عنوان الدراسة
فنون عالمية :::: لندن التي تعلّم الآخرين المكر وتنسى نفسها
الكاتب
فاروق يوسف/ السويد
التاريخ
2010-07-04

 

 

قل لي أين السائق أخبرك بسرّي

لندن التي تعلّم الآخرين المكر وتنسى نفسها

ما إن هبطتُ في "محطة ليفربول ستريت" من القطار المقبل من مطار "ستان ستيد" حتى توجهتُ مباشرة الى التايمس. حنين غامض إلى بغداد جعلني أقف على جسر الالفية لأتأمل جسور لندن. قبل سنوات كنت أقف الوقفة عينها على جسر في بغداد لأرى من هناك خيط حياتي وهو يجري مع مياه دجلة. التفتُّ من حولي فرأيتُ شبح شاعر كتب قصيدته "الأرض اليباب" بعدما وقف طويلا على أحد هذه الجسور. لقد ادرك الشاعر أن شيئاً عظيماً من حياته يذهب إلى اعماق المياه كلما ألقى نظرة متسائلة على النهر العظيم. في لحظة خاطفة تخيلتُ أن الانهار تلتقي. قلت لنفسي: هي تلتقي حقا، لكن في ضمائرنا.  

 

النبي على حماره

دوبلاج غير متقن. تتحرك الشفتان فيما يحضر الكلام متأخراً. اسمع كلاماً فيما تكون الشفتان منطبقتين. من أين ينبعث الصوت وأين تقيم الصورة؟ الكيبورد لا يعمل. حاسوب صاحبي "ماكنتوش"، والحروف ليست في مواقعها. اضرب الزاي في موقعها التقليدي بالنسبة اليّ فتظهر القاف على الشاشة. أصابعي في حيرة. عليها أن تنسى ما تعلمته. عليها أن تجترح المعجزة. أترك الحاسوب صامتاً وشاشته بيضاء لأتطلع إلى نهار لندني مخادع آخر. من النافذة التي تفتح عمودياً، هناك مشهد يتكرر كل صباح. في حديقة الفندق المجاور أرى رجلين وامرأة. امرأتين ورجلاً. اليوم حضر رجل وطفلان. هنالك ضحك. غالباً ما يكون الضحك وسيلة لامتصاص الفشل. ولأن السياحة ليست مشروعاً خيرياً، فغالباً ما يغطي السائحون على شعور الخيبة بالضحك. لن يقول لك سائح إن هذه المدينة الواقعية ليست هي المدينة التي حلم بزيارتها قبل سفره. خانته أو غلبته، لا فرق. سيكون عليه أن يخترع المدينة التي تناسبه من شظايا حركته العشوائية بين أروقة المتاحف وفي الأسواق وعند أبواب الحانات. مدينة تناسب حلمه وتمنعه من الاعتراف بفشل مشروعه السياحي الفائض. كنت أعرف أنهم يحاولون من خلال الضحك أن يمزجوا أنفاسهم بهواء لندن الذي يحمل المفاجآت دائماً. وكنت أعرف أن المدينة نفسها لا تأبه بمن يمرّ بها، متقاطعاً مع ذاته. لقد فعلها رامبو وفرلين ذات مرة. فعلها آخرون من بعدهم ومن قبلهم بالقوة نفسها. يقودني الباص الأحمر الى متحف فيكتوريا وألبرت قبل أن أصل إلى "هارودز"، وهو الآخر متحف، لكن من نوع مضاد. القرون الوسطى هنا، فيما تنزلق عيني هناك على حقائب وأحذية نسائية وعطور وبدلات تحمل توقيعات قدِّر لها أن تكون نوعاً من سلطة المزاج أو الذائقة الشعبية التي تسعى الى أسطرة مزاجها. في المكانين، هناك لقى داخل خزانات زجاجية. لكن المسيح ممتطياً حماراً هو شيء مختلف تماماً. لقية تختصر فكرة عابرة للعصور. قلت لنفسي: هو ذا النبي الحقيقي. الزعيم الذي وقف الشعب في انتظاره ملوّحاً بالسعف، وهو الشخص ذاته الذي خانه الخيال حين صار الفن حرفة في عصر النهضة. لقد صنع دافنشي ومن بعده مايكل انجلو ورافاييل مسيحاً آخر لم تره الأعين الدامعة. المسيح بحماره، الذي رأيته داخل خزانة زجاجية، هو حدث أرضي تبتهج به السماء وترعاه بألغازها الحانية. إنه الكائن الذي يشفّ عن جماله من غير أن يتباهى به. زميلنا القادم بحكمته من الحقل المجاور. ابن الضيعة الذي قُدِّر له أن يكون كائناً مختلفاً. أنسنة النبي تهزأ بألوهية بضائع "هارودز"، بل تكشف عن تفاهتها. تمنيت لو كان في إمكان ذلك التمثال القروسطي أن يغادر قاعة العرض ليمشي في الأسواق كما فعل المسيح. حينها ستكون الأكياس الخضراء التي تحمل ماركة "هارودز" فضيجة لمن يحملها. ولكن مسيحي يقيم في زجاجة فيما "هارودز" نجح في اختراع متحفه المخادع بسلوكه اليومي المباشر. كنت أقف بين رصيفي الشارع فيما كان خيالي يحلّق عالياً. الفكرة ليست عالية. قلت لنفسي. لندن ليست روما. ولكل مدينة خيالها الروحي والجسدي في الوقت نفسه. سيكون عليَّ أن أخضع لقوانين السير الغريبة فالتفت الى اليمين بدلا من الالتفات الى اليسار، وهذا ما لن يتعلمه المرء بيسر. "ولكن أين السائق؟". خطأ تعترف به الكتابات على الشوارع: أنظر إلى اليمين. أنظر إلى اليسار. لو لم يكن هناك خطأ لما احتاج أحد إلى كل تلك الكتابات الإشارية. فكرتُ بصاحبي المسيح وقد امتطى حماره. لن يمكنه عبور كل تلك الشوارع بسلامة وهو لا يجيد قراءة الانكليزية الحديثة.         

