معرض لا أحـــد يــتــعــلـــم مــن الــتـــــاريــخ
قـصــة الـخــديـعـة كـمــا رواهـــا فــرنــســـــــوا ألــيـــس
يقيم متحف "تيت مودرن" في لندن هذه الأيام معرضا كبيرا للرسام البلجيكي فرنسوا أليس المقيم في المكسيك، بعنوان "قصة الخديعة"، يضم عروضا لأفلام فيديو انجزها الفنان في السنوات الأخيرة مرفقةً برسوم وتخطيطات وخرائط هي بمثابة اشارات توضيحية مشحونة بالعاطفة تبدو كما لو أنها محاولات لاقتفاء أثر الجهة الغائبة والمفقودة التي يسعى الفنان للذهاب إليها. زرت المعرض ومشيت وراء الفنان وتهت مثله ولم أهتد إلى مصدر الخديعة.
حكاية قالب الثلج
حين رأيت فرنسوا أليس يمشي، قررت أن أمشي وراءه. الفنان البلجيكي المولود عام 1959 لا يفعل شيئا سوى المشي منفرداً في أزقة نيو مكسيكو حيث يعيش. لديه ما يفعله وهو يمشي. كنت واقفا/ جالسا أمام شاشة العرض غير أني لم أكن متأكدا من أني لم أكن أمشي. إصرار أليس على المشي يُعدي. يصاب المرء بالاضطراب. كيف يمكنه أن يقف هادئا أمام منظر رجل يحاول جاهداً أن يدفع بيدين عاريتين قالبَ ثلج عبر الأزقة الجانبية في مدينة مكتظة بالسكان والعربات. لم أفكر في سؤال يتعلق بجدوى ما يفعله فرنسوا أليس، أو إلى أين يمضي بقالب الثلج الذي كان يذوب تدريجيا تحت الشمس. كنت أتابعه فيما كانت يداي تبردان. لهاثي يمتزج بلهاث الآخرين ممن يقفون إلى جانبي شهوداً سلبيين على المعجزة. هنالك يأس يولد مثل قبّرة في كل لحظة، في ذلك الجانب من العالم، الذي يسعى أليس إلى اقتفاء أثر غيابه. يحدث احيانا أن يتخذ المشي، مشينا ومشي الآخر الذي نراقبه والذي بدوره يراقبنا أثناء مشينا، طابعاً رمزياً. لا لأننا نمشي من أجل أن نمشي، ولا لأننا نرغب من طريق المشي في الوصول إلى هدف بعينه، وإنما لأننا ننجز فعلاً نادراً أثناء المشي ومن خلاله. من المثير حقاً أن يكون ذلك الفعل عبثيا، على الاقل من جهة فهمنا القاصر والمحدود للمعنى المجاور. الفنان البلجيكي يفعل أكثر من ذلك. فهو حين يمشي، يجعلنا نشعر بقوة قراره. وهو لذلك يحثّنا من غير أن ندري على القيام بما يقوم به وتحمّل مشقات ما يتحمّله. نتبعه وهو يحمل بيده مسدساً. يظهر على الشاشة في صورتين متجاورتين: من الخلف ومن الامام. الذاهب ليس القادم، وبالعكس. هما شخص واحد، تقول البداهة، ما دام القتل هو الهدف. ولكن أيّ بداهة في القتل. ننتظر فلا يحدث ما توقعته البداهة. الرجل يمشي ليس إلاّ، وما من قتل. ماذا عن سلاحه؟ لا شيء مما نراه، يخبرنا شيئاً عن الحافة التي سيصل إليها، هناك حيث ستقع تلك الحادثة. ولكن مهلا. فقد يكون القتل قد وقع فعلاً. أردد: "بدم بارد"، وأنا أفكر في معجزة الصورة. صارت الحروب تقع لتنتج لنا صوراً نظيفة. القتلة الذين لا يذهبون إلى المقابر يلوّحون بالأعلام على متن السفن. هناك اشارة انتصار تملأ الأكفّ المرتفعة. العائدون من القتل هم أبطال زماننا. أما القتلى فهم مجرد أرقام. العبث يحيط بنا من كل الجهات، فيما كنت أرى أليس يقود قطيعاً من الخراف في دائرة مقفلة. يتكرر المشهد مرات ومرات، كما لو أنه يقع كل لحظة. تحسست قدمي الأرض. راقبتُ أقدام الآخرين في العتمة. لسنا هناك إذاً. ولكن من يؤكد ذلك؟ فرنسوا أليس يقودنا حتماً. حاجتنا إلى أن نكون هناك تدفعنا إلى الفرار من هيئة أجسادنا. نحن الخراف. لا بأس. لا يلتفت الراعي (الفنان) ليرانا. لا يشعر بالحاجة إلى القيام بفعل غير ضروري. الشعوب تمشي.
الخط الأخضر
عام 2005 ذهب فرنسوا أليس إلى القدس ليمشي على طريقته. في البدء يروي الحكاية بطريقة تقليدية متوترة: المدينة قسمت شطرين لتُبتلع كلها في ما بعد. في حربين ضاعت المدينة المقدسة. حدث لا يصلح للوصف. في لغة السياسيين صارت الحدود التي تفصل الجانب الشرقي عن الجانب الغربي هي المشكلة، ولم يعد احد إلى الكلام عن المدينة برمتها. صارماً بسخريته الهاذية، قرر أليس أن يذهب إلى المدينة ليصنع حدوداً خضراء. يمشي، يتبعه خط أخضر هو أثر الصبغة التي تسيل من علبة يحملها بيده، في مشهد يذكّر بالمسدس. بإهمال جسدي واضح، يروي أليس الحكاية المضادة، وهي حكاية لم تعد تغري السياسيين المدججين بالنفاق. المحاولة لا تنتهي. مثلما هو فشل كل الاطراف. هناك إصرار على الاستمرار في ما يمكن أن نسمّيه تسلية، وهو في حقيقته نوع من العذاب لا يمكن سوى المجاهرة به. كما أرى، فإن ذلك الخط الأخضر هو خط حياة أكثر من كونه حداً فاصلاً بين شطري المدينة. الخرائط التي أعدّها فرانسوا أليس لفلسطين وللمدينة المقدسة، وعرضها في بوابة قاعة العرض، كانت أشبه بالأيقونات. لا يحتاج المرء إلى دليل سياحي لكي يتعرف الى الألم، ومن جانب آخر الى القسوة. العبث هنا يصارع الواقع. أقصد الأمر الواقع. وهو التعبير الذي لا يستعمله الفنان المتمرد على لغته. خطواته المتأنية تترك أثراً مدوياً لا يشبهها. تخيلت قوة الفن. وفكرت في الراحل الكبير الذي لم يكن قد رحل بعد، جوزيه ساراماغو، وهو يزور رام الله معلناً تضامنه مع الشعب الفلسطيني. كان هو الآخر قد رسم خطاً شبيهاً بخط أليس. سينظر كلٌّ من الجلاد والضحية إلى ذلك الخط بذهول مجنون. الخيال يقول شيئاً مختلفاً دائماً عما تقوله الحواس والأخبار وكتبة التاريخ. علينا أن نتخيل مصير قالب الثلج من أجل أن لا نتيح للفنان أن يفاجئنا بتحول ذلك القالب قطعةً صغيرة ملوثة تركلها قدم واحدة لتختفي نهائيا. الفن لا يقول ما نتوقعه.
مََن يخدع مََن؟
قال لي يوسف الناصر انه أقام معرضا بعنوان "تمارين في اليأس"، فأخبرته أني نشرت منذ أكثر من سنة في "ملحق النهار" نصاً بعنوان "تمارين في اللوعة". فوجئ صديقي الرسام المنفي منذ أكثر من ثلاثين سنة. تخيلت شكلاً للخديعة التي رغب فرنسوا أليس في أن يروي حكايتها. هناك شيء من اليأس، شيء من اللوعة في كل عمل من أعماله. ولكن ماذا عن التمارين؟ كل التمارين اختصرها في سيارة من نوع فولكسفاكن يحاول سائقها ارتقاء تلّ عال. كل محاولات السائق تبوء بالفشل. يصل بسيارته إلى نقطة ما من التلّ، ثم لا تقوى السيارة على الاستمرار في التقدم. حينذاك يعود متراجعاً إلى الوادي ليبدأ من جديد. سيزيف آخر لكن من نوع مختلف. لا أحد يتساءل هل الوصول إلى أعلى التل ضروري فعلاً بحيث يستحق كل هذا الجهد الذي يبذله السائق. هناك ألم ممزوج باللهو يدفعنا إلى أن نكون حاملي صليب وهمي، وفي الوقت نفسه نكون خونة لما نعرفه عن قدراتنا الجسدية. ماذا لو كنا هناك؟ لا نفكر في السائق بقدر ما نفكر في أنفسنا. نفكر في التجربة باعتبارها لعنة. هو رجل (السائق) لا نراه يفتدينا. يذهب قبلنا من أجل أن لا يصل. لكنه يحاول بدلاً منا. وإذا كان سيزيف نوعاً من الالهة، فإن مصير الرجل المكسيكي غير معروف بعد فشله المتكرر. يتركنا أليس في حيرة مريرة. ما من شيء عن اليأس المكتمل. على العموم، فإن اللغة الرمزية تبدو جلية. الخديعة تترك الباب موارباً. ما نفعله وما لا نفعله أيضاً، له نصيب من قسوتها. ولكن مَن يخدع مَن؟ قالب الثلج يذوب بعد مسيرة منهكة فلا يبقى منه أيّ أثر يذكّر به أو بالمحاولة. السيارة لن ترتقي التل، وسننسى سائقها. الاطفال يبنون سياجاً من الرمل وسط الامواج. الحرس الملكي البريطاني يمشي في الشارع مستعرضاً اناقة مشيته. ألا تنتمي الصورة إلى الواقع من حيث قدرتها على الكذب؟ في حياتنا اليومية الكثير مما يمكن أن يشكل احتيالاً على الحقيقة. دورة حياة كاملة قد تسقط في بئر الخواء من غير أن تعيش لحظة صدق واحدة. نحن أقلّ من أن نواجه حقيقة ما نتعرض إليه بصدق وبقوة وبضمير نقي. ببساطة، نحن نفعل ما نراه مناسباً في غفلة عن وعينا وضمائرنا واسئلة شقائنا. نتعذب، لكننا نخشى الاعتراف بالخطأ، بالخطيئة، بالخراب الذي صنعناه. نفضّل أن نكون ضحايا، على أن نرى الوحش مباشرة. لذلك نورث أبناءنا التجربة ناقصةً مثلما ورثناها تماماً. نكرر المحاولة التي نعرف أنها ستنتهي إلى الفشل ذاته. لا أحد يتعلم من التاريخ. أهذا ما يودّ فرنسوا أليس قوله؟
فاروق يوسف
  
   |