يسعى فن العمارة الى التهام كل الفنون، وفي الأخص الرسم والنحت والموسيقى. ما بين الاستعمال الاستهلاكي لمفردات فنية مستعارة، واستلهام حيوية تلك المفردات الجمالية، تطحن العمارة كل ما يقف أمامها ومن حولها. غير أن تجربة البريطاني ريتشارد ويلسون في تحريك الفضاء والمباني من الداخل إلى الخارج وبالعكس، تنقل العلاقة بين الفنون إلى مستوى العلاقة العضوية، التي تتجاوز مجال الحواس المباشرة إلى مجال حيوي يتسيده الخيال البصري.
خيانة مزدوجة
كان عليَّ أن أقف على المنصة وأنظر، فهناك حاجز يمنع التقدم أكثر. العمل الذي يحمل توقيع ريتشارد ويلسون (مولود في لندن عام 1953) ليس جديدا. سبق لي أن رأيت صورا له. لكن الصور غالبا ما تخون الحقيقة. هنا الصور تخون الواقع أيضا. ولكن أيّ واقع؟ العمل الذي يحمل عنوان النسبة الخاصة "20:50" هو عبارة عن قاعة مستطيلة بسلالم وسقوف وقاع وأرضيات ونوافذ، كان الفنان قد عرضه للمرة الأولى عام 1987. أما مناسبة عرضه في "غاليري ساتشي" فهي للاحتفاء به مجددا. أول ما يلاحظه المرء أن العمل يتسبب بالحيرة البصرية. ذلك لأنه يحمل قيماً استفهامية إلى العين منذ النظرة الأولى. فهل كل ما تراه العين موجود كمبنى يمكن تلمس الطريق إليه ودخوله والنظر من خلاله، أم أن الرسام اخترع أجزاء من خلال الرسم ليمزجها بأجزاء موجودة أصلا في المكان، ولكن لمَ لا يكون كل شيء من اختراع الرسام؟ يصل المرء إلى تلك النتيجة يائساً من قدرته على الفصل بين الواقع والوهم. لا اعتقد ان الامر يتعلق بالمهارة التقنية وحدها، التي هي من مخلّفات عصر النهضة. هناك خيال مختلف. خيال يلجأ إلى عناصر الرسم الميسرة: الخط، المساحة، اللون. لكن جمال الفكرة لا ينحصر في هذا الخداع البصري، بل يتجاوزه إلى التفكير بسعة الأماكن التي يمسّها الخيال. هذا مكان لا حدود واضحة له. ربما هو مكان يتكرر. المرايا كثيرة. ولكن هل هناك مرايا حقا؟ يشك المرء في قدرته على أن يرى واقعياً. ويلسون يلهمنا القدرة على ان ننظر من خلال خيالنا. مكر لا يتوقف عند حدود المكان بل يتخطاه إلى حواس المتلقي. ذلك المكان على الرغم من هندسيته الرياضية كما يشي عنوانه، يتسبب بخلخلة هائلة للحواس. العين تعتذر بسبب خطأ متوقع، وخطأ آخر ذهب إلى مستقره، فيما الأنف يمتلئ برائحة الزيت الطازج. حدث لاواقعي لا يمكن أن يكون متخيلاً يجري أمامي. أنا أرى غير أنني لست متأكدا من أن كل ما أراه ينتمي إلى الواقع العياني المباشر. حساسية المكان الجمالية تجعله أشبه بمعبد لامرئي. لذلك يمتزج النظر إليه بخرافة معانيه الذائبة، التي هي جزء من شروط بنيته الهائمة. تقف، فتشعر بأنك تهتز. تتحرك، فتخشى الوقوع. لا يسعك سوى التراجع إلى الخلف من غير أن تلتفت. تمشي إلى الوراء من أجل أن لا يفوتك شيء مما يمكن أن يُرى، لكن في المقلوب. فالسقف تحت، والارضية فوق.