تورنر المغدور

مدينة ماكرة. لندن توهم زائرها، تخدعه مثلما تفعل بساكنيها. مدينة للعيش الناقص لم تكتمل بعد وليست متحفاً يغصّ بالزوار الفضوليين من حملة الخرائط المفتوحة وآلات التصوير وحقائب الظهر والخصر. الجدران والأبواب والنوافذ وتماثيل ساحاتها وأزقتها الصغيرة الملتوية وأبراج جسورها العتيقة تؤهلها لكي تكون واحدة من أهم المدن المتحفية في العالم، غير أن ذلك كله يتخلله هواء طري ينعش المسافر بفكرة الحياة المستغرقة في انفصالها عن الماضي. حتى في المتحف البريطاني العريق، فإن رائحة الطعام تُشعر الزائر بأنه يقوم بنزهة بين أمكنة اللقاءات الموقتة. ما إن يدخل المرء إلى ذلك المتحف حتى يفاجأ ببناء دائري بُني وسط المبنى التاريخي، كما لو أن ذلك البناء انبثق من أرض غريبة. بناء يحتضن بناء آخر. لا تتجاور الأبنية بقدر ما تتداخل في ما بينها. في الـ"تيت بريتان" رأيت أعمال داميان هيرست المتخشبة بعقلانيتها المتحذلقة تحتل غرفة لا تبعد سوى امتار عن أعظم ما تركه عبقري الرسم الانكليزي تورنر من رسوم، فشعرت بالانزعاج. "ولكنها لندن"، المدينة التي تفعل كل ما تراه مناسباً لإنقاذ نفسها من طابعها المتحفي القديم. عاصمة الامبراطورية التي لا تغرب الشمس عن ممتلكاتها الزائفة يلذّ لها أحيانا أن تلعب، ولقد كان لرسامها العبقري نصيب من فساد مزاجها. فمنذ أن تبنّى متحف "تيت" جائزة حملت اسم تورنر، لا تُمنَح تلك الجائزة إلا لفناني التجهيز والانشاء الذين لو رأى تورنر أعمالهم لتمنّى لنفسه العمى. داميان هيرست كان واحداً من اولئك الفائزين بالجائزة. ولأن لندن تأبى إلا أن تكون مدينة واحدة لا مدناً متجاورة أو متداخلة (كما هي حالها من قبل أن تتحد القرى لتشكل مدينة) فيمكنك أن تجدها في الشعوب وقد أدارت ظهرها للشعب المضيف، تجدها في اللغات المختلفة ومن بينها الانكليزية، تجدها في أبخرة الطعام الآتية من وراء البحار، تجدها في الثياب التي لا ترى في السموكن الانكليزي أي صفة طاغية للأناقة. لندن هي مدينة مفتوحة للجميع وما من أهل لها. مكرها لا يصل إلى درجة تدجين سكانها بطبائعها. حريتهم تنصفها بل وتضعها في مقدمة المدن التي لا يشعر المرء فيها بالغربة، مسافراً كان أم مقيماً. من حق العاصمة البريطانية أن تفخر بتعدد صورها التي لا يمكن أن تُختزل في صورة واحدة: المدينة التي تقبض على ساكنيها في قفص وحدتها. تلك الصور المستعارة من الأقوام التي نزحت إلى لندن من المستعمرات السابقة واستقرت فيها، صارت تشفّ عن المدينة التي ابتكرت صيغة مثالية للعيش، يجتمع حولها بشر لا يجمع بينهم سوى معنى غامض لإنسانيتهم المزاحة. ولقد وجدوا في لندن متاهتهم المقصودة.

