بعد قرن من المحاولة: الرسم الذي خاننا بعد أن فقد مزاجه المتمرد
فاروق يوسف
ما الذي يعنيه أن يكون المرء رساما في الوطن العربي اليوم؟ سؤال مباشر من هذا النوع يمكنه أن يستدعي اجابات مضللة. يركز الكثيرون على الجانب النظري، على الرغم من أنه الجانب الأكثر ضعفا في ثقافتنا التشكيلية، مهتمين ( متخصصين) ومتابعين ( عاديين). في الحقيقة فان المسافة بين الطرفين ( المتخصص) و ( العادي) تكاد لا تُرى ولا يمكن قياسها، بسبب ضيق التخصص واتساع العادي احيانا. قد يقال تعريفا للرسام انه الشخص الذي يرسم الصور. المصريون ( ربما آخرون أيضا) يستعملون مصطلح ( مصور) بدلا من ( رسام). ولأنه تعريف تبسيطي فان أية محاولة لتفكيكه نقديا تكاد تكون غير نافعة لأنها ستؤدي إلى تهشيمه من خلال نبذ ما ينطوي عليه من انحياز للحرفة. الرسام ليس نجارا ولا خطاطا ولا خزافا. على الرغم من أن تلك الحرف هي الأخرى لا تخلو من جهد تخيلي. هذا الغموض اللغوي الذي يتعلق بتعريف المهنة يتخطى التعريف إلى شروط الوظيفة ومتطلبات الالتزام ومن ثم مساحة (فضاء) الحركة تاريخيا ارتبط نشوء الرسم في الوطن العربي بمراحل نشط فيها وعي الذات العربية باستقلالها وتدبرها لشؤون كرامتها الخاصة وانفعالها بشروط حريتها ( الانفصال عن الدولة العثمانية والدخول في حراك ومحنة الاستعمار العالمي). بالمعنى الذي كان يهب الرسام دورا في صياغة آليات التفاوض مع الطبيعة ( التاريخ ايضا) من جهة ومع المجتمع ( بصيغته الثقافية) من جهة أخرى. كان ( مفهوم الجمال) في الحالين وسيطا. لم يكن الرسام شارحا للأحوال البشرية والطبيعية، بل اعتمد في عمله دائما مبدأ الخلاصة التعبيرية التي تعفيه من مهمة الشرح والتوضيح. لديه ما يقوله عن الطبيعة للطبيعة وللناس عن الناس. حمولة مقدر لها أن تصل إلى متلق هو في انتظارها. كان هناك إذاً من ينتظر الرسوم. علينا هنا أن نشيد بحيوية مجتمع كان قد وضع خيال الرسامين في مكان متقدم من فكرة ( مسيرة) خلاصه. وفي ذلك الاجراء الشيء الكثير من الانصاف الذي مارسته الطبقة الوسطى في مجال تكريس وجود ميزان اجتماعي عادل يرى المنجز الثقافي من منظور تربوي عميق الدلالة. كان التقدم ( اوروبا هي المثال) هو فكرة الخلاص الوحيدة من قرون التخلف. فكان من الطبيعي أن يحوز الرسامون ثقة مجتمع يرى في ما يقومون به نوعا من صياغة الخيال بتقنية لا تمت إلى اليومي والمبتذل والمشاع بصلة. كان الرسامون يومها يبعثون برسائلهم إلى المجتمع من مكان بعيد، مكان متخيل وعـُلوي. ولقد استمر الأمر على هذا النحو إلى أن انتهى مشروع قيام طبقة وسطى إلى الفشل ( الهزيمة). وهنا خسر الرسم في الوطن العربي موقعه. الهيام به صار يطعنه بالعبودية. فصرنا إزاء فعل ثقافي مهدور الكرامة. لذلك نشأت تيارات فنية صارت ترى في ماضي الحرفة نفسها مرجعية وحيدة لها. حجج كثيرة تم تداولها: الخصوصية، التراث، الهوية، المحلية وسواها غير أن الحقيقة تكمن في تبدل شخصية المستفيد واسباب الاهتمام بالرسم. ما انتهينا إليه ( الرسم معنا. الفنون كلها أيضا) لا يشكل إلا شوطا من المحاولة. الآن صارت فكرة ( مبدأ) التقدم إلى زوال، بعد أن أجبرت المجتمعات العربية على تبني فكر ( التراجع) مبدأ تكافح من أجله بالمال والنفس على حد سواء. نحن في الواقع محكومون بالتراجع إلى وقت غير منظور. إلا إذا حدثت معجزة. تُرى ما حال الرسم وقد تبدلت كل الشروط التاريخية المحيطة به؟ بطريقة او بأخرى يمكنني القول أن الرسم العربي الآن هو فن محافظ. وهو فن استعلائي. وهو ايضا فن مُحبَط. ربما لن يكون الكلام بعد ذلك مشجعا ووديا. ولكن علينا أن نتفحص هذا القدر ( أم أنه انحراف عن القدر؟). لقد اختلطت المفاهيم وصرنا نقدم النذور بيسر وعشوائية بغية تأجيل الكارثة. ربما لن يكون مريحا إذا ما قلنا أن الكارثة قد وقعت كلها، بكل فصولها ولن يكون تأجيلها الافتراضي إلا نوعا من التماهي مع أفكار من صنعوها وتبنوا قيامتها والمستفيدون منها. نحن في الحقيقة في الهاوية. سبقتنا الثقافة إلى ذلك الحضيض لتمهد لبقائنا هناك أطول فترة ممكنة. الرسم سيكون مسليا هناك. أما كيف يكون الرسم استعلائيا، فذلك مرده إلى اندحار الطبقة الوسطى وتحولها إلى الهامش الاجتماعي الذي لا يرى فيه الرسام مصدر رزقه. ولكن الاحباط هو ما لم ينج منه الرسامون أيضاً. ما يقوم به الرسامون ( الغالبية العظمى منهم) اليوم هو تنفيذ طلبيات. لم يعد هناك متلق. حدث تبدل عظيم في المفاهيم. صار لدينا مُقـْتـَن. هذا المقتني لديه هويته الشخصية التي هي عبارة عن مزاجه الخاص في استهلاك الأعمال الفنية ( استثمارها، توريثها والتباهي بها). ولدى هذا المقتني وسطاء ( بعض القاعات الفنية لعبت دورا في تكريس عمل هؤلاء الوسطاء أو لعبت هي دور الوسيط). في سياق هذه المعادلة اصبح لدينا قاعات لا تفتح أبوابها إلا من خلال موعد مسبق. وهكذا اختصرت دورة العرض الفني. فبعد أن كانت الأعمال الفنية تُعرض من أجل أن يراها الجمهور العام ومن ثم قد تقتنى من قبل الخاصة، تم الغاء العرض العام من قبل بعض صالات العرض وصارت الأعمال تعرض لمن يرغب في اقتنائها. الجمهور ذهب إلى المتحف هو الآخر. لم يعد وجوده ضروريا ولا الاعتراف به ملزما. ولهذا لم يعد الرسم يفاجئ أحدا. صار يذهب لمقتنيه معلبا. حسب الطلب. هنا بالضبط يمكننا العودة إلى التعريف المبسط الذي استبعدناه: الرسام باعتباره صانع صور. ولكنها الصور المطلوبة، المخطط لها في سياق ثقافي معلوم سلفا. من وجهة نظري فان اغلب ما ينتجه الرسامون العرب اليوم من رسوم انما يقع في حدود تلك المعادلة: لوحة تنتج من أجل مقتن لا ملامح معروفة له. وهي لوحة لا تخون شروط فتنتها الجمالية، حيث صارت تلك الشروط مقياسا لجودتها. ربما لأننا لا نفهم لغة السوق ( الرسامون الحقيقون أكثر جهلا منا بتلك اللغة) فقد صرنا نشعر أن الامور ليست على ما يرام. ولكنها كذلك فعلا. فما أراه الان من رسوم في مختلف المدن العربية إنما يعبر عن حالة تراجع لم نشهد لها مثيلا من قبل. صار الرسام أشبه بالنجار في خضوعه لمزاج مقتني اعماله.
|