جمعية اصدقاء الفن وظرف الحرب العالمية الثانية

 
 

كان للعراقيين سابقة قريبة الامد بالفن في مجال تأسيس الجمعيات السياسية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وخاصة ثورة العشرين. فقد حاولوا ذلك ضد الاتراك العثمانيين، بعد ان لجأ هؤلاء الى سياسة التتريك، كما حاولوه ايضاً في فترة احتلال البرطانيين للعراق،(1) فأصبح انتقال ذلك الى الصعيد الثقافي والفني امراً طبيعاً، منذ مطلع الاربعينات، لاسيما وان تأسيس معهد فنون الجميلة في عام 1936، كمعهد للموسيقى، ثم تطويره في عام 1940، ليكون شاملاً لمعظم الفنون الجميلة اصبح السبب المؤثر في ذلك. أي في مجال تأسيس الجماعات الفنية، لأنه يقضي على عزلة الفنان في عمله الفني.

    وكان اكرم شكري، بعد عودته من لندن في عام 1931 قد تشبع كما يظهر بفكرة العمل لتكوين جماعة فنية، اسوة بالفنانين الاوربين الذين اهتموا منذ بداية القرن العشرين بذلك، وربما كانت حياة الرسامين البولنديين الذين تأثر بهم اثناء تواجدهم في العراق خلال ظروف الحرب العالمية الثانية مثلاً واضحا لهم. وكان فائق حسن عام 37/1938 قد عمل مباشرة بعد عودته من باريس على الرسم في ضواحي بغداد برفقة عيسى حنا، ثم التفت حوله تلك المجموعة من الشباب المثقفين المعجبين بفنه:ـ

جماعة البدائيين فيما بعد. وهكذا مهدت هذه المحاولات الصغيرة لتبلور فكرة جمعية اصدقاء الفن في عام 1941. أي ان هذه الجمعية لم تظهر دفعة واحدة دونما سابقا أنذار بل سبقتها محاولات اولية لتجمع الفني. على انها ظهرت بلا شك كرغبة عامة للفنانين العراقيين بضرورة توحيد كلمتهم. وهذا ماحقق لها النجاح فيما بعد(2).

    على ان الجمعية اصدقاء الفن مع ذلك تعتبر تحقيقاً لآراء اكرم شكري، اقدم مبعوث عراقي للدراسة في احد معاهد اوربا بعد ظهور الحكم الملكي في العراق. وكانت بعض المنافسة قد نشبت بينه وبين فائق حسن وحافظ الدروبي لاقتسام مسؤولية تزعم الحركة الفنية كما يبدو. ونحن نلمس ذلك في انفراد فائق حسن في التدريس في معهد الفنون الجميلة والتفاف شباب الفنانين وطلاب الفن حوله، كما نلمسه في مغامرة حافظ الدروبي لافتتاح المرسم الحر، لكنه سرعان ماتخلى عن مرسمه للجمعية نفسها، والمرسم الحر كان بدوره مدرسة اهلية لتدريس الرسم والنحت فتشبع به طموح الدروبي في تبني الحركة الفنية الناشئة.* وهنا جاء دور اكرم شكري في ان يدلو بدلوه فحرص على تكوين جمعية فنية تضم الفنانين ومحبي الفن في آن واحد. يذكر فرج عبو في معرض ذكرياته عن جمعية اصدقاء الفن انه انتمى الى الجمعية في عام 1944 وكان يشهد باستمرار نقاشاً بين حافظ الدروبي واكرم شكري من جهة وجواد سليم وعطا صبري من جهة اخرى، من أجل السيطرة عليها.(3) ويؤيد ذلك ما جاء برسالة بعثها جميل حمودي الى الهيئة الادارية ينوه فيها "بالتمزق والتباعد بين اعضاء الجمعية الذي تخلقه النزعات الشخصية التافهة.."(4). أي ان جمعية اصدقاء الفن بعد اربع سنوات. من نشأتها كانت تشهد صراعاً محتدماً بين اعضائها. وفي رأيي ان المنافشة بين الفنانين لم تكن لتتطور لولا بدايتها منذ أول تأسيسها. وهي في جميع الاحوال ظاهرة طبيعية وايجابية لتطور الفن العراقي وحافز على الابداع في مضماره.

    وعلى كل فان أصدقاء الفن نشأت اول مرة الامر (كفكرة) كانت تراود اذهان لفيف من الفنانين وبعض المعجبين بهم من المثقفين، كانوا يلتقون للنقاش والحوار في دار اكرم شكري حيناً وفي مرسم الدروبي الحر حيناً آخر.(5) مثلما اقترنت باجتماعات أخرى عقدت في نادي المعلمين في محلة السيد سلطان علي كان يحضرها عدا الرسامين حقي الشبلي رائد المسرح العراقي. وكان الحوار حينئذ يدور حول امكانية تأسيس كيان للفنانين العراقيين عامة، ومعترف به ثقافياً، وذلك أسوة بوجود(الاكاديمي جوليان)في باريس(6).

   ثم تبلورت فكرة اصدقاء الفن أخيراً بشكل جمعية للفنون التشكيلية ومحبي الفنون. وهكذا تقدم كل من أكرم شكري وعيسى حنا وكريم مجيد الى وزارة الداخلية بطلب لتأسيس الجمعية(7). وفي تاريخ 7 /1/ 1941 تمت الموافقة رسميا على ذلك، كما تم اجتماع الهيئة العامة وانتخاب الهيئة الادارية بموجب المادة الرابعة من نظام الجمعية الاساس يوم الاربعاء الموافق 26/2/1941، في الساعة الثامنة والنصف دار السيد أكرم شكري(8)، أي بعد مرور الوقت الكافي للتحضير. وقد فاز نتيجة الانتخاب بعضوية الهيئة الادارية عطا صبري وجواد سليم في حين اصبح رئيساً للهيئة الادارية أكرم شكري كما أصبح سكرتيرا الحاج سعاد سليم، كما اصبح عيسى أمينا للصندوق. والواقع ان ظهور جمعية اصدقاء الفن بجهود بضعة انفار من الفنانين، وربما، بتشجيع من قبل بعض المثقفين يدل على الحاجة اللمحة التي اقتضتها ظروف المثقف العراقي في بداية الحرب العالمية الثانية. المتحفزة للازدهار، والمهيئة للتبادل. فعند دراستنا لاحدى محاضر جلسات الهيئة الادارية عند اول تأسيس الجمعية يتضح لنا عظم المجهود الذي كان يبذل من قبل الفنان العراقي من أجل ايصال الفن التشكيلي الى مستواه الطبيعي وما هو في الواقع الا صورة لمستوى العراقي نفسه.

    يقوم اكرم شكري في احدى محاضر جلسات الهيئة الادارية للجمعية "في العراق اليوم حركة فنية نشيطة جدا ولكني لااعتقد ان هناك مدرسة عراقية اوطابع عرقي، فالطابع الفني او الشخصي للحركة الفنية لايتكامل الا اذا تكاملت شخصية ذلك المجتمع الذي ينمو فيه الفن. ولو صح هذا التعبير فيمكنني ان اضع سنّة هي ان شخصية الفن لابد ان تتبع تكامل شخصية المجتمع، وبديهي ان شخصية المجتمع العراقي في بداية التبلور كالفن العراقي"(9).

   كانت جمعية اصدقاء الفن في الواقع ثمرة نهضة سريعة لم تستغرق أكثر من عشر سنوات على مستوى التعليم الفني بمعناه المدرس. فما بعد المعرض الصناعي الزراعي عام 1932 داب جيل الثلاثينيات من مدرسي الرسم في المدارس الابتدائية والثانوية وعلى رأسهم شوكة الخفاف في الدعوة للرسم المدرسي بالتخلص من مبدأ (الامشق). (10) والتحول الى الرسم عن الواقع المرئي. وفي عام 1932 أكمل أول مبعوث عراقي دراسته المدرسية في أحد المعاهد الاوربية في لندن، وهذا المبعوث وهو أكرم شكري. وفي عام 1938 أكمل فائق دراسته في باريس (معهد البوزار) ومارس تدريس الرسم بكل موضوعية في دار المعلمين الابتدائية ثم في مدرستين من مستوى الدارسة الثانوية. وفي عام 1940 اسس معهد الفنون الجميلة كاعتراف صريح بأهمية تدريس الرسم والنحت دراسة اختصاص وعلى مستوى الدراسة الثانوية. وفي عام1945 تخرجت اول دورة من طلاب معهد الفنون الجميلة. فنحن نفهم من هذا كله أن تأسيس جمعية اصدقاء الفن منسجما مع اتساع موجة العمل الفني بصورة تدريجية وسريعة نسبيا.(11)

       من هنا فظهورها يعزى أيضا الى مدى شعور الفنانين العراقيين بمصلحتهم كمجموعة من المتخصصين او على الاقل العاملين في الحقل الفني، وبهذا المعنى أيضا يمكن تفسير حماس البعض، قبل ظهور معهد الفنون الجميلة نفسه، الى تأسيسه حينما يقول:" لما لم يكن لدينا معهد لتدريس الفن فكرت أن تكون عندنا جمعية فنية"(12)أي جمعية تضمن تخريج الفنانين المتخصصين وليس كما كان الامر سائدا، وهو الاعتماد على المجهود الذي يبذله مدرسو الرسم في المدارس الابتدائية والثانوية على اكتشاف قابليات طلابهم.

    ومن ناحية أخرى يعزى ظهورها الى كونه انعكاسا طبيعيا وموازيا لتبلور الوعي الاجتماعي والسياسي في البلاد(13). فقد اسست عام 1941 أي في الوقت الذي أخذ فيه الشعور القومي بالوضوح ولم تعد القناعة بالرضوخ لاهواء الدولة الحليفة بريطانيا ليعبر عن معنى الاستقلال الحقيقي. فهذه الاعوام ما بين تأسيس المعهد الموسيقي عام 1936، كأول مؤسسة فنية تعنى بتعليم الفن على اصول مدرسية وتأسيس جمعية اصدقاء الفن، شهد العراق بوضوح تفاقم الوعي السياسي، أي(منذ انقلاب بكرصدقي وحكومة حكمت سليمان عام 1936 وحتى حركة مايس وحكومة رشيد عالي الكيلاني عام 1941). ويبدو ان تطابق التطور الفني كان بهذا الشكل الدقيق وبصورة لا واعية ينم عن مدى صدق نوايا القوم، وتطلعهم بحماس نحو الحلول الفضلى. وقد حدثني عيسى حنا عن صدفة نادرة جمعته عام 1936 وبكر صدقي المذكور قبل ان يدبرانقلابه، وقد كشفت تلك الصدفة عن أن بكر صدقي نفسه كان رساما هاويا، وقد وعد وقتئذ عيسى حنا بمنحه فرصة السفر الى احد المعاهد الاوربية للتخصص بالرسم، وهذه الرواية رغم كل شيء تدل على مدى وضوح أهمية العمل الفني في اذهان القادة والزعماء وقتئذ.

    نستطيع ان نستنتج أيضا ان ماساعد على بقاء الجمعية فعلاً احتلال العراق من قبل برطانية عام 1941 بالذات، أي بعد فشل حركة مايس هو تشجيع الانكليز أنفسهم للفن والفنانين الهاءً لهم.

   ويروي لنا عطا صبري في مذكراته عن حركة مايس التي كادت أن تعصف به كما عصفت بالمربي الكبير ساطع الحصري واضطرته الى النزوح عن العراق(14). ان الخبير والمستشار السياسي المنقب ستن لويد نصحه في مقابلة شخصية له وقتئذ قائلاً :( انك رسام وفنان فاترك السياسة ولا تدوخ راسك بها، وانصرف الى عملك الفني) "15". بل ان معرض الجمعية في عام 1943 تم في قاعة المعهد الثقافي البريطاني نفسه وكانت الجمعية قد لاقت ترحيبا حار من قبل المركز المذكور وقد جاء في مقدمة دليل المعرض الثالث هذا الذي كان مدونا باللغة الانكليزية (ان الجمعية التي اسست عام 1940 كانت بمثابة اول حوار بين الفنانين من أجل خلق اهتماماتهم بالفن .. انها تتجه باعضاء الجمعية نحو التقدم والثقافة الوطنية)"16". ومهما يكون من امر فالذي يبدو هو ان الفنان العراقي الذي عبأ قابلياته وقتئذ كان ينام بعين نصف مغمضة. وقد دون جواد سليم في بعض رسائله، بل واوضح الى حد بعيد ذلك حينما اشار: (خلال هذه الاربع سنين التي وقفت فيها باريس واوربا عن العمل الجميل لم تقف بغداد عن العمل، كانت تعمل ببطء وصمت، كانت فقيرة جاهلة ولكنها كانت تشتغل خلال هذه الفترة من الاربع سنين او الخمس فانشيء اول معهد للفنون وفتح اول منحت حكومي للرسم والنحت وابتدأت اول حركة قوية ومباركة في مضمار المسرح والموسيقى الكلاسيكية والوطنية. كانوا قلائل تحدق بهم المصاعب من كل جانب من عملهم الابداعي وتهيئة الجمهور للفهم والتذوق ..)"17"وهؤلاء القلائل الذين يشير اليهم جواد سليم، أي الفنانون العراقيون الشباب من جيل المبعوثين الاوائل وبعض مدرسي الفن القدماء وطلاب معهد الفنون الجميلة وبعض هواة الرسم،  كانوا جميعهم تقريبا ينتمون لاصدقاء الفن ويساهمون بمعارضها.

   وفي اعتقادي ان الجمعية، بعد أن لمست من المركز الثقافي البرطاني تعاطفه لم يرفضوا ذلك، واستثمروا هذا التعاطف معهم اول الامر، بيد انهم ظلوا حذرين فلم يربطوا مصيرهم بمصير المركز أبدا لكن الفنانين العراقيين، في الجمعية، والذين درسوا في لندن وهم عطا صبري وحافظ الدروبي واكرم شكري وجواد سليم كانوا ملزمين بالاشتراك في معارض اقامها المركز لاسباب أدبية وثقافية، فعرضوا فيه اكثر من مرة.

    ويجيء أخير دور الفنانين البولنديين في تحفيز الجمعية على العمل الفني، وهو دور ثانوي وغير مباشر، ذلك ان اقطاب الجمعية أنفسهم بعد احتكاكهم بالبولنديين أصبحوا من المستفيدين بتجاربهم. ويوضح ذلك فائق حسن في حوار له مسجل صوتيا بتاريخ 24/2/1973(مجموعة دائرة الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة والاعلام)، فهو يعترف ان البولنديين حفزوه على تجاوز بعض الصعوبات في التحول من المبدأ المدرس في الرسم الى المبدأ الحديث. مع ان بذور هذا التحول كانت كافية لديه منذ ايام الدراسة في (البوزار) بباريس. (فالحركة .. كانت مقتصرة على الاساليب الاكاديمية، وحينما وصل هؤلاء غيروا المفاهيم وأبعدونا عن الطرق الاكاديمية، وكان ذلك ضرورة لان بقاءنا على تلك الاساليب مدة أطول هو بمثابة مضيعة للوقت)"18"،وهكذا ظهرت موجة الفن الحديث بصورة قاطعة واكيدة في شتى معروضات جمعية أصدقاء الفن تقريباً بعد عام 1943 وكانت تأثيرات الاسلوب التنقطي التي اهتم بها الرسامون البولنديون وهم من تلاميذ بيير بونار الفرنسي قد ظهرت في اعمال فائق حسن واكرم شكري وجواد سليم وبعض تلاميذهم والهواة الملتفين بهم. ولم تظهر في اعمال عطا صبري وحافظ الدروبي.

           ظهرت جمعية اصدقاء الفن. اذن في فترة بلغ فيها نضوج الوعي الفني فيها مبلغا جعل من الانطباعية وما بعد الانطباعية الاسلوب الرائد في التعبير الفني وقتئذ. ولم يحدث ذلك بفضل ثقافة المبعوثين الاوائل من الرسامين العراقين الذين تشبعوا بثقافة الفنان الحقيقية بعد ان لمسوها بحق وحقيق اثناء تواجدهم في اوربا (ايطاليا، فرنسا، انكلترا) ولا الدروس القليلة للرسامين البولندين المارين بالعراق بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية. فحسب بل وبسبب ظروف الحرب العالمية تلك، والتي انضجت الوعي الانساني للمواطن العراقي فأحكمت صلته بالعالم اجمع وحررته من زيفه الاجتماعي والثقافي المتخلفين بايقاظ شعوره بفساد واقعه وشحذ احساسه بتناقضته، وكان ذلك مواتيا لطبيعة الفكر الانساني حتى في مستواه (اللا شعوري والتجريدي)، أي بامكانية تجاوزه للمعطيات الاكاديمية في الرؤية الانسانية والتي هي من صلب الفكر الاوربي، تلك التي تجسدت في عصر النهضة الاوربية حتى نهاية الانطباعية.

    وكانت بوادر هذه اليقظة وهذا التحسس قد ظهرت منذ دعوة المربى ساطع الحصري الى اهتمام الفنان العراقي بالثقافة الغربية بارسال المبعوثين أولاً والى اهتمامه بالتراث الحضاري(19)ولفت نظر شباب الفنانين العاملين معه في المتحف العراقي الى أهمية الآثار العراقية الفنية وأهمية رسوم الواسطي ثانياً. فان هذا التحول الفكري المضاد لما كان التأثير الاوربي يعرض به شخصية الفنان العراقي الحضارية الى التصدع دونما وعي منه حينما يتعود على وجهة النظر الاوربية، بمثابة التيار الداخلي الآخر الذي سيضمن تكامل مسيرة الفنان العراقي وقتئذ، وهو مالخصه جواد سليم في بعض رسائله بقوله كانوا((قلائل(ويعني بهم الفنانين العراقيين)تحدق بهم المصاعب.. كان عملهم ينحصر في بعث حلم الاعرابي الملون غير المتناهي.. والتأليف بين انسان عاش بين احضان النهرين منذ آلاف السنين وصنع من الطين هذه التربة تماثيل صغيرة وجميلة وبين تعبير استمده من لندن و روما..)(20).

    وعلى كل حال فان جمعية اصدقاء الفن التي نشأت وعاشت خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها اوصلت الفنان العراقي في مسيرته الحديثة آنئذن الى اعتاب الفن العالمي الحديث. واضحى عليه ان يتابع تجاوزه لموافقه من منطلقات اكثر حداثة، وهو ماتحقق بالفعل في بداية الخمسينات بظهور جماعة بغداد للفن الحديث. لقد كان التحول الجديد في الافكار والاسلوب لدى الجماعة منسجماً ومستوى ثقافة الجمهور في تذوقه للرسوم والنحوت المعبرة عن الطبيعة والاشخاص وما يغلى من داخلها من عوامل وقيم ونوايا. ولم يكن غير الاسلوب الانطباعي وما بعد الانطباعي ولحد ما ايضاً الاسلوب التعبير ليعبر عن كل ذلك. وهو ما حاول فنانوالاربعينيات تعاطيه. فضلاً عن اساليب اخرى مدرسية او شبه مدرسية.

   على ان لبعض النقاد والمؤرخين في الفن العراقي آراء اخرى. فشوكة الربيعي مثلاً يرى اعمال الفنانين العراقيين في فترة ظهور الجمعية كانت تتنوع مابين الاحتراف والهوية كما كانت تحتشد((باتجاهات اسلوبية مختلفة،  بعضها ناشئ من التوتر الذاتي والمجتمعي في آن واحد وبعضها يمثل الاتجاه التقليدي الساذج الذي تركته الاساليب العديدة التي تحاكي الواقع..حتى ليصعب احياناً التفكيراوالتمييز بين الاختلاطات الاسلوبية العديدة..)) (21). وهذا وصف على قدرعظيم من الصحة بل يكاد ان ينطبق تماماً على واقع الحال. الاانه يعود محللاً ذلك فيذكر ((ان الاستجابات الفردية جاءت بطيئة وغير مسؤولة في اضعف مكانة. كانوا قلائل لاتأثير لهم في الحياة اليومية، وليس هناك ماينبغي التحدث عنه على مستوى الشارع والمجتمع عموماً في تلك المرحلة الظاهرة والصعبة من تاريخ العراق. وبمقدار ماللرفض او عدم فهم من الخارج من تأثير كان هناك قوة دفع ذاتية لدى هؤلاء الرسامين فقد استهدفوا اكتشاف انفسهم، ساعين الى مطابقة الطبيعة واجراء تجارب بالالوان عليها كما فعل الانطباعيون الفرنسيون، وكانت هذه الاهتمامات الفسيولوجية هي القضية الملحة في ظل ظروفهم الفردية المتشكلة مع بطولتهم الروحية...وقد يحمل هذا الاستقرار نوعاً من صدق التجارب الفردية بسبب نوعية التطلعات تلك، وبقدر ماهناك من فرص موضوعية ملائمة )) (22).

   وفي رأيي ان التمييز بين العمل الفردي والجماعي في الفن من حيث الرؤية وليس الطرح يخضع الى التقيم الجمالي عند رصد وحدة الاساليب الفنية بشكل مدرسة او اتجاه وهو مالم يتحقق بالشكل النهائي حتى اليوم في الفن العراقي. كما ان حديث الفنان عن المجتمع والحياة اليومية لرجل الشارع هو الآخر يظل مسألة موقف لا مسألة اسلوب. من هنا فليس في الواقع من مجال للحديث عن فن فردي وآخر غير فردي في مجال الفن العراقي لهذه المرحلة*. ولعله كان يريد ان يقول ان الفنان في فترة الاربعينيات كان لايزال مفتقراً الى الالتزام الاجتماعي في التعبير الفني او بصورة ما الى العمل الجماعي الذي تنجزه الجماعة الفنية وهو ماتحقق فيما بعد **.

   وفي حين يذكر نوري الراوي حينما يؤرخ لحركة الفن العراقي في أيامها الاولى(فترة حرب العالمية الثانية)" ان ابرز مايميز هذه الفترة هو تواصل الفنانين العراقيين الى اكتشاف (الشكل الجديد للعالم) وهو اكتشاف جوهري كان يقف في وضع مواجهة للرسم الطبيعي)الذي يشبه عقيدة مقدسة تحتل قلوب المتعلمين آنذاك .." (22). يعود فينعى على هذا التحول الذي أحكم رتاجه تاثير الفنانين البولنديين المتواجدين في العراق على بعض الفنانين العراقيين غياب الشخصية القومية ووضوح بل حضور"التقاليد: السمة الاكثر رواجاً في تلك الايام .. فاذا كانت هناك من محاولات للتأليف بين ظواهر الاشياء ودواخل الانسان فانما كانت محاولات يتسم نصفها بالسذاجة ونصفها الآخر بالتقاليد" (24)وفي رأيي ان اعمال هذه الفترة لم تفقد أصالتها لدى بعض الفنانين كفائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي. وقليلاً من التأمل لاعمالهم يستطيع ان يكشف لنا من بذور رؤاهم الفنية التي تطورت فيما بعد الى رؤى واضحة المعالم تنعكس خلال اساليبهم الحديثة المتطورة. فاستبدال أسلوب بآخر في العمل الفني لايعنى التقليد بل التأثير. وان تأثر الفنانين العراقيين بالانطباعية والانطباعية الجديدة في تلك الفترة كان الحل الصحيح للتطور الفني.على ان الابداع من خلال التأثر كان هو الآخر مسألة هامة لابد من ملاحظتها. لأن اكتشافه لدى هذا الفنان أو ذاك يظل الدليل على اصالته وحفاظه على معالم شخصيته الفنية ويذكر جبرا ابراهيم بهذا الصدد ان جواد سليم في رسومه لعام 1941 وما بعدها، بل وفي "أكثرها(كان)يبدي.. ميلاً الى الحركة العنيفة التي ستتحول فيما بعد الى نحته اكثر من رسومه"(25)وكان جميل حمودي في نقده لاعمال جواد سليم عام 1946 قد اشارة الى هذا ايضاً حينما كتب عنه انه كان "في الصورة الزيتية نحاتاً بالنسبة الى عناياته الشديدة بالفورم والخطوط الملونة المجسمة للموضوع"(26)، بل ان تجربته في اكتشاف أهمية الالوان عبر رسومه الانطباعية لم تكن لتثنيه عن ألوان البيئة التي تحيط به. ومن هنا مغزى اشارته الواضحة الى مدى اهتمام يحيى الواسطي نفسه بالتمييز بين الالوان، والواسطي كما هو معروف سلف جواد سليم القريب، جواد الذي اعتاد ان يردد في يومياته او رسائله:" ياأخي الدنيا كلها الوان، حتى في الوحل الذي أمام شاعرنا ملايين من الالوان.. خذ يحيى الواسطي أعظم من ظهر من المصورين في العراق التي تدعى انها عديمة الالوان..بلاد النخيل .انه خلدها بصورة وألوانه (أو بالاحرى خلد نفسه لأن صوره كانت تختلف عما يرى امامه، لانه كان يخلق صورة) لا أظنك تذكر الصورة التي كبرها عن لواسطي عطا صبري من مجموعة لمقامات الحريري. انها صورة تمثل مجموعة جمال وجمال العراق تعرفها جيداً، لايتعدى لونها لون التراب. لقد صورها هذا العبقري العظيم كل جمل بلون يتناسب مع اللون الذي بجانبه" (27).

   على ان جميل حمودي، الذي واكب الانطباعية وما بعدها ولمس اثرها على فناني المرحلة وجلهم من اعضاء جمعية اصدقاء الفن وترك لنا أثراً نقدياً مدوناً أي مقاله المنشور في مجلة الفكر الحديث، وكان هو رئيس تحريرها، رأيا اخر في الفن العراقي عموماً. ومفاده انه كان يمر بنهضة فنية" قامت كحركة فنية لايمكن للتاريخ ان يصطنع مثلها يمثل السرعة التي حدثت فيها هنا.. وهي بنت عشرة سنين على الاكثر .. ومع ذلك استطعنا ان تقيم معارض لاتقل في أية حال من الاحوال عن أي معرض فني يقام في البلدان المتمدنة"(28)وفي رأيه هذا شيء من المبالغة كما ان فيه شيئاً من بعد النظر. لاسيما وانه سيصف ايضاً أعمال فائق حسن التي "تعودت الجو الاوربي.. وفي هذا يمكن سر ان صوره محبوبه من أكثر الناس"(29) لانها كانت أهلاً لأن تعبر عن "هذا الوطن الشرقي المغمور بالافكار الموحية للفنانين بالوانها المشمسة وباشكالها الفطرية الساذجة "(30). او حينما سيمجد أيضاً في مقالة جواد سليم بنزعته للتحرير من نظم وقواعد الانتاج الاكاديمي، وانه "كان اول من لفت انظار الجماهير الى هذه الغربة والغموض التي يحسونها في الفن الحديث."(31) انه هنا يكتشف لدى فائق حسن نزعته البدائية كانت وقتئذ محجوبة بثقافته الاوربية والتي حاول ان يطورها فيما بعد في جماعاته البدائية (S.P): كما انه يكتشف لدى جواد سليم ريادته لسبراغوار الفن الفن الحديث باصرار. وهو ماتحقق ايضاً في فنه خلال الخمسينات. بيد انه حينما وصف معارض الحركة الفنية في العراق بشكل جعلها في مصاف معارض لبلدان الاخرى المتمدنه كان ينسى ان لم يكن يجهل مدى التطور الذي بلغته تللك البلدان في مضمار الفن الحديث. فجعل ما توصل اليه الفن العراقي في عام 1946 كان البحث عن الانطباعية وما بعد الانطباعية في حين كانت التجريدية والسوريالية وباقي المدارس الحديثة قد قطعت شوطاً بعيداً في اوربا في نفس الفترة.

    وثمة رأى آخر ثبت عام 1948، ونستطيع ان نجده مؤشراً واضحاً في حينه يعين لنا مدى تبلور نشاط جمعية اصدقاء الفن التي اضطلعت منذ البداية في "نشر الذوق الفني الى حدٍ لابأس به.. ولقيت في سبيل ذلك كثيراً من المصاعب وقامت عندها كثير من المشاكل"(23). وهذا الرأى هو الذي ظهر كمقدمة لدليل المعرض الفني العراقي في مؤتمر اليونسكو في بيروت عام 1948،  والذي ساهمت جمعية اصدقاء الفن ولابد في التهيؤ له باعمال منتسبيها. يقول متى عقراوي كاتب المقدمة بما معناه ان الفنان العراقي لم يعد ليقنع بأن يستمد موضوعاته من الحياة الفسيحة في وطنه العربي، وان عليه ان يستلهم الفنون الحضارية "فيجمع بين الفنين الشرقي والغربي، ويخرج بفن عبقري جديد يمثل حياتنا نحن ولايكون مجرد تقليد للفن الغربي" (23). ومن الواضح ان عقراوي هنا يلخص لنا رؤية جواد سليم التي كان يسعى الى تحقيقه في فنه. وكانت بدورها مدار نقاش عويص بين اعضاء جمعية اصدقاء الفن انفسهم، مما نستطيع ان نلمسه من أحد محاضرارادية جلسات الهيئة الادارية للجمعية. فقد كتب أكرم شكري يقول"في هذه الفترة القصيرة مرت علينا تجارب خاطفة وكثيرة بتخيلها البعض أدارية. وقد يجزم البعض انها تطور نحو تكوين الطابع العراقي، ولكني أعتقدت ان الوقت لم يحن بعد، وان كل ماحققناه هو رفع مستوى الفن المدرسي الى فن حديث فيه شيء من الابداع "(34).

   وهكذا يتضح لنا الدور المهم الذي أضطلعت به جمعية اصدقاء الفن في ظروف غير مستقرة هي ظروف الحرب العالمية الثانية، وساهمت في تعبير موقف الفنان العراقي من كونه موقفاً مدرسياً او شبه تخيل او محاكماة هذه المطابقة عن طريق الاقتباس الى كونه موقفاً جديداً يؤمن بحرية التعبير الفني من خلال الصيغ الحديثة وبضرورة الحفاظ على موضوعية الوعي الداخلي للواقع. لقد هشمت في نفسه، هذه الفترة التي رسم فيها، متحمساً، للتعرف على صميم الفكر العالمي من خلال الاحداث السياسة والحرية، معانياً من نتائجها الاقتصادية والاجتماعية، ضرورة التعرف التدريجي على الحقيقة الانسانية، واطلعته على اهمية المغامرة والتزام الحرية والعمل الدؤوب في اكتشاف هذه الحقيقة. وكان الامر يدفعه لمتابعة بحثه فيما بعد لاكتشاف جانب آخر من هذه الحقيقة وهو أصالتها او بمعنى آخر تجسيد هذه الاصالة عبر تواصله مع التراث والحضارة.

       على اننا نستطيع ات تتابع، ايضاً خط بيان تطور نشاط الجمعية (او منحناها) بشيء من الموضوعية ومن خلال المعارض التي انجزتها.

ففي المعارض الاول السنوي(26). كانت الاعمال الفنية تتألق من بعض المنحوتات تدور معظمها حول موضوع الصورة الشخصية اوصور الاشخاص، ومن الرسوم الزيتية وبالالوان المائية والتخطيطات. فلا يستعد ان تكون بعضها منقولة عن صور مطبوعة او عن الواقع المرئي. ولكنها جميعاً كانت مرسومة برؤية مدرسية بحتة، ماعدا بعض اللوحات التي تنم عليها اسماؤها مثل رحلة السندباد الثامنة او بالام والطفل. فهي مرسومة بشىء من الرمزية او المحاولة للتعبير عن الافكار. في حين كانت الرسوم الكاريكاتورية التي ساهم بها الحاج سعاد سليم تنفرد بمحتواها الانتقادي والاجتماعي معاً. ومثل هذه الظاهرة في التعبير الفني كانت معروفة لجيل تلك الحقبة. ومن جملة متطلباتها في الشعر قصائد للملا عبود الكوخي، وفي الصحافة مقالات وقفشات نشرت في جريدة حبزبوز، وحتى في محتوى المسرحيات كالتي ألفها مصطفى اويوسف العاني من بعده (37).

      اما المعارض السنوي الثالث(38). عام 1943 أي في بداية تواجد الرسامين البولنديين في العراق فان الاعمال الفنية كانت ستتألف أيضاً من النحوت والرسوم وسيطرأ شيىء من التبدل على نوعية الفنانين. اذ ستزداد نسبة طلاب معهد الفنون الجميلة كما سينسحب الرسامون القدماء. ويبدو ان الاسلوب الانطباعي هو الذي أصبح الاسلوب المفضل آنئذ لدى الفنانين العارضين، ومن هنا فان هذا المعرض يكاد ان يكون نقطة الانطلاق الجديدة للتعبير عن وجهة النظر الحديثة في التعبير الفني والتي كانت تمثل التغير الهائل في تفكير الفنان العراقي. فمعظم المواضيع كانت تكرس للصور الشخصية والمناظر الطبيعية والجماد كما ظهر الاهتمام بالريف العراقي في أواسط وشمال العراق وبالمواقع الاثرية كالجسور والمعابد المتهدمة. بل ان فائق حسن الذي زامل الرسامين البولنديين عرض احدى لوحاته بعنوان (فتاة بولندية)، كما عرض جواد سليم لوحة بعنوان (كافيه سويس) وهي المقهى التي كانت تجمعهم بزملائهم الفنانين(39).

