جذور الفن السومري

النحت العاجي منجزا آخر لفناني سومر

القسم السابع

حسين الهلالي

 

 

كانت الأختام الأسطوانية عند اكتشافها محيّرة في مواضيعها الدقيقة الصنع ، وهي أول استخدام

للإنسان ألجأته الحاجة إليه ، فالعقود ا لتجارية والمراسلات وحتى الآداب كلها تحتاج الى اسم الشخص المنقوش على الختم الاسطواني، سواء" كان يعرف القراءة والكتابة أو أميا" فلابدّ أن يملك الختم الأسطواني ؛لذا كانت الأختام الأسطوانية غاية في الأهمية وغاية في الدقة وقام بصناعتها فنانون كبا ر ، هذا إذا كانت لكبار القوم؛_ وامّا أختام الفقراء فغالبا" ما يصنعونها بأيديهم وربّما هناك فنانون فقراء يصنعون أختامهم بأيديهم ، ولما تقدم نجد في الأختام الأسطوانية لدى اكتشافها عملا"رائعا ومحيرا" في دقته المتناهية التي لا ترى إلا بعدسة مكبرة ، هذ1 الفرع من الفن قدم لنا خدمة كبيرة في معرفة الأشياء رغم اختلاط تواريخ هذه الأختام وضياع أماكنها ، وقد كتبنا موضوعا"مفصلا"عنذلك في بحثنا هذا ، ولكننا نجد من الجانب الآخر إبداعا" آخر حضي به المكتشفون الأثريون وقدموه لنا مادة فنية ترقى بدقتها إلي فن الأختام الأسطوانية بل تفوقها أحيانا"، وكلها تصب في موضوع التقديس مرورا" بالحياة اليومية بكل دورتها،والحضارة السومرية قدمت لنا الكثير من المعرفة في شتى فروعها ومنها الآداب والفنون التي لم يضاهيها شيء في العالم القديم ، فالألواح الصغيرة التي اكتشفت في ماري لا يمكن وصفها آو عدها من إنتاج فناني العاج القدماء ويمكن أن نقول عنها فاقت كل ما صنع في تلك العهود السابقة ونتردد في التصديق من إنها صنعت في تلك الفترة بل نتجاوز إذا قلنا إنها تقترب كثيرا" من الأدوات والقطع العصرية النادرة بل تفوقها أحيانا" وقد تناولت هذه الصناعة اليدوية العاجية مختلف المواضيع بدءا" من الصور الشخصية لكبار القوم إلى مختلف مناحي الحياة من التعبد إلى ذبح القرابين إلى العمل . لقد تحولت هذه المادة إلى مادة طبيعية استطاع الفنان أن يضع منها كل ما تعلمه في هذه المهنة ، إضافةً إلى موهبته التي أمدته بكل مقومات الصنعة والديمومة والصبر لمواصلة العمل فخرجت تلك الأعمال ناضجة ودقيقة الصنع ، لقد وظّف هذه المادة في خدمة التقديس وشعائر أخرى ، لكنه لم يخفي مشاعره وأحاسيسه في إظهار هذه المشاهد وهي تنتسب إلى الحياة العامة .

لقد كان مشهد ذبح الكباش النذر لا يتعدى ممارسة يومية يقوم بها الجزارون في حياتهم المهنية لكن الدهشة هي في خفة الشخوص وحركاتهم وسيطرتهم على الكباش ، هذه الحركة التي تؤسس لفن راسخ الجذور . إن علية القوم من متعبدين إلى ذابحي الكباش وإلى العمال الذاهبين إلى العمل ، هذه المنجزات الفنية التي تعج بالحركة أصبحت لها الأثر الكامل في الحياة اليومية وبقيت تحتفظ بسحرها تحت الأطلال إلى أن أزيل عنها تراب تلك العهود ، وقد استمدت كل الصناعات القديمة ذات الأثر التقديسي أشكالها ومفاهيمها من تلك الأعمال السومرية الرائدة إن اكثر الأعمال شهرة تلك التي يطلق عليها راية اور او علم اور أو الحرب والسلام ، هذه القطعة الفريدة التي تم عملها لتكون ذات اثر فعاّل والتي تم تطعيمها بالصدف والمواد الأخرى وهي على شكل مصحف يتألف من أربع لوحات ( أمام وخلف وجانبان ) ، اللوحتان الرئيسيتان هما أطول من الأخريين وذات صفات مميزة اكثر لأنهما يصوران الجانب المظلم والجانب المشرق في الحياة ( سومروفنوها وحضارتها- اندري باور ص ) وعند ما ننظر إلى تفاصيل الجانب الأول ( مشاهد الحرب )تبرز لنا العربات الحربية التي ظهرت أول مرة والجنود الذين يقودون هذه العربات وهم مصممون على القتال ونيل النصر الأكيد الذي بان من خلال سحق جنود الأعداء بعجلات هذه العربات المسننّة ، إنها تعطينا وضوح الرؤيا في تقصي أخبار الحرب بوضعها في مقدمة الجيش المهاجم لتمشيط ما يعترض طريقها وتكتسح كل شي معادي لها ،والإفريز الآخر يمثل النصر على الأعداء وجني ثمار هذه الحرب بتقديم الأسرى إلى الملك الذي يستقبلهم راجلا"، لكننا نرى الجنود في حالة استعداد وحذر ماسكين قبضات سيوفهم وبكامل قيافتهم الحربية ، هذه الأفاريز صيغت بشكل دقيق وواضح وواع . وبهذا الإفريز طويت صفحة الحرب بمآسيها ليبدأ الاحتفال بالنصر واقامة الوليمة الكبرى في هذه المناسبة وظهور دلالة نقل أسلاب الحرب إلى القصر وظهور مكونات الوليمة من حيوانات وتجهيزات اخرى ، لقد اظهر هذا المشهد الملك بوزرته التي يرتديها في وقت السلم ومعنا هذا انه خلع بزته العسكرية وبدا محتفلا بالنصر ماسكا" بيده كأسا" ويعرض لنا الفنان جوا" حقيقيا"،حيث تصدح الموسيقى ويرتفع الغناء من مغنية تمسك القيثارة بيدها لتبعد أذهان المحاربين بألحانها عن أهوال الحرب ومآسيها ، ولا بد لنا من العودة والتذكير بملحمة كلكامش التي اتخذها المنشدون مادة خصبة في الاحتفالات وفي تجوالهم بين الأحياء والقرى والأرياف وخاصة من مغني (( زاميرو zammeru )) وكذلك (( ايشتالو - estalu )) ويقول الدكتورفوزي رشيد في مقاله1:- (( ومعنى ذلك ان المغنيين الشعبيين كانوا يدعون مرة بالتسمية السامية ومرة أخرى بالتسمية السومرية 0واذا صح هذا الافتراض فان ذلك يعني بان المغنين كانوا متناثرين بين القرى والأرياف خلال العصور السومرية )) وقد جسد فنانو التطعيم هذا الموضوع بأعمالهم وخاصة"وا جهة إحدى القيثارات التي تبدأ بالافريز الأعلى الذي يمثل البطل كلكامش وهو ممسك بثورين لكل منهما وجه إنسان نزولا"إلى الإفريز الذي يليه المتكون من كلب يغمد في حزامه خنجرا" ويحمل طاولة خشب معبأة، ويعقبه أتسد يحمل قدحا" وجرة كبيرة ، وهذه السلسة من الحيوانات في شخوص رجال ؛لقد اتخذت الاستعدادات بكل وضوح لاقامة وليمة ، يعزف فيها الحمار على القيثارة ، وابن آوى على الصلصال والدف، بينما يقوم الدب بالرقص ويأتي بعد ذلك رجل في شكل عقرب في يده لفة، ويعقبه غزال يمسك بكأسين ملئتا توا" من .وعاء كبير خلفه (( سومروفنونها وحضارتها – اندري باور ص200 ))

ولكن علماء الآثار لم يعطوا تفسيرا" لهذه المشاهد بقدر ما يقترب البعض منهم من ملحمة كلكامش واستخدام الأساطير السومرية الأخرى ، لم تنقطع هذه الصناعة التي تشكل عنصرا" أساسيا" في فن الصياغة والتطعيم واصبح متوارثة لدى الشعب السومري والاكدي والبابلي والآشوري ونجدها الآن راسخة الجذور ولها رواجا" واسعا"لدى الشعب العراقي وشعوب المنطقة الأخرى ،ان مهنة الصياغة والتطعيم وعمل الجماليات الأخرى من الذهب والفضة والمطعمة بالأحجار الكريمة كان اقدم الأقوام الذين ورثوها من السومريين هم الصابئة المندائيين حيث سكنوا المناطق الجنوبية وهي ذاتها التي سكنها السومريون والآكاديون ، وقد وجدت في مملكة ميسان الواح مكتوبة على الرصاص تعود الى الصابئة 0 ويذكر امين فعيل حطاب في مقال :- (( اكليل آس- اكليلة ص2 في آفاق مندائية )) (( واصحاب حضارة الوركاء خلفوا بعض الآثار في اور التي كانت اهم المواني التجارية في القسم الجنوبي من سهل العراق ، ومن الجدير بالذكر ان الصابئة المندائيين كانوا قد سكنوا فيها آنذاك اصحاب حضارة الوركاء بهم واخذوا عنهم الكثير )) وهذا يجعلنا نصل الى اليقين من ان الصابئة المندائيين ورثوا هذه الصناعة وهذا الفن من المنمنمات بالذهب والتطعيم وصياغة الحلي الفضية المطعمة بالمينا ويصنعون كثير من الأشياء الجميلة والنافعة ، وقد اكتسبوا شهرة واسعةفي العالم وباتت تعرض هذه التحف الفنية الرائعة في اشهر متاجر العالم .ومتاحفها

 

 

 

المصادر

سومروفنونها وحضارتها اندرى باور -ترجمةعيسى سلمان وسليم طه التكريتي1

الصناعات والحرف البغدادية – تأليف الشيخ جلال الحنفي وزارة الثقافة والارشاد بغداد آفاق مندائية العدد الرابع عشر السنةالخامسةايلول 2000

.الفن العراقي القديم انطون مورتكات. ترجم ة عيسى سلمان وسليم طه التكريتي

 

رجوع

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005