، حتى يتذكر الصورة التي نفّذها ثورغيرسون غلافاً لاسطوانة ضمت تلك الجملة أو تلك الاغنية.

2

عام 1968 كان عاما عاصفا. الثورة الطالبية في باريس وجدت لها صدى في مختلف انحاء العالم. فكانت المراجعات النقدية (الهادئة والمتشنجة على حد سواء) نوعا من محاولة الانسلاخ عن العالم البورجوازي القديم والانتقال إلى عالم امتزجت فيه الرؤى المتمردة بالأفكار الثورية الهامشية وبالرغبة الفردية في انتهاك التقاليد والاعراف المكرسة بأحلام حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث. في تلك الفترة نزلت السياسة مرة أخرى إلى الشارع فتلقفتها الموسيقى. هذا اللقاء نتجت منه نزعة انسانية جسدتها موسيقيا وغنائيا الكثير من الفرق الموسيقية، كان في مقدمتها فريق "بنك فلويد" الذي تأسس في كمبريدج عام 1965. في تلك اللحظة بالذات ارتبط اسم ثورغيرسون بذلك الفريق الموسيقي المتمرد، حيث بدأ بتصميم غلف اسطوانات الفريق بطريقة مستقلة توحي بعمق دلالة النزعة الانسانية التي تعبّر عنها أغاني ذلك الفريق. ما فعله ثورغيرسون أنه أنشأ، صورياً، عالما يكاد يكون مرآة لما لم تقله الكلمات، بل لما انطوت عليه الموسيقى من غضب ودعوة إلى التحول وكسر الأطر السياسية والثقافية الجامدة ومفارقة الممكن المتعفن والمتهرئ من اساليب العيش. صنع يومها صورا تشبه الهلوسة، هي بقايا تأثيرات السوريالية عليه. كان يومها شابا (ولد عام 1944) يحلم بولادة فن مختلف. فن هو مزيج من كل الانواع الفنية المكرسة، مضافا إليها ما نتج من مغامرة تيار "فلوكسس" الذي ظهر في المانيا عام 1964 ومن ثم انتقل إلى اميركا ولم يعمر إلا سنوات قليلة من رغبة عميقة في الاعلاء من شأن فنون المفاهيم والتجهيز والانشاء والفيديو والفوتوغراف والحدث والاداء الجسدي. فكان ان أتجه ثورغيرسون إلى صناعة صور تتشبه بفن اللصق (كولاج) على طريقة ماكس ارنست، لكنها في الحقيقة صور تنطوي على الكثير من الخيانة لتقنية الكولاج، ذلك لأن اللصق فيها لا يتم في مشغل الفنان أو مختبره فحسب، بل في الواقع أيضا. لم تكن لدى الفنان صور جاهزة ليقطع أوصالها ومن ثم يعيد تركيبها، بل كان يصنع صوره واقعيا ومن ثم ينظر إليها بعيني خياله.

3

شغف ستورم ثورغيرسون بالمشاهد الخلوية. فكانت الغابات والصحارى والبحار والهضاب والسواحل والمساحات الخضراء الشاسعة مسارح تجري فيها وقائع صوره المتخيلة. ترى مستشفى أقيم في العراء، وعددا لا يحصى من الأسرّة وليس هناك سوى مريض واحد وممرضة تقف بعيدا غير مكترثة به. هناك عدد من العاريات يتسلقن جبلا بركانيا في مشهد يوحي بالذهاب إلى مكان مقدس. هناك راقصون تحت الماء وغابة امتلأت جذوع أشجارها بالعيون البشرية. هناك رجل وامرأة يرقصان وسط حقل معشب وقد رُبطا بخيوط عديدة إلى الارض لكي يكون رقصهما رهين إيقاع بعينه. هناك الرجل الذي يتسلق شجرة بالمقلوب، رغبة منه في الوصول إلى الجذور. هناك الشجرة التي تأخذ هيئة وجه امرأة. يبدأ ثورغيرسون من الواقع المتخيل لينتهكه في ما بعد من خلال ما يضفي عليه من فكاهة سوداء. فالأسرّة التي لا يمكن أحصاؤها، هي في الحقيقة صناعة خيالية ليس إلا. فليس في الإمكان احضار كل هذا العدد من الإسرّة من اجل صورة. يصح هذا الحكم بالنسبة الى عارياته اللواتي سجنهنّ بوضعيات مختلفة في صناديق شفافة. شيء من خيال المصوّر وشيء من تقنيات الرسم، يمتزجان لينتجا صورة لا تنتمي إلى نوع فني في عينه. غير أن الفنان يكتفي أحيانا بالصورة الفوتوغرافية التي تنتج من فعل فني يوحي بالأداء العلني. كما هي الحال في صورة المرأة التي ترسم بنفسها على جسدها خطوطاً تشير إلى مواقع الشرايين والأوردة. هناك أيضا النساء العاريات اللواتي جلسن على حافة المسبح ولا نرى منهن سوى ظهورهن المزينة برسوم سبق لثورغيرسون أن نفّذها في غلف وملصقات موسيقية سابقة. في الحالين يحتفي الفنان بالجسد الأنثوي باعتباره واحدا من اختراعاته التي تقول شيئا عن الحقيقة. فالمرأة تبدو لاهية عن كل رغبة في الاغواء والاثارة. إنها تؤدي فعلا يتشبه بالموسيقى، وينقلها من الأذن إلى العين.

4

ستورم ثورغيرسون هو مزيج من فنانين سبقوه، وتأثر بهم. أخذ منهم وحاول أن ينساهم من غير أن يسعى إلى اخفاء تأثيراتهم. ولأنه وزع عاطفته بين كثير من الفنانين، فقد بدا أسلوبه الفني كما لو أنه يمزج بين أساليب ومدارس فنية يبدو المزج بينها نوعا من الاكراه، لولا أن ثورغيرسون قد أفرد لكل اسلوب المناسبة الموسيقية التي تجعله ممكنا. فما يظهره التقرب من السوريالي رينه ماغريت، لا يمكن أن يكون متاحا حين تحتّم الواقعية العاطفية الاقتراب من ديفيد هوكني. لقد انجز رسوما اتاحت للخيال الشعبي أن يختبر الموسيقى صورياً. أن يرى الموسيقى مجسدةً على هيئة بشر ومشاهد ووقائع واشياء. في صوره المستلهمة من الأفلام القديمة (بالاسود والأبيض) كان ثورغيرسون يقترح مشاهد لم تظهر في أي فيلم، غير أنها مشاهد متوقعة تخدع المتلقي من جهة كونه قد شاهدها من قبل. يقلد هذا الفنان في صوره حياة يمكن استعادتها في كل لحظة من أجل أن تعاش إلى الأبد. إبن الستينات الذي يسعى إلى أن يكون الوارث المتمرد لكل الأزمنة التي سبقت زمانه، هو في الوقت نفسه صورة عن البطل الشعبي المتخيل الذي ابتكره فريق "بنك فلويد" ليكون بديلا من الابطال الأسطوريين. هي ذي الموسيقى تصنع بشراً يقترحون علينا صوراً، نتوقع أن نجد أنفسنا فيها. لقد أضفى ستورم ثورغيرسون على الفن الشعبي (البوب) بعداً اسطورياً جديداً حين نأى به عن القاعات الفنية والمتاحف، فصار الملايين من محبّي الموسيقى المتمردة يقتنون صوره

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق