غموض البياض ومراسيم الابتهاج

 

يستدرج الفنان ((فاخر محمد ))اطراف اللعبة التشكيلية الى حفل بصري تؤدي فيه دورها في ترتيب طقسية الجمال على جغرافية السطح التصويري ،ومن طرفه يسعى لتوزيع عنايته للصياغات التي تقود شبكة علاقاته لتنظيم نفسها بنفسها ،كل يدرك حاجته للاخر والغاية التي وجد لاْجلها ،مع الفضاء الذي ترخي ركابها فيه

ثمة موقد يوجه الخطاب ويحدد المسارات التي ينبغي سلكها كي تأخذ دورة الخلق تكاملها لتقف بعد ذلك امام كل هذه الكثافة من الجمال .

يمتلك ((فاخر محمد)) شعور متعاظم في جدوى ممارسة الرسم حين ينفتح على لحظات وصل بين خط سارح هنا ولون ،له مهابة ،اللامائي هناك ،علاقة كهذه غالبا ماتثمر عن تشكل طراز من الاجساد تشترك في احتفالية لعلها الاقرب الى التهامي الذي يدركه العارف حين يطير بذاته الى الذات الكلية ، ويصبح فعل الرسم لوحده مبررا كافيا للاعلان عن مغزاه ولذائذه بعد ان يفلت من السرائع التي تبدو وكما لو انها سراك اعدت لمخيلة شاردة تطارد حياة اخرى حافلة بالكمال وكنوز الجمال، حياة تضج بالمرح وان بدى مخلوطا باحزان دفينة.

قليل من الرسامين يدركوا نشوة تلك النهايات التي تضيء لنا وجودنا الممهور بالرعب والاقنعة المخادعة، ربما يكون فاخر محمد احدهم وليست الخبرة وتراكمها والحدس ونصيبهة في تفجير لحظات الدهشة والمهاراتية في اللعب على الوسائط التقنية الا عوامل تمهد السبيل للكشف عن ذات حرة تركة الخوف ورائها ومضت الى غاياتها بعد امتلاكها مفاتيح للعبة التي تفضي الى حياة اكثر غيرية وقابلة على التصديق حتى لو جرفتنا الى مجاهل الوهم ان فاخر محمد لا يؤسس خطابه التشكيلي افتراض معايير ملزمة تقود بشكل حتمي الى نتائج بعينها، ثمة رغبة في البقاء في تيه التضايقات بعد ان يرخي للمخيلية حبال اللعب الحر، وقد تصبح النتائج المترتبة على زمن هدفاً بذاته سواء حمل مغزى ام لا ..

انه يهيم بالنشوى الممارسة لحظة احتكاك الفرشاة على السطح التصويري وهي التي تقرر فيما بعد البناء التحتي للسياق الذي لم تنجذب اليه اطراف اللعبة بعد ان تلقي بحمولاتها الشعوية والاشعورية لتنفتح على كشوفات اخرى لعلها اقرب شبهاً بالمجهول غير ان الامعان في الهروب اليه يبدوا كما لو انه نوع من متعة الانتصا على الارادة حين تتكشف بوضوح لذائذ الرسم السرية وهي الحقيقة الوحيدة التي يظهر الفنان ازائها رعايا وثقة قل نظيرهما، ماعدا ذلك  ليش سوى حواشي او تنصيص على متن يضيء ما لا يرى لقد حسم (فاخر محمد) امره مبكراً منذ ان خطفه الرسم لحظة القاء شرائع الفن خلف ظهره، في محاولة للتسديد على أهداف بعيدة ظل السير باتجاها بمثابة حلم يستحق المطاردة ..

وسلسلة رسومه منذ معالرض (جماعة الاربعة 1982-1991) والى الان هي لحظات تزداد اقترابا من اهدافها دون تضليل او مواربة، ويسعى عبر ذلك الى انتاج لغة بصرية تهذب العين وتسمح لها برؤية ما لا طاقة لها على رؤيته، حيث يمرح الحدس لوحده مع اشراقات الروح التي تشربها الاشكال والخطوط والالوان لتصبح كما لو انها خلائق تغيب عنا في حمل وهج الجمال واعاجيبه .

لهذا فهو مؤلف جمل لونية بارع تحتما لحظة مصافحة البياض التي ترقى كثيراً الى فعل ماهو الاقرب الى الحب حين يتبس الجسد بجسد اخر .

ثمة وعي انطولوجي يمغنط علامات النص الداخلة في رحى اللعبة، وان يظهر (فاخر محمد) تمويها ساحراً بما لا يكشف ببساطة عن تعييناته الموضوعية انها وبفضل حساسيته تمارس قدرا من التضحية لاجل الظفر بلحظة اشعر الهاربة التي توحد الخطاب وترفض بعثرية ليظهر لنا فيما بعد بهذا الجموح الجمالي وحراكه الداخلي وهو يسافر نحو رحبا الخلق الفني وعند ذاك يصعب البحث عن بطولة للمعنى أو الشكر الا اذا افترضنا توحدهما نحو ما يحصل في الحب تماماً.

رسومه بهذا السياق تطمن حاجات النص بابتكار مراسيم للابتهاج بوصفها صورة مثالية للشجاعة رسام يعرف كيف يواجه غموض البياض...

 
     

رجوع

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005