وكانت الجمعية قد انجزت عام 1942(مابين27 كانون أول و2 تشرين أول) موسوماً ثقافياً على قاعتها الواقعة قرب سينما الملك غازي (حاليا ماوراء نصب الحرية لجواد سليم) أي في ذلك المرسم الذي افتتحه الدروبي ثم تخلى عنه للجمعية. فكان من المساهمين في هذا الموسم حسب ماجاء في منهج المحاضرات من الاقطاب جواد سليم وحافظ الدروبي وأكرم شكري وعيسى حنا والحاج سعاد سليم فضلاً عن ندوة أشترك فيها جواد سليم وأكرم شكري حول (الفن في العراق الآن وفي المستقبل). اما اعداهم فان من المحاضرين كان صبري الخطاط الذي تحدث عن الخط العربي كفن، وربما كانت محاضرته هذه الاولى من نوعها، وشوكة الخفاف وكان عنوان محاضرته الرسم في المدارس(40). ويستدل من دراسة هذا المنهج انه وضح كتعبير عن النشاط الثقافي للفنان العراقي بصورة عامة، فقد تجاوز اطار الموضوع التشكيلي الى مواضيع اخرى تتعلق بالتربية الفنية او الثقافة الموسيقية أو الفنون التراثية كالفن التراثي والفن الرافدين والمصري القديم والاسلامي(41). ويجيىء معرض عام 1946 على قاعة متحف الازياء العراقية فاتحة لمدى ماستضطلع به هذه القاعة [التي اصبحت فيما يبدو النواة لمتحف للفن الحديث بعد احتوائها على الرسوم الزيتية التي رسمها عطا صبري موضحاً رسوم يحيى الواسطي المصغرة] من مسؤلية كبيرة في احتضان العمل الفني واستقطاب الجمهور والفنانين. وقد أقيم هذا المعرض برعاية الوصي على عرش العراق آنئذ الامير عبد الاله. مما يدل على مدى رسوخ قدم الجمعية في نشاطها، وهذا مايؤيده المقال الذي نشره جميل حمودي في مجلته الفكر الحديث والذي ذكر فيه ان الجمعية"نجحت في اعمالها في نشر الذوق الفني الى حد لابأس به. على انها لقيت في ذلك كثيراً من المصاعب. وقد قامت عندها كثير من المشاكل أولها وأهمها كما لايخفى مشكلة المال.."(42).

      ومن الجدير بنا هنا ان ننوه بالقيمة التي احرزها العمل الفني في نفوس الجمهور المثقف آنئذ، ولم يكن الجمهور العريض حتى هذا الحين ليهتم بالفن كل الاهتمام، فقد ظهرت الآن فئة من المعجبين بالفن التشكيلي، كانت تقتصر قديماً على الاجانب من القناصل والسفراء وبعض اللذين درسوا في المعاهد الاوربية أو في استانبول. واكبت هذه الفئة الجديدة على جمع الاعمال الفنية وتكوين المجموعات الشخصية وأخذ المتحف العراقي نفسه بشراء الاعمال الفنية بدوره، وهذا مامنح الفنان العراقي ثقة عظيمة بنفسه وبفنه مما دفعه لمواصلة اتقان ادائه وتقنيته. وفي دليل معرض الجمعية السنوي الاول، وهو من وثائق أكرم شكري ومحفوظ الآن في ملفته بارشيف الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة والاعلام ـ دائرة الفنون التشكلية، اسماء الجهات التي حجزت بعض الاعمال الفنية في المعرض وبادرت الى اقتنائها سأذكرها كما هي مدونة في الحاشية(43).  واكتفي بالاشارة الى انها اقتصرت على الفنانين جواد سليم وأكرم شكري عيسى حنا وسعاد سليم ورشاد حاتم ونزار سليم ونزيهة سليم وعبد القادر الرسام وحافظ الدروبي وعطا صبري.

     وفي عام 1947 اتسعت دائرة المعارض الفنية للجمعية ولم تعد لتقتصر على مدينة بغداد فقط. ذلك ان الاسبوع الاول من شهر شباط لهذا العام شهد معرضاً على قاعة ثانوية الديوانية في مدينة الديوانية، ويعزى ذلك بالطبع الى اهتمام الجمعية بنشر ثقافتها الحديثة وتحقيق اعلامها الخاص للجمهور العراقي اينما كان(44)، كما يعزى الى اهتمام مدير المعارف في لواء الديوانية (محافظة المثنى حالياً) الاستاذ عبد الحميد راضي الجرجفجي، وكان من الفنانين الهواة ومن المربين المهتمين بالثقافة الفنية في وزارة التربية، بانجاز المعرض برعايته، وقد رافق المعرض في حينه الاستاذ عيسى حنا (45). وفي نفس هذا العام اشتركت الجمعيةبـ(116) لوحة فنية أرسلت الى مصر لتعرض في الجناح العراقي بمعرض في القاهرة(46). وهو(المعرض الدولي للفنون الجميلة المعاصرة).

      على ان للجمعية نشاطاً آخر تربوياً وانسانياً انجزته عام 1945، وهو الحفلة التمثيلية والمهرجان الخاص بالاطفال. وقد كرست لهما قاعة الملك فيصل الثاني، وبرعاية الوصي على عرش العراق(47).  وفي عام 1954 كانت لاتزال تكافح أيضاً لتأمين مساحة من الارض تمتلكها لتشيد عليها مقرها الجديد في محلة البتاوين(48). ويبدو انها لم تفلح في مسعاها وقئذٍ. يبدو لنا بوضوح ان جمعية أصدقاء الفن كانت بمثابة جمعية للفنانين العراقيين، والمؤسسة التي كانت تسعى دوماً لضمان حقوق الفنان ورفاهيته وبصورة عامة لانشترط في الفنان احترافاً تماماً او مستوىً معيناً من التخصص الفني. ويذكر السيد أحمد فياض المفرجي في سياق مانشره من وثائق تتعلق بالفن العراقي التشكيلي ان نظام الجمعية يشتمل على نظامين، الاساس والداخلي و"يتألف النظام الاساس الذي وضع يوم 20/12/1940 من اثنتي عشرة مادة: حددت المادة الثالثة من شروط العضوية بالصيغة التالية(ان لايقل عمره عن عشرين سنة وان تكون له علاقة وهواية بهذا الفن وان لايكون ساقطاً من الحقوق المدنية )"(49). وعبارة(ان تكون له علاقة وهواية بهذا الفن) يفهم منها مجرد ممارسة العمل الفني بغض النظر عن حقيقة مستواه وهو يؤيد ماذهبنا اليه في ان الجمعية لم تحض تماماً على العمل الفني عند مستوىً ثقافياً معيناً يتحدد بشهادة في التخصص او بموافقة لجنة متخصصة لتقييم ذلك. أما النظام الداخلي للجمعية فكان يجيز اشتراك المرأة في الهيئة العامة والهيئة الادارية. ومن هنا كان فوز السيدة ناهدة الحيدري عام 1944 بمنصب نائبة رئيس الجمعية والست روزمارى خياط بأمانة الصندوق نفس العام (50). وقت تمت الانتخابات وقتئذٍ في الثالث والعشرين من شهر آذار، فاز براسة الجمعية فيها عبد الحليم السنوي كما فاز بعضوية الهيئة الادارية كل من جواد سليم وأكرم شكري وفائق حسن. أما السكرتارية فكانت للحاج سعاد سليم.

