معرض نسيج أورلي جينجر
مـلاك الـحــديـقـة وخــادمــة أبـــوابــهــا الــخـــفـــيــة
يصر نقاد الفن العالمي على استعمال لقب نحاتة حين يكون الكلام عن أورلي جينجر. لكن جينجر لا تنحت بالمعنى التقليدي. أي أنها لا تستخرج أشكالها من المادة. لنقل إنها تجهز وتنشئ وتركب وتربط وتشكل. نموذج هذه الفنانة يجعلنا نفكر في مصير فن النحت، الاحرى في مصير فكرتنا عن النحت، وما يمكن أن تنطوي عليه حاجتنا الجمالية إلى هذا النوع الفني القديم الذي يجمع بين الانسان والموسيقى على نحو فريد. وهذا ما يدفع بنا إلى التفكير في خيال النحت.
حول العنق: عقد أم مشنقة؟
تتحرك الاميركية أورلي جينجر، من مواليد نيويورك 1979، في مساحة خيالية شاسعة تقع بين منطقتين متناقضتين: منطقة تحرسها منحوتات سوداء عملاقة هي أشبه بالكتل الكونكريتية، وتغطي أرضها وسلالمها قطع كبيرة من النسيج الملون، ومنطقة أخرى تتشكل من عقود صغيرة وناعمة تزيّن أعناق الفتيات وصدورهن في عروض أشهر دور الازياء في العالم. أورلي جينجر في الحالين هي نفسها. قوة خيالها تقود الدهشة التي تتسبب بها أعمالها، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، الى مكان يكون التساؤل عن معنى ما تفعل آخر ما يهتم به المتلقي. هناك نوع من التكامل تحرص الفنانة على رعايته كما لو أنها وضعته هدفاً لسيرتها الفنية. فما يكون عصياً على أن تستولي عليه ذائقة الجمهور بيسر بسبب لغزيته المحيّرة، يمكن أن يكون ميسّرا من خلال اعمال الزينة التي هي أقرب إلى الحيلة البارعة منها إلى الصدمة المتجهمة والمتمردة. شيء من التوازن الخلاّق ترعاه هذه الفنانة، كما لو أنه محصلة عيش بين ما هو ممكن وما لا يمكن الاحاطة به. بين ما يحيطنا بعفويته وما نعجز عن تفكيك عناصر بلاغته. الاستعمالي الموقت الذي نسعد به، يقودنا في اتجاه صرامة فاتنة تعكسها الجدران السوداء، العملاقة والسميكة. ما نلمسه، يمهّد لما يحيط بنا، لكن من وراء حجب غير مرئية. هو ذاته ما ينتظرنا في المربّع نفسه الذي نلقي عليه خطواتنا الأخيرة. في الحالين، هناك حبال معقودة على شكل سلاسل. المفردة ذاتها، تسلّينا وتخيفنا، ترضينا وتغضبنا، تكرّمنا وتبخل علينا، تثيبنا وتعاقبنا. ليست أعمال اورلي جينجر الصغيرة مصغرات أو نماذج لأعمالها الكبيرة، بل هي امتداد لها، والعكس يمكن أن يكون صحيحا أيضا. لقد حلمت هذه الفنانة بطريق مختلفة إلى النحت وصارت تعبّدها بمادة متوترة من جهة ما توحي به من معان في حياة يومية متسائلة: حبل الغسيل، حبل المشنقة، حبل السفينة، حبل الإنقاذ، حبل الحمولة. هناك فيض من المعاني لا تعلق بالمادة بقدر ما تقود إلى فهم حاجتنا إلى تلك المادة واستيعابها. لكن الاهم أن العقد ينسى المشنقة، فيما لا تذكّر المشنقة بالعقد.
بين سيرا وبينها
ما من نحات معاصر إلا يحلم أن يكون نوعا من ريتشارد سيرا، الاميركي الذي اخترع الخفة من غير أن يقلل من وزن اطنان الحديد الذي صار نقلها من مدينة إلى أخرى يكلف مبالغ طائلة. يده تهب الحديد جناحي عصفور صغير، تلهم خفّته الحقول سعادة استثنائية. رأيت معرضاً له قبل سنوات في "القصر الكبير" بباريس، فكنت اشفق على الجدران المنغمة بخفّتها من ثقل خطواتي المزهوة بإيقاعها البليد. أورلي جينجر تنتمي إلى مفهوم النحت الذي صاغته تجربة سيرا الفذة. جدرانها العملاقة، وإن صُنعت من الحبال، فإنها تلعب اللعبة ذاتها. ثلاثية (الاشكال، الالوان، الاحجام) هيأت للفنانة مناخا ايحائيا. هناك كتلة هائلة من جهتَي حجمها وغرابتها، غير أنها تتغنج بخفتها. منطق لا يمكن فهمه بأسلوب النظر الواقعي. هناك معادلات رياضية تصنع للخيال قاعدته العلمية. يمكنك أن ترى، لكن بطريقة من يتخيل. لهذا تبدو الزقورات والاهرام والمعابد البوذية خفيفة. ألا يبدو برج ايفل أكثر خفة من بناية عادية بثلاث طبقات؟ في جدران أورلي جينجر هناك أنغام متقاطعة، صاعدة ونازلة، مستقيمة ومنحنية، تهب تلك الجدران خفة متخيلة تذهب الى البصيرة مباشرة، فينفتح امامنا عالم ما كان ممكناً أن نراه لو ظلت تلك الجدران صامتة. ذلك العالم لا يقيم خلف الجدران بل يتخللها. ألأن الحبال تسمح بالنظر؟ بل لأنها لا تنصهر مثل الحديد أو البرونز. الحبال بطريقة أو بأخرى، تشبهنا في الحب والكراهية على حد سواء. شفافية لا تؤدي الى الامتزاج. غير أن اورلي جينجر تبرع في مزج عناصر تجربتها حتى ليبدو الحجم انعكاسا لرغبة اللون في أن يرى شكله. في ارجاء تلك الثلاثية تتنقل الفنانة لكي تلتقط من الفراغ أشكالا لا تقع على الأرض إلا لتجرّب متعة الوقوع.
جمال للذكرى
بيتها هناك. لنقل إنه متاهتها. ليس هناك بيت. رايتها وسط الحقل الفسيح وقد صفّت قطع نسيجها على مساحة كبيرة من الارض هي أشبه بالحديقة الخاصة. تذكرت إيفا هيسه (1936 - 1970)، الالمانية المتأمركة التي ماتت صغيرة. حيوية أورلي جينجر تضفي على هيسه نوعاً من الحراك الاستعراضي. بالنسبة اليها، ليس هناك شكل نهائي. تستبدل قطعة من النسيج الذي صنعته من الحبال بأخرى. تحمل القطع على ظهرها، تزحف تحتها على الأرض، الفنانة بالمايوه الرياضي لا تكلّ ولا تتعب. تعيش دورة مستمرة من الخلق الفني يمزج الروحي بالجسدي. العرق بالفكرة. الخيال بالقوة. تضع جسدها في خدمة ما انتهى إليه خيالها، وهو خيال لا يكفّ عن الحركة. ليس هناك من شكل نهائي. يقتنع المشاهدون. للجمال ذرائع مختلفة للتوازن، لكي يكون موجوداً في حالة من حالاته المتغيرة. هنا تبدو الطريق إلى النحت مخاتلة. ذلك لأن نحتا يستلقي على الأرض يصبح جزءاً من نسيجها. تخرج الفنانة من تحت قطعة النسيج مثل دودة تغادر الأرض. تتنفس وتنظر إلى الفضاء ثم تباشر عملها. ما من أرض، النحت يمكنه أن يكون بديلا. البساط الملون على العشب لم يكتمل بعد، والجنية تهرب بخيالها بعيداً، ونحن ننتظر. تذكرت: "ليتك تكفّين عن الحركة لأقول أحبّك". سخرت من رومنطيقيتي التي صارت نوعاً من الذكرى في زمن المفاهيم التي صارت تحارب الجمال وهي تسعى الى رثائه بيأس. يوماً ما كنا جميلين، ولكن هنالك شيء ما يمنعنا من أن نحاول استعادة ما كنا عليه من جمال. الجمال شيء والفن شيء آخر. حتى في أدوات الزينة التي تبتكرها اورلي جينجر، فإن الفن لا يتوقف متأملا عند حساسية فكرة جميلة، بل يصنع ما يراه مناسبا من أجل التماهي مع صدمة وجوده غريباً ومرتجلاً. يكاد مفهوم الزينة هنا يكون مجازيا. فلا ذهب ولا فضة ولا أحجار كريمة. الحبال تصنع مشهداً لا يتكرر.
يدها تبحث عن ظلها
مثل إيفا هيسه، مثالها وهي وارثة حساسية ذلك المثال المتمردة، تسعى أورلي جينجر الى استرضاء يدها التي تقيم في مناطق تقع خارج ما تحتاج إليه وما يفكر فيه الجسد. نزعتها النسوية دفعتها الى تبني النسيج التقليدي حرفةً لخيالها. سجينة انفعالها الانثوي، تفكر في اختلافها. لقد صار عليها أن تنتج فنا مختلفا لانها مختلفة. بالنسبة الى أورلي جينجر فإن النساء امة مضطهدة. كآبة تاريخية تمتزج بمرح الوانها. يتساءل المرء: لِمَ كل هذا العناء؟ أما كان في إمكان الفنانة أن تكتفي بإلقاء نسيجها على الأرض كما يفعل كارل اندريا مثلاً، وتقف براحة إلى جانبنا في انتظار ردود أفعالنا؟ بالنسبة اليها فإن ما كان جاهزا من عملها شيء، وما تقوم بأدائه أمام الجمهور شيء آخر. سجادتها الارضية لا يمكن أن يكون لها معنى من غير ذلك الجهد العضلي الذي تبذله من أجل التحرر منها. الفنانة المهووسة بفكرة الكلية، ترى في كل عمل فكرة ناقصة عن وجود لم ينشأ بعد. وكما أرى فإن تجربة أورلي جينجر انما تمثل الخيط الذي يصل بين تجربتَي هيسه وسيرا، وإن كان ظهورها الفني قد حدث بعدهما. هي الملاك الذي حلمت هيسه في أن تكونه بين الفلاّحات الالمانيات، وهي المعمار المتمرد الذي صاره سيرا في غابة الاسمنت المعاصرة. يدها تمتد إلى خيال النسيج، فيما تحلم عينها بحديد هو الآخر يحلم بخفّته.
فاروق يوسف


 |