جذور الفن السومري القسم الثامن 

النحت المجسم وظهور المسلات السومرية

 

حسين الهلالي

قلنا في بداية حديثنا عن جذور الفن السومري وفي موضوعنا الأول ان التماثيل التي عملها الفنان تقترب من السذاجة لكنها تملك الأصالة والأ نتماء إلى العصر الذي ولدت فيه وهو ضمن العصور السحيقة بالقدم ولايمكن فرز هذه التماثيل ووضعها ضمن أسلوب معين وسائد آنذاك،لكنها تقترب من التقديس الذي يتصف بالشمولية والبحث عن الرمز الإلهي وتحديده هذا بالنسبة إلى التجمعات البشرية التى لاتملك التصور عن تلك الحقب ما قبل التاريخ ألا أنها كلما تزداد التماثيل  تعقيدا كلما تقترب من الشكل الخرافي الذي يصعب تفسيره لكن الفنان كان اكثر اطمئناناً عندما عبر بشكل معقد و بحرية كاملة عن ذلك المجهول.

وعندما حل  التاريخ وحددت الفترات وبدأ التقديس يأخذ أبعادا حقيقية ووضعت أعداد الآلهة وعرفت اسما ئها  بدأ الفنان يعمل ضمن هذه المؤسسات  الدينية فنجد المعبد له فنانوه والقصر الملكي كذلك فهناك النساخون والخطاطون والنحاتون وجماعة ا لمنشدبن وهناك ورش ومشاغل كبيرة تعمل للمعبد وللقصر ويعفون من كل عمل يسرى على الجميع ، لذلك استفاد الفنان من حاجة الحاكم أو الملك ورجل الدين الذي اراد ان يميز نفسه يختم خاص به يحمله ويحافظ عليه لأغراض شؤونه الخاصة والعامة(شؤون الملك الخاصة والعامة في السياسة والحرب والعلاقات الخارجية ) فكانت الأختام الأسطوانية قد وصلت إلى درجة لم يسبق لها مثيل في التقدم الفني بل وصلت إلى درجة الكمال في العصور الأكدية ،لذالك كانت هذه الأختام الأسطوانية مرجعية ومصدراً هاماً للفنان الذي يتهيأ الى عمل النحت المجسم النذري إلى القصر والى المعبد وهناك مصدر آخر اتكأ عليه الفنان السومري الاوهوالنحت الناتئ الذي تجسد في المزهريات ورؤوس الصولجانات والأ واني النذرية كاناء الوركاء النذري، ومزهرية كلكامش ، ومزهرية اينتمينا، ومزهرية كوديا وصولجانه ،وقد نحتت عليها مواضيع بالنحت البارز مواضيع تعبيرية بطولية وأخري تعبير أسطورية لم يسبر غورها الباحثون بعد.

ويلعب خيال الفنان دو را ً أبدا عيا في صياغة وتكوين موضوعاتها ،واحياناً تأخذه نزوته إلى الخلق والإبداع خارج موضوعه الذي يعده الى الجهة التي تطلبه  لذالك عند ما نريد البحث عن النحت المجسم وظهور المسلات السومرية لا نعجز ولا نتعب  إذا تأملنا هذه التماثيل المصنوعة بلا استثناء الى المعابد السومرية ودراستها من جديد تثير الإعجاب والدهشة لما تتمتع به  من تعقيد لم يصل إلي فك بعض من رموزه العلماء والباحثين إلا أن مورتكات استطاع أن ينفذ  إلى الغاية من  هذه التماثيل ووضعها في المعبد حيث يقول :-

ومن الكتابات التي نقشت على بعض هذه  التماثيل نعرف ان المتعبد كان يأمل بهذه الطريقة ان يفوز بحياة طويلة بمساعدة الإله – الفن في العراق القديم –مورتكات –ص120) أن منطقة سومر لعظمتها )تتطلب من علماء الآثار والباحثين  المهتمين بحضارة سومر ان يعلموا أن في هذه الأرض خفايا منطرحة تحت تراب هذه التلول التي لم يصل إليها احد ماعداي أيدي اللصوص التي عبثت بها ووصلت الى تجار العالم.

