حياة بين الفن والطبيعة جيمس هايد يرسم ليمحو جزءاً مما يراه
لطالما وقف الفنانون حائرين: الفن أم الطبيعة؟ لدى اليابانيين والصينيين كان الفن طبيعة ثانية. طبيعة لا تقلّد الأصل لكنها تعمل عملها. أما الأورويون فقد استنسخوا الطبيعة واستهلكوا لذائذها الجمالية إلى أن وهبهم القدر سيزان الذي قيِّض له أن يستخرج من الطبيعة معادلات شكلية هي الى الرسم أقرب، مهدت للذهاب إلى ما بعد الطبيعة. مع ذلك فإن الصراع بين الطبيعة والفن لم ينته. لا لشيء إلا لأنه صراع إلهامي تفرضه حقيقة أن الإنسان يقتبس كل لحظة أسرار سعادته من الطبيعة. جيمس هايد هو نموذج معاصر للفنان الذي يعيد انتاج عناصر ذلك الصراع بلغته الشخصية.
ينتمي الرسام والنحات الاميركي جيمس هايد الذي ولد عام 1958 في فيلادلفيا ويعمل ويعيش في بروكلين، إلى نوع صفائي من الرسامين، نادر في زماننا. نوع لا يرغب سوى في تخليص الرسم من كل شائبة تقلق النظر إليه أو تعوق الانعتاق منه في الوقت نفسه.
مفاتيح الغيب
ضربة قدم واثقة يلقيها الفنان، ومن بعده المتلقي في اتجاهين: الذهاب إلى الرسم مستسلمين والعودة منه بعيون منقاة. في المسافة بين الخيالين، هناك مسافر لا يرغب في الاقامة في مكان محدد. ذلك لأنه يخشى الركون إلى المناطق الملتبسة بعدما عثر على قراره المريح: كائناً مسحوراً بروعة ما لا يُرى من صفاته. الخير المتأنق بصبر الطبيعة وكثافة عفتها. هنا يكون المتلقي قد أصبح سواه الشخص الآخر الذي لا يتم استحضاره بإرادة واعية. الشخص الذي ينظر بعيني من يسترخي في اعمق نقطة من بحيرات خياله الفردي. رسوم لا تتكرر، تطهرنا من ارث الاشارات وتمزجنا بما نودّ أن يبقى من أثر لخطوتنا في الطريق. من غير أن يكون ذلك الأثر رهاننا الوحيد. تصطادنا رسوم هايد لتبعدنا بيسر عجيب عن اقتناعاتنا المسبقة وافكارنا التي هي أساليب عيش قبل أن تكون مفاتيح للنظر الالهامي. تُهدئ من قلقنا وتسلّينا، غير أنها لا تستسلم لنا. فهي، وقد خلصت إلى ذاتها، لا تملك أن تهبنا جزءاً عرضيا من تلك الذات التي تحضر مجردة، عارية، معفاة من كل مساءلة. اللاشيء التام، بكل تخليه، بكل نزاهته، بكل تفاصيله المضادة لكل رغبة في التوضيح. ما من علامة، على الرغم من أن الفنان يعتمد في عدد من أعماله على المزج بين مشهد طبيعي متاح، وتكوين فني صغير يبدو كما لو أنه جزء فالت ومنسي من حياة سابقة، أو تمّت مغادرتها للتو. هنا بالضبط يقتفي المتلقي أثراً يسلّمه إلى الغياب. لا لأن ذلك التكوين يتميز بحياديته، بل على العكس تماما، لأن ذلك التكوين يبدو مكتفيا بحدوده الجمالية مثل شيء طبيعي لم تنتجه الطبيعة. هذا ما يقودنا إلى الإقرار بأن هذا الفنان انما يدير صراعا متكافئا بين الفن والطبيعة. والصور لا تخفي انحياز الفنان إلى الفن، باعتباره ميزاناً لفكر جمالي يسبق الطبيعة بتحولاته التي تتحكم بذائقتنا التي تتوجه إلى أعماقنا، أكثر مما تتيح لنا الطبيعة قدرة على التعبير، وهي قدرة تظل رهينة بما يحدث في الخارج.