موسيقى الداخل والخارج
ريتشارد ويلسون نحّات وفنّان تجهيز وموسيقيّ. رشّح مرتين لجائزة تورنر ( عام 1988 نالها توني كريغ، وفي عام 1989 نالها ريتشارد لونغ). اقام معرضه الشخصي الاول عام 1976 في لندن، ومن بعدها اقام 50 معرضا شخصيا حول العالم. هل يكمن السر إذاً في الموسيقى؟ يمكننا أن نراهن على بداهات إلهامية كثيرة من بينها الموسيقى. غير أن مغامرة ويلسون الحقيقية تتعلق بنظرته الفلسفية إلى العمارة والفراغ من حولها ومن خلالها. شيء أصيل منه يذهب إلى تعزيز فكرته عن الحركة الممكنة خيالياً وسط كل سكون متوقع. في بناية بمدينة ليفربول، عمل ويلسون على صياغة علاقة الداخل بالخارج من خلال دائرة حفرها في الجدار الخارجي للبناية. على مدى طبقتين من الطبقات الست كانت تلك الدائرة تتحرك حول محورها، فتحدث ايهامات بصرية مع كل حركة من حركاتها البطيئة. يقبض المرء على قيمة جمالية مع كل نظرة يلقيها على ذلك العمل. كما لو أن جدار البناية كله قد غدا شفافاً، كما لو أن الداخل قد بات في قبضة الخارج، كما لو أننا ندخل إلى البناية من جهات غير مؤشرة في خريطتها. الهواء يلعب لعبته المؤثرة. فلا معنى ثابتاً للجدار. هناك معنى يمكن الإفادة منه في التثبت من خطأ البصر: يمكن العمارة أن تغيّر من حالها في كل لحظة نظر. ما من شيء ثابت. لعبة الضوء والظل تنبعث من الداخل لتبعث هواء منعشاً في خارج لم يعد خارجاً. أتذكر أننا كنا نقف في إحدى ساحات براغ أمام إحدى الكاتدرائيات لننتظر الاعلان عن بدء ساعة جديدة من ساعات النهار فتقرع الأجراس ويخرج القديسيون (تماثيل صغيرة) من مخابئهم ويدورون في حركات معلومة. آلية استعملها ريتشارد ويلسون في عمل ما بعد حداثوي، يلغي المسافة التي تفصل بين الداخل والخارج. الآلية القديمة تبقينا متفرجين منبهرين، أما آلية ويلسون فترفع من شأننا حين تجعلنا مشاركين في الحدث من جهة التعرف الى ما يجري في الداخل. الفرق بين الآليتين يشير إلى تقدم في مجال النظر إلى قيمة المتلقي الذي يبقى في الحالين في مكانه. كاتدرائية براغ تجمد المتلقي في مشهد تاريخي، فيما تهبه بناية ليفربول حرية الحركة في حاضر سيكتشف في ما بعد أنه لن يكون صانعه المنفرد. يمكننا أن نكتفي بوهم المكان لكي نبرر عدم وصولنا إلى مكان في عينه. في نهاية الالفية الثانية، قال ويلسون شيئاً شبيهاً.
قارب من خطوط بيانية
"شريحة من الواقع"، هو عنوان عمله النحتي الذي وُضع في ساحة الالفية. استعمل ريتشارد ويلسون تقنية الرسم البياني في تنفيذ عمله النحتي، الذي يمزج بين النحت بصيغته التقليدية والتجهيز الذي لا يخطئ طريقه إلى الحياة اليومية المباشرة بسبب ما يستعيره من مواد جاهزة. رسم الفنان من خلال النحت قارباً بحجم واقعي، بالاسلوب نفسه الذي نجده في الكتب المدرسية، من أجل أن نتذكر، ومن أجل أن نرى بأسى. لقد اختفى شيء حميمي من حياة المدينة: حوض السفن. ها هو قارب ممعن في خياله التجريدي يقف في مساحة لا تمت بصلة إلى البحر. هنا يشير الفنان إلى نوع من الحياة قد اختفى. المدينة في مكان، فيما يقع خيالها التاريخي في مكان آخر. القارب هو نوع من العمارة المتحركة. سكونها الواقعي لا يلغي قدرتها على أن تتحرك في مجال افتراضي، غير واقعي في الضرورة. لو أن الفنان ترك قارباً واقعياً، لما أثار اهتمامنا، غير أن قارباً برسم بياني يقع علينا مشهده بما يشبه التأنيب الذي يتطلب منا الندم. وكما أرى، فإن عمل ويلسون مستلهم من الهيكل العظمي لكائن بحري عُثر عليه على شاطئ بحر لم يعد له وجود. ينتقل الفنان بنا إلى المتحف، وهو متحف خيالي في الجزء الأعظم منه. ذلك لأنه لا يسلّينا بنموذج واقعي مستلهم من التاريخ، بقدر ما يلهمنا القدرة على تخيّل ذلك النموذج، في ضراوة حيويته. يقدّم الينا ويسلون نموذجاً من أجل أن يقول لنا إننا لن نقبض على شيء. أنتم هنا، فيما الخيال كله لا يزال هناك. يقدّم الينا عمارة غير صالحة للسكن، عمارة من هواء. غير أنه يقدّم معها مفهوماً لفكرة العيش خارج المكان الممكن. فهذا القارب (غير صالح للاستعمال) هو جزء من الدرس التاريخي ـ العاطفي. درس تتسع له الحياة بما تنطوي عليه من قدرة على تخيل معانيها المضمرة. سنكون موجودين هناك. على الشاطئ حيث القارب، لا صورته ولا رسمه البياني. هي محاولة لا تخونها الصورة بقدر ما يؤجلها الكلام. ريتشارد ويلسون يعدنا بحياة تقع خارج ما نراه وما يمكن أن يتخيله الكلام الجاهز. فكرته عن المستقبل تقع في ماضٍ يمكن أن نستلهمه بلين ونضارة.
فاروق يوسف
  

|