     يتضمن لنا اذن ان حقيقة الدور الذي لعبته الجمعية في المجال الفني ضمن كذلك مراعاة القيم الديمقراطية في حياة المواطن. لقد كانت اذن بمثابة مركز اشعاع ثقافي سرعان ماظهرت اثاره في جوانب عديدة منها مثلاً مواصلة وزارة المعارف وقتئذٍ اقامة المعارض الفنية للطلاب حرصاً على ثقافة الجمهور. ويذكر احمد فياض المفرجي نقلاً عن صبري الزبيدي ان "جمعية اصدقاء الفن سبق ان أقامت معرضها السنوي منذ أشهر..(عام1945) وكان من جملة زائريه صاحب المعالي الدكتور ابراهيم عاكف الالوسي وزير المعارف، وفريق من كبار موظفي وزارته، فرغب معاليه والحالة هذه ان يقيم مدارس العاصمة او مدارس الالوية معرضاً كهذا ليقف الجمهور على فعاليات وكفايات ابنائهم في الناحية العلمية"(51) ولعل مثل هذه النوايا هي التي شجعت مدير معارف لواء الديوانية (محافظة المثنى حالياً) كما ذكرنا سابقاً في رعايته لمعرض الجمعية عام 1947.

                             حــوشي الفصل 

"1" اسماعيل احمد ياغي: حركة رشيد علي الكيلاني، دار الطليعة، بيروت 1974.

"2" فضلا عن ان اياديا اخرى امتدت الى مساعدتهم تمثل رغبة لبعض المسؤلين في الدولة لرعاية العمل الفني ومن هؤلاء السيد درويش الحيدري ـ من حديث شخصي مع بلند الحيدري تم في عام 1981.

"3" فرج عبو:ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية، وزارة الاعلام، مسودة حوار مسجل بتاريخ 5/1/1977 ضمن ملفة فرج عبو. "4"جميل حمودي:الرسالةص(4)،ملفة جميل حمودي. الارشيف التشكيلي،وثيقة مخطوطة ورسالة الى جميع اصدقاء الفن ."*" يعلل حافظ الدروبي عدم اشتراكه مع فائق حسن في تدريس الرسم في معهد الفنون الجميلة، وهو ما يوحي بمنافسته اياه بما يلي"قالوا المعهد لا يتسع لغير استاذ واحد". ذكريات حافظ الدروبي: مجلة الاذاعة والتلفزيون"239"17/10/1977."

"5" نفس المصدر السابق، ملفة الارشيف الصوتي : الحوار الخاص للقاء مع اكرم شكري وحافظ الدروبي سجل بتاريخ 23/1/1979.

"6" نفس المصدر السابق/ نفس الملفة والحوار ص 2 .

"7" نفس المصدر السابق / ملفة جمعية اصدقاء الفن، الورقة المعنونة بجمعية اصدقاء الفن"1941/52" ص "1" .

"8" جريدة الاستقلال عدد يوم 27/2/1941 المقال المعنون بجمعية اصدقاء الفن .

"9" ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية، وزارة الثقافة والاعلام ملف جمعية اصدقاء الفن / مادة اكرم شكري ورقة محضر الجلسة الاولى للجمعية.

"10" يقصد بالامشق الرسم وفق مبدأ المحاكاة على رسم آخر وليس على الطبيعة مباشرة. وهذه الكلمة مشتقة من كلمة"المشق"المصطلح المعروف في فن الكتابة" الخط العربي"

"11" في كراس بعنوان Education in Irap اصدرته دائرة الملحقية الثقافية العراقية في واشنطن عام 1957يرد هذا النص"في عام 1940 شكل جماعة من الفنانين، درس معظمهم في اوربا جمعية عرفت بجمعية اصدقاء الفن وفي السنة التالية اقامت اول معرض لها"ص 35.

"12"اكرم شكري: ارشيف الفنون التشكيلية. ملف جمعية اصدقاء الفن .

"13"يرى عيسى حنا ان جمعية الفنانين لهم آراء سياسية ربما ادت فيما بعد الى نفوز بعض الفنانين وتفكك الجمعية وانحلالها نهائياً، من حوار صوتي مسجل، مجموعة شخصية ، مع عيسى حنا 28ـ9ـ1980

"14"عطا صبري: مجلة فنون عدد 17ـسنة 1979 ذكريات وتجارب عن ارشيف الفنون التشكيليةـ ملف عطا صبري

"15" نفس المصدر السابق ـ ومما يذكره عطا صبري في مذكراته هذه ان ستن لويد هذا كان يدعو الفنانين العراقيين لحفلات الكوكتيل، واخذ الانكليز"يزورون باستمرار المعارض الموسيقية والسنوية ويجلبون ادوات ومواد للرسم ويشترون اللوحات من الفنانين"

"16" مقدمة دليل المعرض الثالث لجمعية اصدقاء الفن 1943،ارشيف الفنون التشكيلية، ملف جمعية اصدقاء الفن.

(17)  جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة. نشورات المكتبة العصرية بيروت 1967، ص226- 227.

         حاشيــة

يذكر جميل حمودي في مقال نشره تباعا في جريدة الثورة "1934" عام 1974 بعنوان ذكريات مبعثرة ان بيت باهر فائق كان حلقة الوصل المهمة بين الفنانين البولنديين والفنانين العراقيين. كما يذكر ايضا الفنانين البولنديين أثروا تأثيرا مهما في الحركة الفنية في العراق"

"18" ارشيف الفنون التشكيلية. دائرة الفنون التشكيلية وزارة الثقافة والاعلام التسجيل الصوتي الخاص بفائق حسن بتاريخ 24/2/1977

"19"حاول ساطع الحصري منذ ان كان مديرا للمعارف في بداية الثلاثينات ارسال اكرم شكري، اول مبعوث عراقي للدراسة في لندن عان 1930 ولما اصبح مديراً الآثار بعد ذلك جمع حوله في المتحف العراقي "متحف الاثار القديمة سابقاً"معظم الشباب الفنانين (اكرم شكري وعيسى حنا وحافظ الدروبي وعطا صبري وجواد سليم وخالد الرحال) موحيا لهم بضرورة استلهام التراث الحضاري في الفن.

"20" جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة، منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت 1967، ص 226

"21" شوكة الربيعي: جريدة الثورة عدد 1846 بتاريخ 10/9/ 1974. ملامح من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق ص 1.

(22) نفس المصدر السابق ص2

"23" نوري الراوي: مجلة المثقف العربي ع"4" لسنة 1971 حركة الفن العراقي في ايامها الاولى ص(42 ).

"24" نفس المصدر السابق ص 49.

"*" بل ان العمل الفني يظل بالاساس فرديا طالما يتم بشكل ان يرسم الفنان امام حامل الرسم.

"*" "*" على ان التعبير الاجتماعي في الفن كان وقتئذ مطروقا من خلال فن الكاريكاتور بوضوح كما في اعمال الحاج سعاد سليم والتي ساهم بها في معرض اصدقاء الفن الاول وهو ما كان ينسجم والصيغة الانتقادية التي درج عليهم جيل الثلاثينات.

"25" جبر ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة. منشورات المكتبة العصرية. بيروت1967. جواد سليم يبحث عن اسلوب، ص 192.

"26" جميل حمودي: مجلة الفكر الحديث ع"605" مجلد

"2"1946 ،ص 31. الفن العراقي المعاصر

"27" جبرا ابراهيم جبرا: الرحلة الثامنة. منشورات المكتبة العصرية. بيروت 1967 الفنان في شبابه، ص212.

"28" جميل حمودي: الفكر الحديث "605" مجلد "2"، الارشيف التشكيلي، ملف الفن العراقي المعاصر، ص 26.

"29" نفس المصدر السابق، ص 30.

"30" نفس المصدر السابق، ص 30.

"31" نفس المصدر السابق، ص 31.

"23" جميل حمودي: مجلة الفكر الحديث عدد"8،9"مجلد"2"، الارشيف التشكيلي، ملف جمعية اصدقاء الفن ص 30.

"33" متى عقراوي: مقدمة دليل المعرض الفني العراقي في مؤتمراليونسكو،بيروت عام،1948.

(34) اكرم شكري: ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية، وزارة الثقافة والاعلام. ملف جمعية اصدقاء لفن. محضر الجلسة العاشرة.

(35) سبق ان نوهنا بتكون هذا الموقف لدى المثقف العراقي ابان ظهور الحكم الملكي في العراق وانه كان البديل لموقف فئة الافندية في العصر العثماني في نهاية القرن التاسع عشر. وهو موقف معتدل ينطوي على اقتباس معالم الحضارة الاوربية الحديثة عن طريق النظام الديمقراطي.

(36) انجز هذا المعرض على قاعة بناية الهلال الاحمر (مابين 14-21 تشرين ثاني)عام 1941 وبرعاية امين العاصمة وكان عنوان المعرض كما هو مدون على دليل المعرض (معرض سنة 1941 لجمعية اصدقاء الفن) وقد اشترك فيه جواد سليم وشوكت سليمان والشريف محي الدين واكرم شكري وناهدة الحيدري وعيسى حنا وسعاد سليم ونزيهة سليم وفتحي صفوة ورشاد حاتم وع. ناصر (ربما ناصر عوني) ونزار سليم ودانيال قصاب وعطا صبري والحاج سليم وعبد القادر الرسام وحافظ الدروبي. ولم يذكر اسم فائق حسن في دليل المعرض. اما عدد المشتركين في المعرض فكان ثمانية عشر فناناً، واما عدد المعروضات فكان (143) تمثالا ورسما. راجع ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية بوزارة الاعلام. الملفات المتعلقة بالموضوع.(37) انظر علي الزبيدي: المسرحية العربية في العراق. بغداد 1966، ص164، 165.

(38) اشترك في هذا المعرض الذي انجز على قاعة المعهد الثقافي البرطاني وكان يقع (فوق سوق الامانة في الباب الشرقي وربما يكون موقعه الحالي وزارة الثقافة والاعلام حاليا- عن ورقة الاستبيان لاسماعيل الشيخلي ـ محفوظة في ملفه بدائرة الفنون التشكيلية الارشيف التشكيلي)

اقول اشترك في هذا المعرض كل من "اكرم شكري وجميل حمودي وجواد سليم وحافظ الدروبي وحميد المحل وخالد سليمان الجادر ودانيال قصاب وديزي الامير ورشاد حاتم والحاج سعاد سليم وسعدية العاني وعلي مظلوم وسلمان داود وعزرا حيا وعز الدين الصندوق وعطا صبري وعيسى حنا وفاضل عباس وفائق حسن.

(272) منحوتة ورسم.

(39) دليل المعرض السنوي الثالث لجمعية اصدقاء الفن 1943.

(40) جمعية اصدقاء الفن لعام 1942.راجع ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية. ملف اكرم شكري (مادة منهاج محاضرات جمعية اصدقاء الفن)

(41) راجع المصدر السابق للامام بمواضيع المحاضرات.

(24) جميل حمودي: مجلة الفكر الحديث جـ8،9 مجلد"2".السنة الثانية جمعية الاصدقاء الفن ص،3.

(43) هذه المعلومات، وردت مدونة بالحبر وبخط اكرم شكري نفسه على الدليل المعرض وهي اسماء الجهات التي احتجزت الاعمال، وكما يأيلي:[المتحف العراقي- سمو الوصي- M.S Loyed  السيد سليمان فتاح Mr. Perowne

-        Mr H. opin Mr. Hoimpn Mr Loggin .

-        عمو كريم ـ السيدة اديبة الجلبي ـ السيد جواد سليم ـ السيد حسن افنان ـ الدكتور افلاطون ـ السيد سلمان الشيخ داود

-        W.T.RELIEعبد الرسول الجمالي Mr. Norman Brook

-           Mr. Morrpy  Mme  Afnan   R.H. Arnold

-        cp Halt- Mr.Moson-  Mr. Persone 

السيد انترانيك  Miss. F. storke- مدام علي جودت - السيد ابراهيم الشابندر- السيد عبد الستار القره غولي-

Moi -  e.A.G  savidge السيدة مائدة الحيدري " Mr. Bishop .

(44) جميل حمودي: ارشيف الفنون التشكيلية، دائرة الفنون التشكيلية،ملف اصدقاء الفن رسالة من(6) صفحات مؤرخة في 12 اب 1944.

(45) جمعية اصدقاء الفن: خلاصة من جمعية ارشيف الفنون التشكيلية ملف جمعية اصدقاء الفن، ص 1.

(46) نفس المصدر السابق،ص"2"

(47) نفس المصدر السابق،ص"2"

(48) من وثائق جمعية اصدقاء الفن المحفوظة في ارشيف الفنون التشكيلية، ملف: اصدقاء الفن وأكرم شكري.

(49) احمد فياض المفرجي: جريدة المجموعة ع "1969"لسنة 1974، من وثائق الفن التشكيلي العربي.

(50) نفس المصدر السابق.

(51) احمد فياض المفرجي: مجلة الاذاعة والتلفزيون العدد "206" لعام 1977. معرض للرسم.

 

 

صورة فريدة تمثل جماعة اصدقاء الفن في معرضهم الاول. ويظهر من الفنانيين الخامس من اليمين
كريم مجيد عمو كريم وهو السينمائي المعروف وكان من رواد الجماعة الهواة. واكرم شكري الثالث عشر وعطا صبري الخامس عشر والى .جانبه المصور الفتوغرافي انتران. وفي الصف السفلي جلس كل من جواد سليم وحافظ الدروبي وعيسى حنا



من مجموعة المكتبه الوثائقية في دائرة الفنون التشكيلية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

صور جامعة لاصدقاء الفن ويظهرفيها في الصف العلوي من اليمين الخطاط صبري (1)وفتحي صفوة
(3) وسعيد علي مظلوم (4) وجعفر علاوي (5)ومدحت علي مظلوم(6)اكرم شكري (7)عيسى حنا(8)وفي الصف التالي يظهر الحاج .محمد سليم فعبد القادر الرسام فسعاد سليم فشوكت الرسام. ومن الجالبسيين يبدوحافظ الدروبي يليه عطا صبري فجواد سليم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رجوع

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005