بين الفن والطبيعة
ليس للطبيعة وجه واحد. نعمة النظر إليها تنطوي على خسائر لا تحصى. لا يسهب الفنان في ذكر فضائل الطبيعة ولا رذائل الاستسلام للذائذها، بل يوقعنا في فخ بصري تعبّر عنه محاولته الاستغناء عن اجزاء من المشهد الطبيعي بما يقترحه خياله من معالجات بصرية. كأن يرسم أشكالا هندسية فوق صورة مشهد طبيعي، أو أن يعرض لوحة منه مباشرة وسط حقل شاسع. تفعل اللوحة الكبيرة المعروضة في حقل، فعل المربّعات التي تغطي جزءاً من صورة المشهد الطبيعي. ففي حالة اللوحة المعروضة في الهواء الطلق، لا يمكن المشاهد أن يتحاشى النظر إلى الطبيعة من حول تلك اللوحة. هكذا يكون مختبر الرؤية أكثر سعة من حدود اللوحة. لن يكون الرسام مسؤولا عن لوحته وحدها، بل وايضا عن المشهد الطبيعي الذي يحيط بها، والذي هو مجرد لقية جمالية. نوع من التأليف البصري ينتمي إلى فن التجهيز، وإن يكن الرسام حاضرا فيه بقوة واعية. اما في حالة الصورة التي يغطي الفنان جزءاً منها بأشكاله التي لا تعبّر سوى عن رغبته في أن يسمّي الفن شريكاً في المبادرة الجمالية، فإن عين المتلقي تنعم بطرق نظر مختلفة: ما ينقص وما يزيد، ما ينمو وما يذبل، ما يكرم وما يبخل، ما يحضر وما يغيب. يركز هايد على مفهوم التذكر كما لو أنه يشعر أن المتلقي في عصرنا (ربما في كل عصر) يعاني من حالة عمى تصيب أجزاء من ذاكرته البصرية. تبدو صوره الفوتوغرافية مرئية من خلال عينين غارقتين في الضوء، بحيث لا يمكن تمييز الحدود الفاصلة بين الأشياء. مرئيات سائلة يمكنها ان تكون شيئاً واحداً على الرغم من تنوعها اللوني. الطبيعة كما يراها الفنان لا تنبئ بمصير محدد. درب وحيد تنبعث منه دروب تتشابك في ما بينها كوجه يتعدد في مرايا كثيرة. تدفعنا رسوم هايد إلى النظر إلى الطبيعة من الداخل، من داخلها. يعرف أن ما من أحد لا يمتعه أن يكون هناك كطفل مسحور، لذا ييسّر لنا ذلك، من خلال لجوئه إلى استعمال مواد يومية خفيفة، بأصباغ مرحة تنسينا مشقة ما سنقدم عليه. حيلة هايد ليست مجانية. خطوة واحدة في الفراغ، فراغه الكوني، يكون في إمكانها أن تلقي بنا خارج وجودنا المحايد الذي يعبّر عن نسق موروث في العادات البصرية. حينذاك لن يكون للطبيعة وجه واحد، بل لن تكون الطبيعة موجودة أصلا. سنعترف للفنان بضراوة كشوفاته وكفاءة بصيرته.
وسائد تحلمنا
تبدو كل معالجة نقدية لأعمال جيمس هايد ثقيلة ومحرجة. تلك الأعمال أكثر خفة من أن تُرى بطريقة نقدية صارمة. يبقى من تلك الأعمال الشيء الكثير من تأثيرها العاطفي حين تغيب، غير أن حضورها المباشر يحوطنا بالسعادة. ولأن السعادة لا تقبل النقد، فإننا نكتفي بالتعرف الذي يؤلم أكثر مما يُسرّ. هايد الذي يمزج بين الرسم والنحت بطريقة آسرة، يعيدنا إلى زمن كدنا ننساه بسبب سطوة تيارات ما بعد الحداثة، حيث اختفت اللوحة المسندية (لوحة الجدار) بشكل يكاد يكون كليا. وسائد هايد تعطينا فرصة لتخيّل مزيج ذهني من العلاقة بين فنَّي الرسم والنحت من جهة، وفكرة يمكن التعبير عنها نصياً من جهة أخرى. لم يصنع الرسام من تلك الوسائد التي هي منحوتات جاهزة، سطوحاً لأشكاله بقدر ما اتخذها فضاء لأحلامه التي تستولي بطريقة أو بأخرى على أحلامنا. هذا ما يحدث لنا دائما، لكن من غير أن نقرره سلفاً. أقصد الأحلام التي تنبعث من الوسادة. ولكن، ما الذي يحدث لنا حين نرى وسادة مزودة أحلاماً؟ في لوحاته، فعل هايد الشيء نفسه. لقد قرر أن يكون حالما بالإنابة عن الجميع. الرائي الذي يعرض وسادته للنوم، وهو يعرف أنها ستكون مصدرا للعدوى. يرسم هايد على الزجاج بأنابيب الأصباغ مباشرة. يصنع بخيوط النايلون أشكالا ويعرضها على الجدار. يشكل من البوليستر مكعّبات ويتيح لها أن تكون جزءاً من اللوحة. مواد مختلفة يعالجها الفنان بخفة ذاهباً إلى لغتها. فليست تلك المواد بالنسبة الى هايد مجرد مفردات يلتقطها في طريقه إلى العمل الفني، بل هي كيانات منفردة بلغاتها التصويرية. ذلك الخليط من اللغات، يصفّيه الرسام بطريقة فذة ليستخرج منه لغته الغنائية الحالمة، التي تعيد الفنان باستمرار إلى الطبيعة، هناك حيث تقيم ضالته الذهنية التي لا يمكن وصفها بيسر. ذلك لأنها تتيح لكل النقائض أن تكون موجودة بقوة استيلائها على جزء من المشهد: الصلابة والسيولة، التمهل والسرعة، التواري والظهور، الاسترخاء والتعب. فتنة تبدو هجينة، مثل النوع الفني الذي يمارسه الفنان تماما. غير أنها بقدر ما تبدو فتنة بصرية، فإنها تجد أمامها الدروب سالكة أمام الذهن. هي فتنة ذهنية من شأنها أن تخلق مفهوماً للرسم (وللنحت بالقوة نفسها) مختلفاً عما عرفناه. من المؤكد أننا نقف أمام حياة عضوية مشتركة بين الرسم والنحت، وهي حياة ستكون دائما مصدر إلهام بصري .
فاروق يوسف




|