ان البدايات والصغائر التي قام بها الأنسان الأول في سومرلها تعبير فني وإبداعي توصل إليه في جميع مناحي الحياة وصل الى أوج عظمته في اختراع الكتابة (3500 ق م ) التي عرفت الدين بشكل خاص بدلا من الخرافة وأوجدت المعرفيات لتاريخ بدأ من هنا كمايقول كر يمر:- ( التاريخ بدأ من سومر )  ولو كان الوقت متأخراً في معرفة حضارة وادي الرافدين ، فالمعرفة الأولى كانت عشوائية  وفي الثانية   تخبطية لصوصية الى إن جاء دور علماء الآثار المتخصصين على رأس البعثات الآثارية العلمية في بداية تكوين الحكم الوطني ،لقد أدهشتهم كثرة هذه الأعمال فأخرجوها من التلول المنتشرة في ارض سومر على عجل وبقىماتلفه الأرض الكثير ولم تبقى  هذه البعثات طويلاً وكان مجيئهم متقطعاً ولو بقوا وتأملوا هذه التلول وما تغطيه الرمال لكان الأ فضل ،  وحتى البعثات الآثارية الرائدة في العراق هي عاجزةمن إن تغطي هذه الآثار الكثيرة ،ومتى ما انجلت الصورة واستخرج مافي الأرض سنقف على حضارة وادي الرافدين بأبعادها الحقيقية واعطاء الصورة الكاملة عن كلما يدور في هذه البلاد وهي البداية الأولى لحضارة هذا العالم .

قلنا ان  ظهور ألد ويلات والمراكز الدينية وبناء المعابد جعل لهذه المؤسسات دوائر تابعة إلها تقوم بتقديم الخدمات وكل شيء يطلبه القصر المعبد ومن المراكز التابعة إلى هاتين المؤسستين هي مشاغل الفنانين وفرق المنشدين وينفذ هؤلاء كل ما يطلب منهم بصفتهم موظفين يعملون في تلك المؤسسات  ويتبعون تعا ليمها ،فتأكيد الفنان على السمات وعلى التفاصيل في التمثال مثل إظهار العضلات بشكل مقصودواظهار البدانة والقوة والحيوية تعتبر من متطلبات المجتمع التي يعتمدها في اختيار الحاكم  وهذا يتم من خلال المصارعة !! فالشخص  الفائز هو الذي يكون أين اوباتسي حاكماً دينياً للدويلة أوا لمدينة التي يحكمها ((الحكام الدينيين كما سنرى فيما بعد كانوا يختارون عن طريقة فوزهم  على منافسيهم في نزال للمصارعة وحسب المعلومات المتوفرة لدينا يبدو ان المصارعة كانت تمثل الاختبار الذي يختار من خلاله الحاكم الديني الأ ين الذي كان يقوم بمهمة( طقوس الخصب ) وبظهور الحاكم السياسي بطلت  عملية اختياره عن طريق النزال في المصارعة وتحولت الى رياضة صرفة –د. فوزي رشيد – السياسة والدين في العراق القديم ص8-وص13)).

ومع ظهور الحاكم السياسي واختفاء شرط المصارعة بدأ الفنان يتحرر من هذه القيود  الملزمة بتجسيد هذه التماثيل التي تبرز القوة  مثل صراع كلكامش مع الأسود وتحولت الى عملية تبسيط الشكل التي يطبقها السومرية بدرجة متساوية على الأشكال العامة والتفاصيل الأخرى شأن الملابس والشعر (وان هذه التماثيل مصنوعة بلا استثناء الى المعابد السومرية – ستين لويد-فن الشرق الأدنى القديم ص114) في عصر مسيلم ابتعد الفنان  عن السمة الطبيعية والتجريدية وابدلهما في طريقةاستخدم فيها توحيد متوازن للعالمين المادي  واللا مادي (انطون مورتكات الفن العراقي القديم –ص80 ) هذا المفهوم الذي ركز  فيه على نظرات المتعبدين واصغائهم في كل كيانهم الى المعبود ،وهذه السمات السائدة لتلك التماثيل المعبرة عن الصفاء والسكون وتجريد كل ما هو يثقل من التمثال وكأن الروح والعيون هما اللتان تتحدثان الى الإله وهما أولى من غيرهما  من أجزاء الجسم بالتعبد وإيصال التذرع والخشوع بهذه الطريقة السكونية الطويلة ورقة الأيدي التى ابتعد ت  عن كل ما يثقلها من العضلات في السمات الأولى وجعلتها تتشابك بخفة لإيصال الدعاء  إلى المعبود الحجري، ان هذه الحقبة التي ظهرت فيها التماثيل النذرية أظهرت الفنان المتحدي القوي للصخور التي نحتت منها  وفرض سيطرته عليها  بشكل كامل ،وهو الذي  لم يمارسها من قبل عدى التماثيل الطينية والدمى الصغيرة ،ان هذا التطور الفريد من نوعه  في ارض خالية من أي حجارة صغيرة أو حصاة  في مكان ما لقد تعرف على المادة التي جلبوها له من الشمال أومن جبال ارارات  اومن ( مكان) واخرج هذه التماثيل الرائعة التي  يعج منها تعبيرها الروحي العميق .

وعندما اراد العسكريون ان يضعوا لهم نصب تذكارية خاصة بانتصاراتهم ابتعدوا عن المؤسسة الدينية نوعما ومزجوا بين الدين والسياسة والحرب ابتكروا ( المسلا ت ) لوضعها في الحدود او في الساحات العامة او في المعابد او القصور فكانت أولى المسلات في سومر هي مسلة (أينتمينا) وضعها بعد انتصاره على( اورلمّا ) ملك ( اومّا ) عندما نقض العهود التي وضعها مسيلم ملك كيش العليا واستولى على أراضي( الجو-ادنّا التابعة الىلكش في زمن الملك (اناناتم ) ابو0( أينتمينا) فجهز( أينتمينا) جيشاّ قوياّ من لكش ودحر به المعتدي وطارده في عقر داره وقتل الملك(اورلما ) ،ولهذا الانتصار العظيم والذي سبقه  انتصار عمه(ايا ناتم ) عمل مسلة له وضعها في الحدود ،وهي تعتبر اولى المنحوتات القاتمة في ذلك العصرونعني بها مسلة(العقبان) وهذه المسلة ذات قيمة تاريخية وفنية، وتكوينها من الحجر الرملي يبلغ ارتفاعها (88/1 ) متراُ وعرضها (3/1 )متراً وسمكها إحدى عشر سنتمتراً مدورة من الأعلى أما ماهية المسلة في عباره عن حجر تحذيري يخلد انتصاراً على مدينة (امّا )، أقامها) اناتم) على الحدود بين(لكش) و(امّا ) بعد استعاد الهه ننكر سو احد المناطق المناطق المتنازع عليها  وهي منطقة(كود- ادنا)وجوانب المسلة كلها مغطاة بالمنحوتات الناتئة وقد أعيد بناء جزء من المسلة منقطع عديدة وتملأ الكتابة الفراغات بين الصور وهي من وجهة النظر الأدبية والفنية تعد اول موضوع كبير من هذا النوع .

( والعمل الرائع الذي التفت إليه الفنان السومري هوا شراك التاريخ بالدين معاً في تخليد عمل حربي  - سومر فنونها عمارتها –اندري بارو –ص1859)  فمع ما يمثله هذا العمل وهو خلاصة مجرى المعركة ابتداءاً من الأ على الى الأسفل وتتحدث المسلة بشكل تفصيلي  عن الأ عمال البطولية للمحاربين وعلى الجانب الثاني يرى التدخل الحاسم للأ لهة.

ان هذا الحشد  الهائل الذي وزعه الفنان بشكل متراص متحرك متحفز الى المعركة لخوضها بكل تصميم واقتدار لان الملك الشجاع( أأناتم ) يتقدم هذه المجاميع  التي تسير بنظام صارم وهي تدوس على جثث الأعداء  شاكين الرماح مستعدون للهجوم ،ان الملك قد تدرع بجلد سميك مائل للوقاية من الضربات لقد اظهر الفنان السومري هذه الجثث المكدسة ليرينا كيف كانت المعركة قاسية وكيف سحق هؤلاء الجنود أعدائهم وبقيت جثثهم تنهشها طيور القنص ، ان الفنان استخدم نظام الحقول والأ فاريز ليظهر لنا كل شيء حدث في المعركة وكل حادث برويه بالتفصيل منفصلاً عن الآخر فكان يغنيه بالحركة وتكثيف الصورة لتكمل المعنى لوحدة موضوع المعركة والانتصار الكبير على الأعداء ، آما في الحقل الثاني وفي اسفل الحقل مباشرة يسير جنود المشاة وقد تعرت صدورهم وهم يحملون رماحهم على أكتافهم .

ان هذا الأسلوب القصصي اضا فه الفنان الى مجمل التعبير الذي وضعه في المسلة، وهذه  المسلة هي تأسيس كبير لمسلات سومرية أقيمت لحكام وملوك في بلاد مابين النهرين سوف نتحدث عن انجازها الفني الرائع مستقبلاً .

تماثيل سومرية

 

مسلة العقبان

رجوع

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005