حذاء بجناحين

"ساجي، ساعاجي، ساعاتي"، أردد وأنا أدخل من خلال البوابة العالية إلى حدائق "غاليري ساجي". المبنى الذي يوحي طرازه المعماري بتاريخيته، يقع على اليسار فيما تمتد الحدائق على اليمين. قبل أن أدخل إلى المبنى ألاحظ جزءاً من جسد بشري وقد علِّق ببالونات ملوّنة في سقف رواق المدخل. ولأني أعرف أين تقع تلك الغاليري على خريطة التجاذبات الفنية في العروض اللندنية، فقد كنت أتوقع أن ترى عيناي كل ما يدهش من أفكار جديدة، سلباً وايجابا. قال لي صاحبي إن تشارلز ساجي (من أصل عراقي) يتنقل بطائرة خاصة وإن لجنة تحكيم المعرض الأخير، التي كانت تريسي امين وهي احدى الفائزات بجائزة تورنر، من اعضائها، قد خصصت دقيقة واحدة لرؤية اعمال كل مشارك. أخبار وحكايات يتداولها المتنافسون تمهد للأسطرة وترافقها في عالم شديد الارتجاج فُقدت فيه كل بوصلة القدرة على تحديد الاتجاه. على جسر الالفية وقفت ونظرت من هناك إلى جسور لندن العتيقة. كانت مياه التايمس تجري فيما كان البشر من حولي يتدافعون في الاتجاهين رغبة منهم في الوصول. تساءلت وانا أنظر إلى مبنى الـ"تيت مودرن" الشاهق: إلى أين؟ السؤال عينه طرأ في ذهني وأنا أرى إلى الأعمال المعروضة في "غاليري ساجي". أسمع من يقول: "لا تزال الطريق طويلة. حتى الاستراحة المقبلة تبدو بعيدة"، يا للروعة. لن يكفّ الفنانون عن تجهيز الجنازة بأفكارهم المحلقة في هذه المدينة التي أهدت الى الفن ذات يوم قبل ستين عاماً، مزاجها المتمرد على شكل تداعيات جمالية شعبية. من هذه المدينة المحافظة خرج المزاج الشعبي على هيئة رسوم واغان ومنحوتات، ليغيّر وجه الفن وذائقة الناس وحساسيتهم الجمالية في العالم. يمتد خيط الحمام أمام عيني بدءاً من ديفيد هوكني لينتهي إلى تريسي امين مرورا بكيكي سميث. دهاء بريطاني صارم في الفن كما في السياسة. الخديعة مستمرة إذاً. ليس الأمر على هذه الدرجة من التبسيط، ولكن لا بد من خلاصات نقدية. لقد رأيت معرضين ضمّا مشاريع تخرج لطلاّب فن متفوقين وتأكدت من أن هناك شيئاً ما يتراجع. فالتغير لا يشمل الذائقة ولا الحساسية الفردية بل يمتد ليلغي الجمال القائم على متعة العين والذهن على حد سواء. لكن الأهم في كل تلك العروض أن الفن الجديد لم يعد منتوجا غربيا. هناك حضور آسيوي لافت. ذاكرة لأصابع قادمة من مكان مشبع بالضوء والحنان والرغبة العميقة في العيش. أتذكر الجملتين اللتين كُتبتا على مناطق العبور في الشوارع: "أنظر إلى اليسار. انظر إلى اليمين"، وأنا استمع إلى فتاة صومالية تشرح لي تفاصيل مشروعها الفني للتخرج. في تلك اللحظة ادركت أن هروبي إلى مستحمّات سيزان وكرسي فنسنت في الـ"ناشيونال غاليري" لن ينفع في إصلاح ما أفسده الدهر. ولكن هل يكون الذهاب إلى غرب النهر للمشاركة في اسبوع اللاجئين خياراً مضللاً؟ لندن تخترع لزائرها ملاذات آمنة أيضاً. على الشاطئ الغربي للتايمس رأيت عشرات الالوف من البشر وهم يجهزون يوم غربتهم الأول الذي صار ينأى بأسباب البقاء القاسي: اغنيات ورسوماً ورقصات وحكايات وأطعمة ومشروبات وثياباً وحلى وصوراً. رأيت حذاء خشبياً معلقاً تتجه مقدمته إلى السماء فشعرت بالأمل: هناك من يفكر في اللجوء بطريقة مختلفة! ¶

فاروق يوسف     

 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق