بزوغ الشخصية الحضارية في الفن ))جماعة بغداد للفن الحديث((

     ببداية النصف الثاني من القرن العشرين اتضح ان مصير العمل الفني في العراق بدأ بالتحول الحاسم نحو مرحلة جديدة تتسم بالاعتماد على النفس والبحث عن ملامح الشخصية الحضارية اكثر من مجرد ترسم خطى الغير. ولم يبدأ ذلك بالفن التشكيلي لوحده بل بالشعر والموسيقى ايضاً، وربما بالمسرح كذلك والواقع ان صفحة جديدة من تاريخ الفن العراقي الحديث بُدء بكتابها وقتئذ وبكل ثقة. فلقد تمخضت سنوات الحرب العالمية الثانية عن احداث اجتماعية وسياسية جديدة لم تعد لتحتمل التخطيط المسبق لها قبل الحرب، اعني استقرار البلاد على حكم تقليدي هو المحصلة ما بين النظام البورجوازي بصياغته الكلاسيكية أي الملكية والنظام الوراثي الذي اصبح تقليداً راسخ الجذور، منذ خلافة الامويين في الشام فالعباسيين في العراق. وهكذا ظهرت احزاب المعارضة، وكل الصيغ الدمقراطية، كالصحافة والنقابات والمظاهرات وما الى ذلك كمجال لانعكاس الوعي الجديد الذي بدأ يستشري بين مختلف طبقات الشعب، وبزعامة الطليعة المثقفة. ومثل ذلك ما كان يحدث ايضاً على الصعيد الفني تقريباً، فقد اخذ شباب الفنانين من شعراء ورسامين ونحاتين وموسيقيين ومسرحيين على عاتقهم مسؤولية انجاز نهضة فنية توازي تلك النهضة الاجتماعية والسياسية التي كانوا جادين في انجازها، والتي بلغت اوجها في مرحلة الخمسينات مع انها بدأت بالظهور قبل هذا التاريخ، كما مر بنا في فصول سابقة. اذ ما ان انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى كانت بوادر نهضة حاسمة تظهر على فن الشعر. واستطاع بلند الحيدري عام 1946 ان ينشر ديوانه خفقة الطين وفيه تلوح اولى تباشير فجر الشعر الحر، ثم ظهر بعد ذلك عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب قبيل الخمسينات بدواوينهم الاولى ايضاً، وكانت نازك الملائكة قبل ذلك قد خاضت هذه المخاضة بنجاح. وهكذا فان في بداية الخمسينات اتضح ان الشعراء الشباب هؤلاء كانوا يقدمون على محاولة جديدة في قرض الشعر العربي، وارسائه على اسس جديدة تجمع مابين استمرار النسق او التقاليد الاصلية في الشعر العربي وما بين تقنيات الشعر الاوربي في آن واحد، واضحى لتحطيم (الوزن) على اساس المصراع الواحد والاكتفاء (بالتفعيلة) لذاتها من جهة و(حرية استخدام القافية) والصور الشعرية من جهة اخرى، شأن آخر في فن الشعر العربي الحديث.

    وفي الوقت نفسه اثمرت مدرسة الشريف محي الدين حيدر في التأليف الموسيقي والعزف على العود العربي مبتدئةً نهضة موسيقية. واقدم سلمان شكر على تاليف (الغجرية) على هدى استاذه الشريف محي الدين حيدر في تأليفه(ليت لي جناح) او (كابريس)، وحاول مثل ذلك ايضاً كل من جميل بشير ومنير بشير. وبالطبع فان هذه النهضة كانت متأثرة اول الامر بالفكر الاوربي لكي تستقر لدى سلمان شكر اخيراً على الفكر الاسيوي.

   وهكذا فان هذا التحول الجديد في الابداع، والذي قطع شوطاً في التعريف على الفكر الاوربي في مجال الفنون التشكيلية وخاصة فن الرسم فضلاً عن الشعر والموسيقى سرعان ما التفت الى اصوله الحضارية وهو ما لم يكن يخطر له ببال اول الامر، او ان الفنان العراقي مهما كان يحاول العودة الى اصوله الحضارية في ابداعه الفني فانه لم يمتلك زمام الامر في مجال التقنية والاسلوب الا بعد لأي أي بعد ان استطاع ان يميز بوضوح ما بين الرؤية الفنية والاسلوب الفني ،أي على هيئة تقصد ارادي للتعبير عن الفكر الحضاري في التعبير بعد ان كان الامر مجرد تحصيل حاصل. وينجلي هذا الامر حينما نقارن ما بين منهجي جماعة الرواد وجماعة بغداد للفن الحديث، وهما جماعتان ظهرتا في بداية الخمسينات. فقد اقتصرت جماعة الرواد كما لاحظنا في الفصل السابق على استلهام الفن الاوربي الحديث في مجال الاسلوب، اما جماعة بغداد للفن الحديث، فانها ستقتصر الان على استلهام الطابع الحضاري (او المحلي) في استخدام الاساليب الفنية الاوربية الحديثة. وهذه مسألة جديرة بالاهتمام، فان تجربة جماعة الرواد التي هي في الاصل امتداد لتجربة البدائيين (S.P) مهدت كما يظهر لتجربة جماعة بغداد للفن الحديث في طرح شعار عام في التاليف الفني يتضمن الفكر والمنهج الفنيين في آن واحد، بل ويحدد معالم (رؤية فنية جماعية) قابلة للمناقشة عبر المحاولات الاسلوبية الحديثة التي لابد ان تكون لها رؤياتها الخاصة الذاتية. وعلى كل حال فان هذا التمييز ما بين (الرؤية الفنية) و (الاسلوب الفني) هو ما يميز الجماعة الثانية عن الاولى، او هو (الاضافة) الجديدة التي اصبح من شأنها امكانية البحث عن ملامح الحضارة العربية، وضمنا العراقية في الفن، والتوجه نحو الابداع الحقيقي الذي لن يكتفي بمجرد اتقان التعرف على الاسلوب الفني بل اغنائه بالرؤية الفنية نفسها.

    اذن لقد اصبح الطريق واضحاً الان للعمل على (خلق) فن او مدرسة فنية تجمع ما بين التأثر بالفكر الغربي ومن ثم العالمي والبحث عن الشخصية او الطابع المستقل عن الملامح الاجنبية في نفس الوقت، وكان مثل هذا (البناء) ولا يزال، يبدو مستحيلاً او على الاقل (متناقضاً) في طرح الموقف الانساني لاول وهلة، خصوصاً وان جميع اسباب نهضة العراق الحديثة منذ اواخر القرن التاسع عشر كانت تشير الى نوع واحد من المعرفة والتطور الفني العلمي، وهو الذي يستهدي، ان لم يكن ليسير، في ركب الحضارة الاوربية الى ماشاء الله. اما وقد بدأ واضحا ان بالامكان الجمع مابين كل من التقنية والاسلوب وبين الطابع او الطراز فلم يبق سوى الانجاز والابداع الفني، وهذه هي مهمة الفنان الذاتية، ومسؤولية الشخصية التي اخذت تبرز الان بوضوح.

      ويخيل الي ان هذه النزعة التي برزت وقتئذ بكل وضوح وبساطة تستند في الاصل على ذلك الايمان اللاشعوري، او اللاواعي للفنان العراقي الذي يحس قبل غيره بعمق جذوره الحضارية الموغلة في التاريخ، وكان المربي الكبير ساطع الحصري قد نمّى هذا الاحساس منذ بداية الاربعينات، كما مر، في نفسية الفنانين الشباب، بيد ان الظروف المادية للمجتمع العراقي، وهو الذي ظل في صراع دائم مع القوى الاجنبية، قد مهدت السبيل لذلك ايضاً، أي في استعادة الثقة بالذات وتحدي قوى الاستعمار، فأصبح من ثم لموقف الفنان في بداية الخمسينات(المتفهم) لقيمة تراثه ما يمكنه في التعبير عن وجوده من خلال الصراع.

     واذا كان جواد سليم، كأقدم مثال واضح نستطيع الاستشهاد به على هذا الايمان اللاشعوري بعمق الجذور الحضارية، التي بلورت لديه فكرة عمله للنحت البارز المسمى (بالبناء) وهي خلاصة ((نحته قبل ان يذهب الى انكلترا لاستئناف الدراسة..والتي جعلها(أي المنحوتة) على غرار النحت الناتيء الاشوري ولكنه ادخل فيها القنطرة العربية..))(1) فان المهم في ذلك ايضاً ان تكون الفكرة قد ((تبلورت لديه..عندما شاهد الاسطه (طه) البناء الوحيد في عمل الزخارف وهو يعمل بكل دقة وهدوء في القصر العباسي))(2)، أي انه منذ البداية كان يختط لنفسه رؤية فنية هي (تاريخية- حضارية) وواقعية في نفس الوقت.

    اما بالنسبة لجماعة بغداد للفن الحديث فان الرؤية الجماعية التي التزمتها كانت (اسلوبية) اما (واقعيتها) فستظل من اجتهاد الفنان نفسه. والمهم في ما نذكره هو ان جذور هذا الموقف الانساني الجماعي للفنان العراقي في فترة الخمسينات، في التزامه للتعبير عن الرؤية الحضارية- الاسلوبية معا، كان قد بدأ منذ الاربعينات وبشكل التزام ذاتي (ثقافي وواقعي) معا هو ما نجد فيه رؤية جواد سليم الشخصية بالذات.

     والواقع ان (تلقائية) ظهور فكرة الجماعة الفنية، ووضوح وعيها الحضاري، تنسجم الى حد بعيد مع تفاقم الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق، وفي نفس الفترة التي انحصرت ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبين ثورة عبد الكريم قاسم او بداية الحكم الجمهوري في العراق عام 1958 ففي هذه الاثنى عشر عاماً شهدت البلاد مخاضاً ملوعاً للاستقرار على الارض صلبة تستطيع ان تكون مسرحاً رائعاً للاعتماد على الذات، والاستقلال في الوجود الانساني الاجتماعي معاً.

     وكان، على صعيد العمل السياسي، كل من حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي يقتسمان في عام 1948 بصورة واعية مسؤولية تحريض الرأي العام ضد سياسة التبعية للامبريالية المتمثلة في الوفاق ما بين الحكم الملكي في العراق وبريطانيا. فكانت الاحزاب العلنية تحصل بين آونة واخرى على بعض حرياتها لكي يستأنف تجميدها من قبل الحكومة القائمة، وذلك بعد انتفاضة عام 1948 حيث حققت الوفاق بين الاحزاب المتعارضة في جبهة وطنية متينة. واخيراً حلت هذه الاحزاب عام 1954 كما اغلقت النقابات والجمعيات والصحف(3).

   وفي نفس الوقت تصدت الصحف الشيوعية السرية لمهاجمة حلف بغداد للتحريض على ((ايجاد صيغة تحالف مع القوى الوطنية الاخرى))(4) كما تصدى حزب البعث العربي الاشتراكي لحلف بغداد.. واصدر بياناً دعا فيه للنضال لاسقاط وزارة نوري السعيد والغاء الحلف العراقي المركزي والمعاهدة العراقية البريطانية(5). واستمر حال الصحافة السرية هكذا حتى بداية الرابع عشر من تموز حيث ((استطاعت صحافة الاحزاب السرية ان تهيء الشعب للثورة. وفي 24 اذار عام 1959 انسحب العراق من حلف بغداد واعتبر هذا اليوم هو  يوم الحرية وعيداً وطنياً يحتفل به الشعب))(6).

     تطلعنا هذه (الشريحة) الاجتماعية والسياسية والفكرية معاً على نوع من الاختيار الانساني وبصيغة الجماعية لا الفردية حيث توازي، عند التامل من قبل المتامل الى حد بعيد، ما كان يحدو بالفنانين العراقيين آنئذ الى تكوين الجماعات الفنية المعلنة عن رؤيتها وغير المعلنة في نفس الوقت. بل ونستطيع عند التوغل اكثر فاكثر ان نستشف جميع المواقف المتعارضة مابين عوامل التحدي او التراجع على السواء من اجل تحقيق هدف واحد هو (الصمود) امام تحديات قوى (الاجنبي). فلقد اصبح الوعي تام الوضوح، وهذا ما جعل للجماعات الفنية المتكونة في نفس الوقت معنى(جبهة واحدة) متنوعة المناهج تعمل على إبطال مفعول المواقف الفنية الرجعية، او بالاحرى ذلك الموقف التقليدي في الرسم، والذي يحض على الاسلوب الذي يتصف بمبدأ المحاكاة. وهو الذي يتضح الان باعتباره حجر عثرة في سبيل التعبير عن (الصدق) في الموقف الانساني للفنان خلال العلاقات الاجتماعية الجديدة، او تظل حائلاً دون اكتشافه لمقومات شخصية الحضارية، واستقلاله الشخصي او مدى اندماجه مع محيطه وبيئته على السواء.

   ان ظهور الفكر الجماعي بحد ذاته يعتبر موقفاً حضارياً او على الاقل اجتماعياً وثقافياً وبالتالي فهو موقف انساني. فلا يمكن ان يتم صدق هذا الموقف الا اذا كان متاصلاً في جذوره العميقة، ولا تبخل حضارتنا بأي شيىء من ذلك. فتاريخ الجمعيات الادبية والفلسفية والنقابات معروف في الحضارة الاسلامية وموثق بفولكلورها، ولقد كان من المعروف حتى حد قريب مثلاً ان تنذر اجور حلاقة طفل غزير الشعر كصدقة توهب الى سدنة ضريح الصحابي سلمان الفارسي لانه يعتبر بصورة تقليدية رئيس نقابة الحلاقين في الاسلام، او انه الرئيس الفخري لهذه النقابة باعتباره حلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العصر الاسلامي. اذن فثمة وضع حضاري يزين للفنان العراقي بصورة لا شعورية الانخراط في جماعة فنية، حتى ولولم يهمه من ذلك سوى التظاهر.

   على ان فترة الخمسينات كانت حقاً بيئة زمانية ملائمة لظهور الجماعة الفنية ذات الاهتمام الحضاري، وقد تمثل ذلك بجماعة بغداد للفن الحديث. فقد شهد الواقع الثقافي في هذه الفترة علاقة صميمية تنشأ ما بين الفنان العراقي كمثقف وكائن اجتماعي، اقبل على الفن الحديث بشكل حاسم، وعن التزام انساني، وبين الجمهور(المثقف اولاً والعريض ثانياً)، وهو الذي بدأ يكتشف في الفن الحديث انسانيته وذوقه المعاصرين مجالاً للتعبير عن همومه وطموحاته. ومن هنا مغزى المحاضرة التي القاها جواد سليم عند افتتاح معرض جماعة بغداد للفن الحديث الاول على قاعة متحف الازياء العراقية في الباب الشرقي عام 1951، وقد جاء فيها:- ((خذوا البيوت فأول ما يلفت نظرك فيها الاثاث الغالي وصلة الطراز التكعيبي المشوه بالسجادة الفارسية، ثم تدور بنظرك فترى الكتب النفيسة مستعاض عنها بمجلتي الاثنين ومسامرات الحبيب واحياناً ترى رفاً من الاسطوانات اذا اقتربت منه وجدته (تانكو ارجنتين) مثلاً وان كان الذوق اكثر محلية فاسطوانات (فريد الاطرش). وترفع رأسك للجدران لتجد صورة لرب العائلة في شبابه وكهولته وشيخوخته وصوراً للاحفاد، وصوراً اخرى لافراد الاسرة كثيرة، ولكن ترى لماذا وضعها في قاعة الضيوف؟ الله اعلم.

   اما اذا ارتفع الذوق واحس صاحبه بالحاجة للفن فانك قد ترى صورة لفتاة تثير في النفس انواعاً من الغرائز. وقد تعاتب صديقك وتقول له((يابه فد صورة زيتية؟)) فيجيبك ((هسة انتو فنانين آني شجابني على الفن)). هذا هو الذوق العام.))(7) ان جواد هنا يبرز لنا وثيقة تاريخية دامغة لطبيعة المستوى الثقافي للجمهور، ولكن هذا الجمهور الذي يسخر منه جواد هو نفسه الذي يتجه اليه بفنه. وبمعنى آخر ان المسؤولية التي اخذ هو وجماعة بغداد للفن الحديث بتحملها تفترض العناية بهذا الجمهور نفسه وانتشاله من براثن التخلف الثقافي الفني ومن تردي مستوى التذوق الفني والذي هو من طرف خفي نتيجة المنطق التوفيقي الذي يجابه به الجمهور المتمسك بتقاليده مظاهر الحضارة الغربية فيضطر الى الجمع بين الذوقين: المحلي والحديث وبباسطة على الرغم من تنافرهما. على ان هذه الوثيقة في مكان آخر منها تدين كذلك المنهج القسري الذي يتمسك به نفر من الجمهور العراقي باسم الثقافة وان هي الاجهل مطبق، فهو يقول عنهم:- (غير ان الزمرة التي تتذوق الفن والتصويرمن جمهورنا تحاول ان تفرض علينا ارادتها، فهي تريد ان نرسم تفاحة ونكتب تحتها ((هذه تفاحة)) او منظراً  للغروب على دجلة ونكتب تحته ((الغروب)).))(8) والواقع ان هذه الملاحظة التي يلاحظها جواد سليم في مطلع الخمسينات هي التي تبررها الى حد بعيد المواقف الزائفة لبعض المثقفين ممن اخذوا يقلدون سخط الجمهور الاوربي نفسه من الفن الحديث ولكنهم لم يستطيعوا ان يستروا مع ذلك تخلفهم بل جعلهم بهذا الفن الذي كانوا يطلقون عليه تسمية الفن السوريالي (السوريالزم)، دون ان يميزوا بين المدرسة السوريالية بمفهومها الفني والمدارس الفنية الاخرى. ففي عام 1953 جاء في تصريحات احد الادباء ممن ابدوا آرائهم في معرض جماعة بغداد للفن الحديث: ((وبعد فاني اعتقد ان هذه الخرابيط التي يطلقون عليها (السريالزم) ماهي الا لغو وافساد للذوق وتقهقر الى الوراء وجمود. وهي بعد هذا كله خالية من الموهبة وليس فيها أثر للفن، ولو كان المجال يتسع لشرحت كل هذا وايدته بالبراهين والادلة وما اكثرها. ))(9) 

جماعة بغداد للفن الحديث:

    بالأخص جبرا ابراهيم جبرا في كتابه الرحلة الثامنة انطباعه عن المناخ الثقافي العام الذي تألفت فيه جماعة بغداد للفن الحديث بالعبارات التالية:-

((.. كان الميل الاشد يتجه نحو هجر الانطباعية التي يلتزمها معظم الرسامين من اجل شيئ اعنف تعبيراً عن مضامين النفس، عن الغضب، عن التمرد. كانت الوجودية في تلك الاونة قد غزت اذهان الشعراء والادباء والفنانين في العراق بنظريات فيها كثر من الابهام الفلسفي، ولكن فيها كثير من الحث على المخاطر والتفرد- وفي الوقت نفسه على الالتزام. اما اليساريون وكانوا كثيرين فكانوا يطالبون بانزال الفن الى الشارع والمقهى وبايصال التعبير الى الجماهير بالنطق عن حاجة الجماهير، وفي هذا الخضم من الرأي والانتاج تألفت جماعة بغداد لتحاول شيئاً ابعد من ذلك، لتحاول ايجاد اسلوب عراقي لا تأخذ من قوته نظريات التبسيط والقول المباشر..))(10)

   وجبرا هنا يحاول ان يلقي الضوء على الجانب الثقافي من المناخ العام الذي نشأت فيه جماعة بغداد للفن الحديث. انه مناخ ملائم لتعميق الشعور الانساني بالحضارة ومن منطلقات فكرية معاصرة، فليس عبثاً ان يسود الشعور بالفكر الانساني عبر الفلسفة الوجودية وبالشعور الاجتماعي عبر الفلسفة المادية الى الحد الذي يتحقق بشكل رؤية فنية ذات ارتباط بالتراث، وفي موطن نشأة الحضارة في العالم أي ارض ما بين النهرين Mesopotamia  واذا كان فائق حسن قد عمق الاحساس الانساني في الفن عن طريق رؤيته البدائية فان جواد سليم سيضيف الى احساس العراقي المرهف فكره الثقافي، وهذا ما تحقق لدى جماعة بغداد حينما بدأوا باستلهام التراث في الفن.. على اننا على المدى البعيد سنجد ان رؤية جماعة بغداد هذه تنطوي بدورها على المعطيات الروحية في الفن، وهو ما تجلى منذ منتصف الستينات وتحقق في ظهور جماعة البعد الواحد.

     وما اريد ان انتهي اليه في هذا الاستطراد هو ان اكتشاف المقومات الشخصية في الرسم العراقي الحديث كان مشروطاً بالواقع الانساني للعصر. فما حدث في فترة الخمسينات وبفضل جيل الخمسينات كان سيحدث في فترة السبعينات وبفضل التطور الانساني العالمي والمحلي الذي يمكن ان يتحسسه جيل السبعينات.

    ومنذ عام 1956 كتب نوري الراوي وكان معاصراً لمعارض جماعة بغداد للفن الحديث الاولى بعد جبرا ابراهيم جبرا ما يلي:- ((..فقد وجدنا ان جماعة الرواد مثلاً بدات تشق طريقها لتحقق الافكار والانفعالات كوسيلة الى تبسيط الفورم واختصار الخطوط وتسوية المساحات اللونية.. كما وجدنا ان جماعة بغداد للفن الحديث تسلك طريقاً آخر اضافة الى عنايتها بتجميل الخط البسيط اقصى ما يمكن ان يحمل من معنى. ذلك هو التشويه المقصود الذي يعطي المشاهد الحد الاعلى من التأثير..))(11) ومن الواضح ان الاستاذ الراوي الذي كان مؤمناً برؤية جماعة الرواد ومتحمساً لها يحاول ان يجد ايضاً في رؤية جماعة بغداد للفن الحديث اضافة (رؤيوية) جديدة في سياق ما قدمه الرواد قبلهم، وذلك حينما ينوه بالتشويه المقصود او ما يمكن ان يحققه الفكر المثقف في مجال البحث غير التلقائي. وهذا مايدلنا ايضاً على ان النقد الفني في الخمسينات كان يواكب التطلع الثقافي الجديد لرؤية جماعة بغداد التي كانت واضحة كل الوضوح وتاتي أكلها في مجال الاسلوب الذي لم يعد مجرد واسطة آنية للتعرف على الذات والعالم لانه اصبح ايضاً واسطة للتعرف على الماضي والايغال في المستقبل.

    فاذا ضربنا صفحاً عن المعاصرين لجماعة بغداد في فترة الخمسينات، وهما جبرا ابراهيم جبرا وكان واحداً منهم، ونوري الراوي الذي مارس النقد الفني على صفحات الجرائد في اواخر الخمسينات، فان الاراء تصبح مجرد اجتهاد في التفسير في بعض الاحيان ولكنها تظل متفقة على الدور الحضاري الذي التزمت به الجماعة دونما تحليل ودراسة تامتين لطبيعة العصر او الوثائق التي صدرت في حينها.

      يذكر نزار سليم الذي تسنى له ان يشترك في معارض الجماعة منذ اواخر الخمسينات، ان جماعة بغداد للفن الحديث نشأت ملتفة حول جواد سليم ((الذي زامل الرواد في بداياتهم))(12) ثم يضيف مستطرداً: ((ان الحديث عن جماعة بغداد هو حديث عن جواد))(13). ونحن لا ننكر الدور القيادي لجواد سليم في جماعته ولكن المتأمل في منجزات الجماعة خلال عشر سنوات حقاً يستطيع ان يميز بين عدة اساليب متنوعة نمت وترعرعت واصبح لكل منها طابعه او طرازه الذاتي فضلاً عن طرازها الجماعي، ومن ذلك اسلوب لورنا سليم ونزيهة سليم وفرج عبو وطارق مظلوم وقحطان عوني وفاضل عباس ومحمد غني وخليل الورد وجبرا ابراهيم جبرا، واخيراً كاتب هذه السطور. هذا فضلاً عن ان رؤية جماعة بغداد تجاوزت حدود الجماعة نفسها، فظهر من خلال الجماعات الاخرى ممن اخذ بها سواء أكان ذلك عن قصد او دونما قصد، ومن هؤلاء فائق حسن واسماعيل الشيخلي ونوري الراوي من جماعة الرواد وضياء العزاوي، بل وحافظ الدروبي من جماعة الانطباعين العراقيين وغيرهم.

    لنستمع مثلاً الى تصريحات كل من اسماعيل الشيخلي ومحمود صبري وعطا صبري وحافظ الدروبي المنشورة ضمن استفتاء عرضته مجلة الاداب على جماعة من المثقفين، المشتغلين بالفن، نقتطف منها ما يلي:-

يقول حافظ الدروبي: ((.. من الفنانين من يعتبر محاولاته فناً عراقياً بينما هو يسير باتجاه المدرسة الاوربية الحديثة والفرنسية، خاصة ذلك لان اثر فرنسا التثقيفي كان كبيراً فيه، اما انا شخصياً فرغم اني احاول باستمرار رسم المواضيع العراقية نظراً لنشأتي في جو عراقي صرف، الا اني لا ازال اعتبر نفسي في دور المحاولات من اجل ايجاد المدرسة العراقية الحديثة، الا انها كانت تقليداً ليس غير.  واما كيف يجب ان تكون هذه العلاقة فنحن مع ايماننا بأنها يجب ان تكون وثيقة فان الاتجاه الفني لا يخضع للتحكمات المنطقية وانما يخضع للظروف المحيطة بالفن))(14).

     ويقول اسماعيل الشيخلي: ((.. العراق مقبل على تقدم كبير في حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ولا بد ان يترك هذا التقدم طابعه التأثيري في انتاج الفنانين، ولا بد من جهة اخرى ان يستلهم الفنانون العراقيون هذه الحياة الجديدة وان يخلعوا عليها طابعهم العراقي الخاص))(15).

     ويقول عطا صبري: ((.. الحق اننا نمر اليوم بمشاكل واوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية وبتطورات جديدة تختلف كل الاختلاف عن الفنانين الاوربين.. ولقد اخذ الجيل الجديد في العراق اليوم بتذوق الفن بصورة مشجعة للغاية.. ان انتاجنا الفني يجب ان يكون المعبر الحقيقي عن واقعنا الراهن))(16).

في حين يقول محمود صبري: ((.. الى عهد قريب كان الذوق السائد متأثراً بالثقافة العثمانية..الا ان تأثر العراق السريع بالغرب قلب هذه المفاهيم رأساً على عقب وتحول مصدر الالهام الى مظاهر الحياة الغربية.. ولهذا السبب بالذات الذي ينعكس في جوهره في فقدان التقاليد الفنية الموروثة الثابتة لم يكن في التحول عما يخفي أي تقدم وارتقاء حقيقيين، في مستوى تذوق هذه الفئات بل مجرد تغير في نوعية المنتجات التي اخذت تكدس وتجمع كبرهان زائف لمكانة اجتماعية او اقتصادية عالية.. تحت تأثير هذه الظروف القاسية، المتناقضة يعمل الفنان العراقي جاهداً لخلق تقاليد فنية ثابتة تعكس حقاً الاوضاع والمتطلبات الجديدة المتنامية))(17).

  نستنتج من كل هذا ان ضمير الفنان العراقي عموما، وليس من كان منتميا الى جماعة بغداد للفن الحديث فحسب، كان شاعراً بحاجته الى رفد الحضارة المعاصرة بعطاء جديد يحمل طابع الحضارة العربية والعراقية ضمنا بشكلها المعاصر، وان الطابع لم يكن بالضرورة ليعتمد على اقباس او استلهام التقاليد القديمة الموروثة، وهذا هو بالضبط ما جاء في البيان الاول للجماعة، والذي جاء معبراً عن واقع الفنان العراقي المثقف.

              بيان جماعة بغداد الاول والبيانات التالية له

    انفردت جماعة بغداد للفن الحديث عن الجماعات الاخرى في اصدارها بيانا مدوناً منذ اول معارضها، على غرار الحركة السوريالية في اوربا، فكان لاصداره مغزاه الحضاري والانساني في نفس الوقت. اذ انه حدد معنى (الرؤية الجماعية) في الوقت الذي حدد معنى (الالتزام الانساني) للفنان العراقي الواعي لمسؤوليته الفردية والاجتماعية معا.

    وكانت ظروف تدوين البيان قد جلاها وضوح الهدف في ميلاد الجماعة، اذ كان جواد سليم لا يزال من جماعة الرواد، ومن هنا فقد أخذ على عاتقه القاء محاضرة اوضح فيها ضرورة العناية بالمستوى الذوقي للجمهور العراقي. كما انه- على حد رأي نزار سليم- ((ادان النقاد الفنيين والزمرة التي تدعي تذوقها للفن والتصوير وحينذاك، وكانت تفرض ارادتها على الفنان بصورة عجيبة))(18).

    في حين اخذت انا على عاتقي كتابة نص البيان وقراءته على الجمهور. وفي عام 1956 كان جواد سليم لا يزال عند رأيه في (حرية الفنان) في تعبيره عن تلك الحرية ((الفكرية والاقتصادية في آن واحد))(19). والتي هي مرهونة بـ ((كل انتاج فني مهم وجيد في أي زمان ومكان))(20). وهو في رأيه هذا يرفد ما سبق ان توصل اليه في الاقتباس من الفن العربي والفن الاشوري الكثير من القيم الفنية حينما نحت عام 1945 (البناء) نحته الناتيء قبيل سفره الى لندن لاكمال دراسته. ((اما انا فقد كنت غارقاً الى اذني في جو من الوعي الاجتماعي والحماس للتعبير عن الاستقلال الذاتي، بعد انهائي لدراستي للعلوم الاجتماعية في دار المعلمين العالية عام 1948، وصداقتي لجواد سليم وتلمذتي الفنية عليه، وبعد احداث (الوثبة) التي ظلت آثارها عالقة في نفوسنا وحرب فلسطين عام 1948. لقد كنا مؤمنين بأهمية (البنية) الاسلوبية والرؤوية لجماعتنا وبما نستطيع ان نقدمه لجمهورنا. كما كان واضحاً لنا (جواد سليم ومحمد الحسني وانا)، وكنا ثلاثتنا قد اتفقنا على تهيئة المعرض الاول للجماعة، بأن يهيء جواد سليم ملصق المعرض واقوم انا ومحمد الحسني بطبع بطاقات الدعوة، ثم ان يشترك الجميع بتعليق اللوحات..اقول: كان واضحاً لنا ان ما نقوم به هو خطوة جديدة، هو اضافة على ما جاءت به جماعة الرواد قبلنا، وان هذه الخطوة كانت تستهدف قبل كل شيء البحث عن معالم الشخصية القومية في الفن، ولكن بالشكل الذي لا يعتبر انجازنا فيه اقحاماً لفكرة مسبقة نفرضها فرضاً على الفن، كأن نعتمد على اقتباس التراث فقط كوسيلة معينة من وسائل التقنية، او ان نلتزم التعبير عن مضمون اجتماعي فقط، او ان نعبر عن فلسفة معينة في الحياة، عن البدائية مثلا، وهكذا كان نص البيان واضحاً ودقيقاً في استخدام المفردات اللغوية في هذا للمجال ولا لبس فيه. كما كنا نؤمن بان البحث الفني المعاصر لا يمكن ان يعتمد على الاساليب المتهرئة، وكان من صواب منطقنا ان اقتنع محمود صبري (اقنعه جواد سليم)، وهو من المتحمسين للتعبير الاجتماعي في الفن، بجماعة بغداد منذ اول معارضها. الا انه سرعان ما فضل البقاء مع الرواد في المعرض الثاني، بعد ان خيّر في تحديد موقفه، وكذلك فعل جواد سليم ولورنا سليم ونزيهة سليم عام 1953، اذ خيروا بين البقاء او التخلي عنهم ففضلوا التخلي))(21).

    فقد جاء في رسالة بعثها جواد سليم عام 1953 الى عبد الرحمن الكيلاني وكان يدرس النحت في انكلترا ما يلي: ((لقد اقمنا قبل عدة اسابيع بمعرض ناجح (قمنا نحن اقصد به جماعة بغداد للفن الحديث) وقد اشترك محمد غني، وحافظ الدروبي معنا، وكان المعرض في قاعة معهد الفنون الجميلة اذ لم يعطنا اكرم قاعة الازياء. واليوم تقيم جماعة الرواد معرضها الثالث في قاعة الازياء، ولقد عمل الجماعة مجهوداً كبيراً في تنظيم المعرض والاعلانات والبطاقات، وكان ناجحاً وموفقاً جداً في هذه الناحية. وكانت مجموعة صور اسماعيل الشيخلي الشيء الجديد في المعرض، والشيء الجديد الاخر هو عدم اشتراكي انا وام زينب ونزيهة معهم، وهذا بعد قرار جماعة فائق انفسهم.. ))(22).

    ويذكر نزار سليم ان ((.. الذين عرضوا في المعرض الاول كان معظمهم من زملاء جواد واصدقائه واثنين من طلاب المعهد، وكان عدد العارضين تسعة فنانين هم: جواد سليم وشاكر حسن ولورنا سليم ومحمد الحسني وقحطان عوني وجبرا ابراهيم جبرا ونزار علي جودت وريتشارد غناده ومحمود صبري))(23). ولكنه لا يشير كذلك الى ان فكرة جماعة بغداد لم تكن ابداً فكرة فردية وانها ظهرت على اساس مبدأ الاحتراف الفني وليس مبدأ الهواية كما كان الامر سائداً في جمعية اصدقاء الفن (1941-1956)، او جماعة البدائيين (S.P).

    وبأختصار فان نزار سليم حينما كتب عن جماعة بغداد اكتفى بأن اشار لدور جواد سليم في ظهور جماعة بغداد وكأنها كانت مجرد فكرته الذاتية(24) او انها هي رؤيته الفنية الشخصية فحسب ولم يحاول ان يوضح مغزاها كرؤية جماعية. وقد وقع في نفس الخطأ عادل كامل حينما اشار الى ان ((فكرة جواد سليم التي تبلورت في بداية العقد الخامس، وفي تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث بالذات هي التي بدات بالتطور..))(25). والواقع انها كانت رؤية(لجماعة فنية) بمعنى انها كانت تعبّر عن امكانية ((خلق وعي تشكيلي جماعي قادر على ان يوجد اتجاهاً مميزاً قابلاً للتطور))(26)، وهو ما انكره عليها في السبعينات ضياء العزاوي في مناقشته للناقد عبد الله الخطيب(27). ومثل هذا الوعي بالطبع يظل مرهوناً بطبيعة الرؤية الفنية الجماعية او البنية العامة لطريقة التفكير لدى الجماعة في كيفية التوصل الى تكوين اساليب شخصية، ولكنها متضامة في الكشف عن طبيعة (الاتجاه العام) لديهم وهو ما توخته الجماعة في عدة نقاط نستطيع استنتاجها من قراءتنا لنص البيان الاول ولمحاضرة جواد سليم عن (التجديد في الرسم الحديث) معاً.

    فهناك اولاً حرية التعبير من قبل الفنان، أي ((التوق الى تحقيق الحرية خلال النزعات الحديثة))(28)، تلك الحرية التي يجابه بها هذا الفنان (( .. الزمرة التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا (و) تحاول ان تفرض علينا ارادتها ..))(29). كما ان هناك ايضاً فهم العمل الفني على اساس كونه (وحدة متكاملة) ما بين الفنان والجمهور، ومن هنا فجماعة بغداد للفن الحديث في بيانها وفي المحاضرة معا كانت تعني بالجمهور..الجمهور العراقي الذي يستطيع ان يتمتع بخصوصيته في تذوق العمل الفني، او الجمهور الذي بتكونه ((ستتلاشى الهوة التي تباعد بينه وبين الفنان ))(30، وهو تماماً ما اوضحه جواد سليم في محاضرته حينما رسم تلك اللوحة الكلامية (الكاريكارتورية) في نقده للذوق العام.. الذوق الذي يمثله هذا الحوار: ((..تعاقب صديقك وتقوله:- يابه فد صورة زيتية؟ فيجيبك هسة انتو فنانين آني شجابني عالفن؟)).

    وهناك ثانيا العمل على مواصلة التعبير عن الطابع او الطراز الحضاري للفن العراقي والعربي:- (( ولسوف نشيد بذلك ما انهار من صرح فن التطور في العراق منذ مدرسة يحي الواسطي او مدرسة الرافدين في القرن الثالث عشر الميلادي، ولسوف نصل بذلك السلسلة التي انقطعت منذ سقوط بغداد على ايدي المغول..))(32) مثلما ان هناك ثالثاً استخدام الاسلوب الحديث في الفن، او كما جاء في البيان:- الجمع مابين ((شتى الدراسات الحديثة من انطباعية وتعبيرية وسوريالية وتكعيبية وتجريدية..))(33)، وفي هذين المبدأين الاخيرين تكمن (الرؤية الجماعية). اما في المبدأين الاولين، وهما حرية الفنان واهتمامه بالجمهور العراقي، فتكمن (بنية) العمل الفني نفسه. فالى جانب (حرية الفنان الفردية) التي تستطيع ان تضمن له عملاً فنياً ناجحاً، لا بد للجمهور أن يثقف ثقافة حقيقية، غير زائفة، تمتاز بفهم حرية الفنان بوعي حر في التذوق الفني ايضاً، فانها بدورها تستطيع ان تضمن له مستوى ذوقياً رفيعاً.

    ومن هنا يتجلى لنا ان جماعة بغداد للفن الحديث في بيانها هذا كانت تشترط جميع مقومات العمل المبدع الذي يعتمد على (التوازن) ما بين (الابداع الفردي) و(الابداع الجماعي) في نفس الوقت، وما بين حرية الفنان وحرية المشاهد معا. وهذه مسألة لم يفطن لها الكثيرون ومنهم ضياء العزاوي الذي شخّص الى حد ما (ازمة) الجماعات الفنية (في الخمسينات) من منظور فنان (ستيني) كما يلي: ((ان الجماعات الفنية (في الخمسينات) والتي تشكلت ضمن واقع اجتماعي وفكري سابق استنفذت امكانية تطورها حالياً، ولانها منذ البدء كانت تجمعات مركزة على ابداع افراد فقط، فقد واجهت صعوبة كبيرة في خلق وعي فني تشكيلي جماعي قادر على ان يوجد اتجاهاً مميزاً قابلاً للتطور))(34). والواقع ان الفكر الخمسيني الذي تبلور في جماعة بغداد بصورة اكثر تكاملاً من الجماعتين الاخريين وهما (الرواد) و (الانطباعيين العراقيين) لم يكن سوى انعكاس لواقعه الثقافي، أي الطريقة التي كان الفنان التشكيلي العراقي يحاول من خلالها ان يوجد بواسطة الطرح الفني على اساس (الرسم امام لوحة الرسم)، وظل خاضعاً لمنظوره الفكري، والذي هو بالاصل نتيجة التعلم عن طريق الكتاب وليس الخبرة المباشرة او السينما والتلفزيون، وهو ما اصبح مألوفاً لجيل الستينات وما بعده، ومن هنا كان لحريته الفردية دور واضح في التعبير. بيد ان المشكلة الفردية التي اشغلت طموحاته من الناحية الاجتماعية والجماعية معا تجلت في ضرورة العودة الى المنابع والاصول الحضارية التشكيلية القريبة والبعيدة معاً، وهذه العودة كانت بدورها شكلاً آخر لمنظور الخمسيني الفكري، لا العلمي.

     وفي الفترة الاولى لظهور الجماعة (1951-1955)، أي قبل كتابة البيان الثاني من قبل جبرا ابراهيم جبرا، كان من الواضح ان التوازن بين المبادئ الفنية للجماعة سيظهر بشكل اقل اندماجاً منه فيما بعد. ويتضح ذلك حينما نقارن بين اعمال لكل من الفترتين الاولى والثانية(*) .

    ولنعد الى تحليل مبادئ البيان الاول من خلال تجربة جواد سليم والجماعة. ان جواد سليم لم يتطرق الى ما اشار اليه البيان في محاضرته الا ان فكرته عن الجمع بين الاسلوب الفني الحديث وبين استلهام الفن العراقي القديم والفن الاسلامي كانت نتيجة فترة طويلة مر بها وتمرس بقيمها، وهي المرحلة الاولى لاشتغاله في المتحف العراقي باشراف ساطع الحصري (1940-1945)، ثم المرحلة الثانية التي اكمل فيها دراسته الفنية في كلية السليد في انكلترا (1945-1949) وهي التي تعرّف فيها اكثر فاكثر على الفن الاوربي الحديث. اما بالنسبة لاعضاء الجماعة الاخرين فان وضوح الرؤية الجماعية لديهم يبدو حينما((اجتمعت الاسباب في يوم من عام 1951 لان نفاتح انا ومحمد الحسني جواد سليم بأهمية تأسيسها. (جماعة بغداد للفن الحديث)، وهو ما اقترحه جواد سليم نفسه..))(35).

    وفي بادئ الامر كنا على علم مسبق بأن جماعة الرواد كانت لها رؤيتها الخاصة، وانها تمثل مرحلة معينة من تطور الفن العراقي المعاصر- وهي مرحلة استلهام الاسلوب الاوربي الحديث، فكنا نحاول، انا  وجواد سليم احياناً، ان نتناول امكانيات الفنان العراقي عبر العصور في التعبير عن الشخصية الحضارية، وكان جواد من ناحية اصدقائه قد تناقش كما يبدو في الامر، وهو ما زين لجبرا ابراهيم جبرا وقحطان عبد الله عوني وآخرين المساهمة بالمعرض، اما انا ومحمد الحسني فلم نفلح في اقناع فاضل عباس ولا واحد من جماعة محمد حسني، وهكذا اقتصر معرضنا الاول على تلك المجموعة التي ذكرها نزار سليم في مؤلفه عن الفن العراقي المعاصر، وكانت التسمية (جماعة بغداد للفن الحديث) ملائمة لواقعنا تماماً.

    واغلب الظن ان جواد سليم كان ايضاً في تأسيس جماعة بغداد متنفسا له للتعبير عن شخصيته الفنية بحرية اكثر، فقد اشتركنا معه انا ومحمد الحسني ونحن بعد من طلابه، ولكن تلمذتنا كانت (مخضرمة)، فمحمد الحسني خريج فرع الرسم ومعروف بجماعته، وانا طالب ومدرّس في نفس الوقت. وقد بدأ الامر لاول وهلة على شيء من (الارتجال) في تجميع الجماعة، فلم نجد مغبة في ان تشوب اعمالنا بعض الشوائب، اذ ان من اصدقاء جواد الذين ضمن اشتراكهم في المعرض لم يكن هناك اكثر من ثلاثة او اربعة من الفنانين اما الباقون فكانوا من الهواة. اما محمد الحسني فقد عرض رسوماً سوريالية، وعرضت انا رسوماً تجريدية ذات اهتمامات زخرفية واخرى اسلامية، بل ان جواد سليم نفسه عرض اعمالاً تبدو فيها تأثيرات بيكاسوا واضحة، الى جانب تأثيرات جان ميرو. ومن هنا فان معرضنا لاقى معارضة شديدة فيها الكثير من الصحة، وكان لابد له من ضجة كي يؤتى أكلة في حينه، وقد ضمنا كل ذلك بواسطة البيان الاول، والمحاضرة عن موضوع التحديد في الرسم الحديث.

    والواقع ان جواد سليم تردد قبل قبوله تأسيس جماعة بغداد، لانه كما يتضح لي الان، ظل متردداً بين ان يبقى على انتمائه لجماعة الرواد مع احتفاظه برؤيته الشخصية التي كانت واضحة له في سياق الرؤية البدائية لفائق حسن، كمجرد تبسيط للعناصر الشكلية على اساس علمي اقتصادي، وبين ان يؤسس جماعة جديدة، ذات رؤية جديدة؟ والواقع انه ظل من خلال رؤيته الفردية رساماً ((مقتصداً في اللون والخط (يعني) بتحقيق مضمون يتداخل مع جوهر الانسان الاخلاقي واغلب رسومه محتفظة بمضمون واضح ..))(36)، كما ان طرحه المزدوج ما بين ان يرسم رسوماً تجريدية في اسلوبها واخرى تعنى بمبدأ محاكاة الطبيعة يشير الى ما نحن بصدده، لا سيما وان تحليلنا لاعماله الثانية يطلعنا على نوع من الطرح الاختزاليي، أي (الاقتصاد في التعبير بأقل الوسائل الممكنة عن اوسع معنىً.)  ففي عام 1953 مثلاً بالذات سيرسم جواد سليم لوحته (فلاح وقرينته) و (اطفال يلعبون) كما سيرسم (جامع الحيدر خانه). اما في اللوحتين الاوليين فهو تجريدي النزعة يحاول ان يستلهم القيم الحضارية العراقية القديمة، ويوحدها بالتقنية الاوربية الحديثة، واما اللوحة الاخرى فهو يحاول ان يقدم لنا لوحة انطباعية اجتهد فيها ان يقتصد في الالوان الى اقصى حد، كما اجتهد ايضاً ان يعبر عن واقعية المنظر الطبيعي العراقي.

    وفي عام 1955 نشر جبرا ابراهيم جبرا البيان الثاني للجماعة فجاء بمثابة الاختزال للبيان الاول وتاكيداً على ((.. استلهام الجو العراقي.. وتصوير حياة الناس في شكل جديد يحدده ادراكهم وملاحظتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد..، وخلق اشكال تضفي على الفن طابعاً خاصاً وشخصية متميزة..))(37)، الا انه اغفل الاشارة الى البيان الاول والى ما جاء فيه من تاكيد على حرية الفنان وعنايته بالجمهور. ويبدو انه اعتبر المرحلة السابقة المتقدمة على عام 1955 مرحلة تمهيدية ليست ذات شأن في (( الحركة التي نشطت بين عام 1951 و 1958، وجواد لولبها وسر وجودها.))(38) وقد فات بعض النقاد العراقيين او ممن كتب حول العمل الفني الحقيقة، ذلك ايضاً كأني في مقال لضياء العزاوي نشره عام 1975 جاء اول تقييم علمي مدون على قسط واف من الفهم لعظم المسؤولية التي أثارها وشخصها البيانان الاوليان للجماعة، وربما كان لثقافتة الاثارية سبب اساس في ذلك. كتب العزاوي بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث يقول ((أعلن بيانهم.. عن ولادة مفاهيم محددة منها (التاريخ الوطني)، (الشخصية المحلية)، (المنهج الجماعي). وفي واقع الامر كانت هذه المفاهيم وهي تدعم بانجازات واعية لشروطها الفكرية والفنية عاملاً ثقافياً ذا اهمية خاصة بما اثارته من صلة سببية بين (الانتماء التراثي) وبين(المسؤولية الحضارية)..))(39). في حين لم تشخص دراسة جبرا ابراهيم جبرا عام 1967 لفلسفة هذا الجانب بل اشارت الى الجانب الانساني فحسب. يقول المؤلف:- تألفت جماعة بغداد لتحاول.. ايجاد اسلوب عراقي لا تأخذ من قوته نظريات التبسيط والقول المباشر))(40)، والاشارة هنا لرؤية جماعة الرواد الموازية لجماعة بغداد ولـ ((..تصوير حياة الناس في شكل جديد، يحدده ادراكهم وملاحظاتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد..))(41). وكنت قد ذكرت انا باقتضاب عام 1973 ان ((النزعة الاجتماعية اصبحت واضحة في كيان جماعة بغداد للفن الحديث، ذلك ان الظروف التي مكنت من تأسيسها اخذت بنظر الاعتبار طرح المضمون الحضاري، وضمناً المضمون الاجتماعي، لمنح الاسلوب طابعه المحلي.. الخ))(42).

     وفي عام 1977 خاض سهيل سامي نادر مخاضته في النقد الفني بحماس حينما ذكر في مقالته بل دراسته (الرسم العراقي اليوم) (( ان الخط البغدادي التأسيسي كان يعاني من طهرانية تستشعر الكرامة والرد الثقافي وقوة المثل الجمالية اكثر من احساسه بمشكلة عينيه. و(انه) كان معنياً بالجميل والحضور الروحي اكثر من عنايته بالحياة ووضوح الموقف الفكري وكان لايني يصعد الفولكلور- بروح عاطفية- الى مستوى الرمز الغامض اضافة الى تجريدية قليلة الحذر وغير نقدية. هذا في الوقت الذي بدأ فنانون لم تكن لهم اية نزعة ثقافية واضحة او قضية غير الرسم في تطوير الاسلوبية وحسب من خلال (نزعة انتخابية) و(تلفيقية) وعلى حساب المضمون الفكري في كثير من الاحيان..))(43). ان سهيل سامي هذا كان يمهد لطرح وجهة نظر(تصورية) لواقع مسبق اراد ان يستقرأه في العمل الفني نفسه، ون هواجس الفنانين الشباب، ففاته ان المفهوم الحضاري في الفن لم يكن مجرد احالة كل شئ الى التراث الماضي كتحصيل حاصل للمشكلات التي صادفها الرسم العراقي حيث (( احيل كل شئ الى الحضارة بهذا الاسم العريض الذي لايعني شيئا، ولم يبق الا القليل للحياة المعاشة.))(44)** وسيقول عام 1977 عن جماعةبغداد باسم (الوعي الانتخابي)، او (( الرغبة (التي) ارادت ان تنشد فنا قوميا وطنيا يستلهم حضارة البلد القديمة ويمتلك حضورا واعيا أزاء البيئة ويدمج فن الرسم بثقافة ذات طابع قومي ووطني..))(45) مايلي:- ((احد هذه الاتجاهات الاساسية .. ارادتان تقوم بعملية شاملة .. عملية (تاويل) المحتوى الثقافي لفن الرسم بمجموعة وتاسيس اسلوب بالمعنى الموضوعي للكلمة..وكان يبتدى من داخل الرسم من خلال روح تجريبية، وكثيرا ماتحدث باسم قيم وانجازات غير شخصية:- قيم التراث والافكار وحالات النفس. لقد اول معنى الرسم بحيث اتخذ طابعا باطنيا وقد جر هذا التاويل كافة العناصر تقريبا: البناء والاسلوب واللون والخط ثم مفاهيم البيئة والمكان والتراث..))(46).وبالطبع فان الناقد هنا يحاول ان ينظر الى مهمة جماعة بغداد (الحضارية) من خلال منظوره النقدي الخاص فكانه كان ينفخ (ببوق) الجماعة ( البياني) متخذا من (الرؤية الجماعية) معنى العامل الايجابي للتواصل الى (الرؤيةالفردية) للفنان الواحد.. فالتاويل الذي كان يراه اذن هو البديل لمعنى ( الرؤية) عند الفنان، واي فنان حديث لم يؤول العالم العياني وفق منظوره الخاص؟ ولكن الناقد كان لايزال يجد في الرؤية الحضارية نوعا من التخلي او الانفصال عن الحاضر. فكان الفنان المولع باستلهام حضارته، وهي ظاهرة معروفة في الدول النامية لاسباب سيكلوجية وثقافية،يظل اقل واقعية من الفنان الذي يعمق وجوده الراهن بعصره فحسب. وفي رأي ان تجربة الفن الحديث في اساسها لا تكتمل دونما رحلة زمنية (من داخل فن الرسم) نحو كل من الماضي والمستقبل، وان معنى الواقعية الانية لم يعد استشراقاً للماضي او للمستقبل من موقع حاضر بل هو (حضور زماني فعلي) فيه، والا لما اينع الفن المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين ببعده الزمني (البعد الرابع العقلاني اولاً ثم الفعلي) من خلال الحركة والضوء والزمن. اما بالنسبة لمواطن الحضارات العريقة فان رحلة الفنان الزمنية ستكتمل بنيتها في (الحاضر) و(الماضي) و(المستقبل) على السواء. وكذلك فان الامر ليس هو (بالطابع الباطني) الذي سيقابل (الطابع الظاهري) من الطرف المقابل، فالبحث في (حضارية) العمل الفني يمكن ان يتكون ويتطور في كيان واقعية الطرح الفني، لانه ليس اكثر من اكتشاف الوجه الثاني من العملة، أي اكتشاف البعد الرابع للمضمون الفني نضير البعد الرابع للشكل الفني.

    وفي عام 1971 نظم جماعة بغداد معرضاً فنياً لهم بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس الجماعة، وطبعوا دليلاً انيقاً احتوى بالاضافة الى اسماء الرسامين والنحاتين المشتركين في المعرض ولوحاتهم على نص البيان الثاني لعام 1956 ومحاضرة جواد سليم الشهيرة لعام 1951. وكان عدد اللوحات المعروضة (122) لوحة اما المنحوتات فعددها (34) تمثالاً، واما المشتركون فكانوا حسب تسلسل الحروف الابجدية: جبرا ابراهيم جبرا، خالد الرحال، رسول علوان، شاكر حسن آل سعيد، طارق مظلوم، علي الشعلان، فاضل عباس، فرج عبو، قحطان عوني، لورنا سليم، نزار سليم، نزيهة سليم، محمد الحسني من الرسامين. وقد اشترك من النحاتين خليل الورد، ومحمد غني، وميران السعدي، وكذلك محمد الحسني. كما تراوحت تواريخ المعروضات عموماً بين 1951 و1971، أي ان المعرض جاء ممثلاً لخلاصة جهود الجماعة خلال عشرين عاماً والذين لم يصدروا بياناً جديداً الا بعد ثلاثة اعوام وذلك حينما فكروا في ضم عناصر جديدة اليهم. وقد كتبت انا هذا البيان ونشر نزار سليم طرفاً منه في دليل المعرض لعام 1975 جاء فيه: ((.. وهكذا نعلن مجدداً ما يلي:-

1- تثبت موقفنا السابق في التعبير عن الطابع المحلي بواسطة الاساليب العالمية الحديثة.

2- الاهتمام بتوعية الجمهور الفني بالشكل الذي يوضح موقفنا الفكري ومسؤوليتنا الجماعية.

3- نعترف بضرورة ضم عناصر فنية وفكرية جديدة وشابة لجماعتنا.

4- ممارسة التوعية المتكاملة ما بين الفنون الاخرى بالاضافة للفنون التشكيلية ضمن اطار الجماعة.

5- ممارسة التوعية النظرية للجماعة بالاضافة للطرح الفني من قبل الناقد او المؤرخ المنتسب للجماعة. وفي هذا السياق نعترف بأهمية التسمي بعضوية الجماعة عند النشر،  وبأهمية طبع منشورات وكتب باسم الجماعة))(47).

  على ان هذا البيان او المشروع لبيان جديد لم يتبعه أي نشاط ملحوظ، اما المعرض نفسه فقد من الفنانين الجدد ابراهيم العبدلي ومحمد عارف، كما تخلف عنه (جبرا ابراهيم جبرا ولورنا سليم وفاضل عباس وعلي الشعلان) بصورة تكاد ان تكون نهائية. والظاهر ان نشاط الجماعة بعد هذا المعرض بدأ بالفتور، بمقدار ما انتشرت رؤيتها بين الفنانين العراقيين بشكل عام حتى لقد بدأ الكل يرسم باسم التراث والمعاصرة وهما تسميتان ظهرتا بوضوح في الاوساط الفكرية والنقدية في العراق وقتئذ، وكانت قد انبثقت عام 1973 في المؤتمر الاول للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب. وقد ورد في كلمة الافتتاح التي اناب السيد رئيس الجمهورية السيد وزير الاعلام بالقائها، هذه العبارة والتي لها جذر راسخ في فكر الجماعة:- ((.. حين نقول ان العراق مهد الحضارة الانسانية يتضمن هذا القول انه مهد الفن ايضاً لان الحضارة والفن توأمان ))(48). اذن فالايمان بان الفن والحضارة توأمان هو من اهم الاسباب التي دفعت جماعة بغداد منذ الخمسينات للبحث عن ملامح مدرسة عربية معاصرة .

نشاط الجماعة من خلال معارضها:

منذ عام 1951 حرصت جماعة بغداد للفن الحديث على الالتزام بمبادئها، الا ان التكامل في البحث الفني لم يكن واضحاً، ومن هنا فقد طغت ظاهرة استخدام الاسلوب الحديث في الرسم على استلهام الطابع الحضاري فيه، وهذا ما حدا ببعض المثقفين من الجمهور الى نقد المعرض او تقريضه من منطلق (حداثة) التعبير الفني وليس (حضاريته). ذكر عدنان الراوي في مقال له نشره في جريدة الاراء ((ان المذهب الذي يتغلغل في اعماقنا هو مذهب الفن للحياة لا مذهب الفن للفن.. وواقعنا الحاضر يتطلب منا جهوداً جبارة الى خلق جو يلائم الجو الذي يعيش فيه اصحاب  معرض الفن الحديث.. وحتى في فرنسا فان هذا المذهب الحديث لم يجد تشجيعاً كافياً مع ان نسبة الثقافة بيننا وبين فرنسا بعيدة جداً..))(49).

     وقد جاء ردي عليه بقولي: ((..ان هذا المعرض يا عزيزي الناقد من ارقى المعارض الفنية التي اقيمت في بغداد حتى الان))(50). كما جاء رد خليل الشابندر كما يلي: (( .. كنت اتمنى ان أقرأ نقداً في مقال السيد عدنان الراوي عما اسماه معرض العبث الحديث فلم احظ بسوى تهجم مر وبعض الاحكام الخاطئة..))(51)، مما يدل على ان الجمهور العراقي كان مهتما كل الاهتمام بالمعرض. وكان ممن كتبوا ايضاً الناقد احمد قطان وفي جريدة صدى الاهالي معاتباً بعض الذين هاجموا المعرض بقوله: ((.. لماذا يثور البعض حين يتقدم الفنان الحديث الى مواطنيه بجهود المبنية على تجاربه التي انفق فيها الجهد الكبير، فيتهم بشتى التهم والنعوت..؟))(52). واخيراً حاولت انا بدوري ان ارد عن المعرض بمقال نشرته في جريدة الاراء.

     والواقع ان جماعة بغداد للفن الحديث جوبهت في بداية الامر بمعارضة شديدة من قبل فئة من الجمهور المثقف، وباسم التعبير عن الفن الطبيعي او المعبر عن الحياة، والذي يستطيع ان يفهمه الجمهور، الا انها ايضاً حازت على تأييد واهتمام بالغين من قبل فئة اخرى اكثر تمرساً بتذوق العمل الفني، وهذه الفئة هي التي اصبحت نواة فيما بعد لما يمكن تسمية بالجمهور العراقي، من حيث احساسه بكيانه الذاتي وليس مجرد كونه جزءً من الجمهور الاوربي بحكم ثقافته او حماسه للتظاهر بتلك الثقافة الغربية {هو الذي ينتمي في واقع الامر الى ثقافته المحلية بجميع ابعادها الحضارية والاجتماعية} مسألة والطرح الفني الذي دأب على فرضه من قبل الجماعة مسألة اخرى. أي اننا الان ازاء نسق من المعارض الفنية لبعض الفنانين لابد لنا من متابعة تطورها.

    في المعرض الاول للجماعة عام 1951 كانت التأثيرات الاوربية والعربية، {أي الرافدينية القديمة والاسلامية}، واضحة في اعمال اهم المشتركين من الفنانين المحترفين، وهم كل من جواد سليم ولورنا سليم ومحمود صبري وجبرا ابراهيم جبرا ومحمد الحسني وكاتب هذه السطور، اما الاخرون فكانوا ما بين رسام هاو او اجنبي، في حين اصبح المعرض الثالث لعام 1954 اكثر تماسكاً، اذ اقتصر على الفنانين المحترفين فحسب، بل وان المعرض احتوى على رسامين ونحاتين في آن واحد، فقد عرض من الرسامين: بوغوص بابلانيان وجبرا ابراهيم جبرا ورسول علوان وعلي الشعلان ولورنا سليم وفاضل عباس ونزيهة سليم وفرج عبو وقحطان عوني (وكان رساماً ومعمارياً في نفس الوقت)، في حين عرض من النحاتين: خالد الرحال وخليل الورد، بينما كان كل من محمد غني حكمت وجواد سليم وطارق مظلوم قد  عرضا رسوماً ومنحوتات في آن واحد. على اننا لو استعرضنا المواضيع الفنية التي استأثرت بلب المشتركين في المعرض واساليبها لوجدنا انها تدور حول الحياة الشعبية من جهة، والمناظر الطبيعية والجماد، وبعض الصور الشخصية من جهة اخرى، كما انها كانت منطوية على محاولات متفاوتة في اضفاء الطابع المحلي على العمل الفني. وفي هذا المعرض بالذات عرض جواد سليم اهم لوحاته الفنية وهي (لعب الاطفال)، وكذلك لوحة (رجل وامرأة)، كما عرضت انا لوحتي (زين العابدين) و(الفلاحون والقمر). بل ان ما اضفي على المعرض اهميته التاريخية اكثر فأكثر ان تعرض فيه لاول مرة منحوتة جواد سليم الشهيرة (الامومة)(53).

    وبعد رحيل جواد سليم الابدي الى رحمة الله لا نستطيع ان نبين ذلك الحماس القديم نحو الموضوع الشعبي والاسلوب الملتاع من اجل الابداع الا في نزر قليل من الامثلة: (أم العباية) لمحمد الحسني، و (عباءة رقم 1) او (عائلة كبيرة) لمحمد غني، و(أبو الركي) لفرج عبو، و(قبة القاسم) لفاضل عباس. على ان ذلك كان كفيلاً حقاً لان يرسم مصير طرح جماعي اصبح اكثر ملائمة لان يصبح طرحاً فردياً فيما بعد. ومع ان البيان الثاني الذي دونه جبرا ابراهيم جبرا الان كان يعبر بدقة عن المسؤولية التي بدأ ينوء تحتها فنانو الجماعة، الا انها كانت مع ذلك تبدو اقرب الى الحكاية التي فقدت سحرها في النفوس، وهو بيان تنظيري وليس شاهدا فنياً من الشواهد المعروضة (54).

    ويظل التارجح، ما بين اعتبار الجماعة مسرحا للتعبير عن فكرة تبحث عن (طراز) لها في التعبير الفني وما بين كونها مجرد مناسبة لعرض اعمال حديثة ذات مستوى معين في التوصل الى الابداع، ماثلاً خلال جميع المعارض (الستينية) للجماعة. ولعل عام 1964 كان يعتبر فاتحة لمثل هذه الازدواجية في الطرح، اذ اننا سنجد أن من بين خمسة عشر رساماً ونحاتاً ومصوراً فوتوغرافي واحد يظل ثلاث نحاتين ورسام واحد فقط يبحثون عن ملامح واسلوب عراقي يجمع ما بين التقنية الحديثة والروح المحلية. فمحمد غني سيوغل في اسلوبه المستلهم من الاقواس المعمارية الاسلامية والمواضيع الشعبية، وعبد الرحمن الكيلاني سينحت (الساس) و (الطابك) كمواضيع صراع شعبية حتى بأسمائها مثلما هي منطوية على فكرة التماثل، اما خليل الورد فسوف يعمق اهتماماته بالتقنية الشعبية (البدائية) يصبها على مواضيع الصور الشخصية لنساء ورجال بسطاء بازيائهم المحلية. اما من الرسامين فلم يعمق من بحثه الاسلوبي نحو ما هو اكثر اشراقاً لطابعه الرافدي سوى لورنا سليم التي استهوتها، كما يبدو، (تكراريات) الشرفات المطلة على شوارع بغداد القديمة وقباب جوامعها، وما عدا فاضل عباس الذي استطاع بالحاحه ان يكون له اسلوباً انطباعياً محلياً(55).

    في منتصف السينات اتضح ان جماعة بغداد لم تعد كالسابق، اهلاً للتعبير عن موقف جماعي، وانها تمر بأزمة فكر انساني يعاني تطلعاً جديداً نحو مصادر البحث العالمي، ذلك ان جيل الخمسينات كان جيلاً (منطقياً)أما متطلبات فترة الستينات فقد اصبحت اقل اهتماماً بالمنطق واكثر تجاوباً مع (التجربة العملية)، وعلى الرغم من ان جبرا ايراهيم جبرا في دراسته القيمة لفن النحات محمد غني، تلك التي نشرها في آخر فصول كتابه الرحلة الثامنة عام 1967، كان على وعي مسبق واحساس دفين بأمكانية استمرار منظور الخمسينات لدى شباب ((كانوا اعقل من ان يتكلموا عن (احياء) تقليد ميت شأنه شأن الكثير مما مات اثناء الضمور الفكري والتعبيري خلال القرون التي مرت منذ سقوط بغداد على يد هولاكو، غير انهم تكلموا عن (الاستمرارية) وعن (العراقية) وعن وجود مرجع ما يطمئنون اليه..))(56)  فانه كان قبل ذلك قد اضطر الى تشخيص نوع من الازمة الذاتية لكل فنان وعليه ان يظل ((في عبور مستمر للتوترات وتغلب وتجدد، وان يكن تغلبا غير تام على نزوات القلق))(57)، ثم انتهى عام 1962 الى ان الفنانين في العراق ((يجدون انفسهم... في فترة من الهدوء النسبي الذي يتلو فترة الاثارة الاولى))(58) في حين كان محمد غني في نفس الوقت يرى باصرار ان الازمة الحقيقية والعامة هي ازمة جذرية ((تبدأ من تلاميذ المدرسة الابتدائية ومن مجتمعنا الذي تعوزه الثقافة الفنية وقلة نشاط الجماعات العاملة في عراقنا))، بينما كان علي الشعلان يجدها في ان يكتشف الفنان نفسه (( مقطوعا عن تراثه الذي يستقي منه عادة في البلدان المختلفة..)). وبأختصار،  فان (مناخ) فترة الستينات لم يعد ليلائم فكر الخمسينات وهو ما انعكس فيما بعد على موقف جماعة بغداد التي حاولت في فترتها الثانية في الستينات والسبعينات دون جدوى ان تتماسك كمجرد جماعة، لان عصر تكون الجماعة الفنية كان قد ولى، ولم تعد سوى هيكل خارجي تضم حفنة من الاصدقاء فحسب، ذلك لان عصر مرحلة الستينات في العراق، وخاصة بعد التحول السياسي والاجتماعي الحاسم عقب ثورة عبد الكريم قاسم عام 1958 والاطاحة بالحكم الملكي الذي غيّر من ميزان القوى الفكرية، ولم يعد الفنان العراقي ليظطلع كما كان الامر سابقاً بدور (الوصاية) على المستوى الذوقي للجمهور بمقدار ما كان لا يزال يجد في امكانة  القدرة على تحمل مسؤولية استلهام التراث. فالدولة هي التي ستأخذ عاتقها الان كل ذلك، ومن هنا فلن يقتصر نشاط الجماعة على مجرد تكوين فرصة زمانية ومكانية للظهور امام الجمهور، والفنان بعد ان وضع ثقته في الدولة بدأ بفصد طاقاته الفردية بشكل اكثر مسايرة للتطور العالمي المتسارع من ذي قبل. على ان لهذا الموقف الاخر، أي الفردي، جذوره واشكاله التي سبقت ظهور الجماعات الفنية في فترة الاربعينات والخمسينات.

 

 

جماعة بغداد في الفن الحديث في معرضهم الثاني عام 1953- 1954 يحيطون بجواد سليم وهم من اليمين كل من رسول علوان وشاكر حسن .ال سعيد ونزيهة سليم ومحمد غني فجواد سليم، واخيرا زوجة الفنان: لورنا سليم
(ويبدو في الصورة جانب من اللوحات المعروضة في القاعة الرئيسية لمعهد الفنون الجميلة بناية محلة الكسرة)
.في صوب الرصافة من بغداد

 

1)،(2) جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة، بيرت 1967 ص 195

(3) فيصل عبد الحسين الياسري: الصحافة العراقية والحركة الوطنية، بغداد 1978، ص 142- 134

(4) نفس المصدر السابق

(5) نفس المصدر السابق

(6) نفس المصدر السابق

(7) جواد سليم: جريدة صوت الاهالي عدد (419) لسنة 1951

(8) نفس المصدر والمؤلف

(9) صفحة الاخبار الادبية (مشكور الاسدي): جريدة الاخبار عدد (3704) بتاريخ 21 اذار 1953

(10) جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة، بيروت 1967، ص 198- 199

(11) نوري الراوي: جريدة اليقظة (571) لسنة 1956، بوادر الثورة الاسلوبية في الفن العراقي: اكرم شكري ودعاة (اعتدالية الطفرة)

(12) نزار سليم: الفن العراقي المعاصر. ايطاليا 1977، ص99

(13) نفس المصدر والمؤلف، ص 103

(14) ، (15) الاداب تستفتى: الفن والحياة العربية: اسماعيل الشيخلي: مجلة الاداب ع (1) لسنة 1956، ص7.

(16) نفس المصدر السابق، ص8

(17) محمود صبري: مجلة الاداب ع (1) لسنة 1956. مشكلة الرسم العراقي المعاصر، ص69.

(18) نزار سليم: الفن العراقي المعاصر. ايطاليا 1977 ص101.

وقد القى جواد سليم محاضرته بتاريخ 28 نيسان 1951 يوم السبت بعد الظهر في الساعة الخامسة والنصف كما جاء في الاعلان المنشور في احدى الجرائد اليومية، عن الارشيف، ملف عبد الرحمن الكيلاني.

(19)، (20) جواد سليم: مجلة الاداب عدد(1) لسنة 1956. الاداب تستفتى في الفن والحياة العربية ص7.

(21) شاكر حسن آل سعيد: ذكريات غير منشورة (مخطوطة).

(22) رسالة من جواد سليم الى عبد الرحمن الكيلاني بتاريخ 19-3-1953  معنونة الى مدينة لندن/ راجع ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية، ملف جواد سليم

(23) نزار سليم: الفن المعاصر: ايطاليا 1977 ص 102.

(24) نفس المصدر السابق، ص 103.

(25) عادل كامل: مجلة الاقلام: عدد (6) لسنة 1978، ص 29.

(26)، (27) ضياء العزاوي: جريدة الجمهورية عدد 1432 لسنة 1972.

(28) النص الكامل للبيان الاول.

(29) ملخص محاضرة جواد سليم (التجديد في الرسم الحديث) المنشورة في جريدة صدى الاهالي/ عدد 419 لسنة 1951/ في النص الاصلي (تفرض ارادتها عليك) كعبارة/ راجع سليم لجبرا ابراهيم جبرا/ بغداد 1974 ص 193

(30) النص الكامل للبيان الاول/ المصدر السابق

(31) نص محاضرة جواد سليم (التجديد في الرسم الحديث) المصدر السابق.

(32) النص الكامل للبيان الاول لجماعة بغداد للفن الحديث.

(33) نفس المصدر السابق.

(34) ضياء العزاوي: جريدة الجمهورية (1432) 1972.

(*) لنا عودة الى مناقشة ذلك في فصل تال.

(35) شاكر حسن آل سعيد: مجلة آفاق عربية عدد (2) لسنة 1978/ ص 99

وكان من الممكن ان يقتصر تأسيس الجماعة على مجرد التفكير بانجاز معرض فني دونما اهتمام بالتسمية او كتابة بيان او القاء محاضرة لو لم يكن في الامر اهتمام مسبق ومشترك بالفكر الجماعي، وعلى مستوى الاحتراف لا الهواية.

(36) شوكة الربيعي: جريدة الجمهورية 23-1-1976، الارشيف التشكيلي، دائرة الفنون/ ملف جواد سليم.

(37) راجع نزار سليم: الفن العراقي المعاصر ص 103، كذلك دليل المعرض السابع لعام 1964 وفيه اعادة لنفس البيان، الارشيف التشكيلي، دائرة الفنون التشكيلية، وزارة الاعلام/ ملف جماعة بغداد للفن الحديث.

(38) جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة، بيروت 1967، ص199.

(39) ضياء العزاوي: جريدة الجمهورية، عدد (2338) لسنة 1975، جماعة بغداد بعد العشرين عاماً.

(40)، (41) جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة ص199.

(42) شاكر حسن آل سعيد: البيانات الفنية في العراق، بغداد 1973/ ص9.

(43)، (44) سهيل سامي نادر: آفاق عربية عدد (1) لسنة 1975/ ص 136.

(* *) على حد قول سهيل سامي نفسه.

(45)، (46) سهيل سامي نادر: جريدة الجمهورية عدد (2966) بتاريخ 24-5-1977.

(47) النص الكامل للبيان الثالث للجماعة، مخطوطة من المجموعة الشخصية. الارشيف التشكيلي (دائرة الفنون التشكيلية)

(48) كتاب المؤتمر الاول لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب، ص 28.

(49) عدنان الراوي: في ساحة المعرض: جريدة الاراء: لسنة 1951.

(50)، (51) خليل الشابندر: جريدة الاراء (18) بتاريخ 23-4-1951.

 (52) احمد قطان:  جريدة صدى الاهالي عدد (479) بتاريخ 12-4-1951.

(53) دليل المعرض الثالث لجماعة بغداد للفن الحديث 17-23 كانون اول 1954، قاعة المعارض في معهد الفنون الجميلة.

(54) دليل المعرض السابع لجماعة بغداد للفن الحديث 6-15-نيسان 1964، قاعة متحف الفن الحديث (بناية كولبنكيان).

(55) دليل المعرض الثامن 5-11 نيسان 1965،قاعة متحف الفن الحديث.

(56) جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة/ بيروت 1967/ ص 238.

(57) جبرا ابراهيم جبرا: جريدة الاخبار/ تاريخ 14 تشرين اول 1962.

(58) نفس المصدر السابق.

 

 

جواد سليم / امومة / تمثال من الخشب

 

 

عائلة / جبرا ابراهيم جبرا

رجوع
   

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005