عنوان المقالة
في التشكيل العربي المعاصر :::: في تجارب مجيد جمول النحتية
الكاتب
عادل كامل / بغداد
التاريخ
2010-01-16

 

 

في التشكيل العربي المعاصر

في تجارب مجيد جمول النحتية

[مجسمات الذاكرة وجماليات مدن الحداثة]

 

 

  عادل كامل

 

·        مجسمات : بعد  ـ قبل ـ المرئي

 

 

     قبل أن يكمل دراسته العليا لفن النحت ، في وارسو ـ بولونيا ، كان محمد جمول ، قد عرض تجاربه النحتية في دمشق ، في سن  مبكرة . لقد راح يشتغل بذاكرة  لا تستعيد أو تجاور ، بل ، تمتد  ، مع نظام الحذف / الإضافة ، شرعية المغامرة  والبناء .  هذا الامتداد المتضمن توق البنّاء ، جعل الماضي مرئيا : خفايا مجسمات مصر ، وأختام سومر ، فضلا عن موروثات الجزيرة العربية . إن ديالكتيك الفن ، يقفز ، ولا يصبح شاخصا للشهادة .. فنبضات القلب في صياغتها للوثبات ، لا تعاد . فكما  حملت هجرات التصادم / السكن بين موجات الجفاف وأحواض الأنهار ، فان الذات ، في هذه البقعة من الأرض ، مكثت في مأزق . وجمول ، في النحت ، يدوّن  مجموع المصائر . وعندما يبلغ خطابه النحتي حد اكتمال الحذف ، نحو التجريد ، والعمل بذهنية بنائية ـ هندسية ودينامية تستمد أصولها من الطبيعة ، فانه يعيد سؤال الحداثات كاملة . تلك الفجوة بين الشيء وبين الوعي : بين المادة  وما هو ابعد من خلايا الضؤ .  فالكون لا يفسر بالأساطير ، كما ان أكثر العلوم عقلانية وتجريبية  لا تقدر على قهر كيف تبني  الأمم أشكالها في صياغة  لغة الفن ـ الحوار . فالشكل  يكاد يكون  توازنا  بين عمل الجسد ـ المجتمع ، وبين عمل كون قيد الاتساع ـ أو التقلص ..انه مسافة في حجم .  وستتحدث آثار اليمن  ودلمون ، مثلما آثار كهوف الجزائر / ليبيا في المغرب العربي ، ومدافن العبيد وسامراء ، فضلا عن وجود ذاكرة مخبأة تحت رمال وارض الوطن العربي ، عن ذاكرة  لا مست مغزاها في الوجود . كأن النحت أسس مرآته كي يرى كيف تشّيد أقدم المعابد ، وأقدم  معتقدات الخلق . فخطاب النحت قاد الفكر القديم ـ نحونا ـ بجعل عمل المحركات يأخذ  أشكاله التي لم تدمرها الأزمنة ، ولم تدمرها عقلية المتوحش ، الرحّال ، فصار النحت يتكوّن مكونا المدينة / المجتمع / والذات  أمام فضاءات الحضارة . ومجيد جمول ، لم تأسره  الواقعية ـ أو  تشفيرات  الرموز ، ولم ينصص حد المماثلة ، بل منح  الفعل ( الهندسي ) مداه في التوق . انه لم يحسب رياضيا ، بل جعل المخيال يتقاطع باحتواء فاعلية بذور الوجود الأولى . هذا المفهوم للنحت ، اليوم ـ ومنذ تاق النحات القديم للطيران  والانشغال بسر كيف  تولد لماذا ... في جوهر زوالها ــ يكوّن مقاربة لحداثة لها وثباتها عبر الزمن : ان النحت لا يتكلم ، ولا يشبه بمثال . انه كثافة  أحلام إن صح القول ، وليس بناء خامات ومعالجة عناصر فحسب : كثافة زمن ، حيث الأشكال ــ الهيئات ، تتضمن ( الشاخص ) مع نفيه ــ أليس  ما لا يعرّف ــ في قانون الجدل ــ انه لا يقع أسير  أحاديات أو

مفاهيم ناجزة ؟ لأن مجيد جمول ، يدفع بالحلم كي  لا يضيق ، أو ينتهك بالتأويل  والاحتمالات . ان النحات ينحت  لأن الموتى ــ منذ ولاداتهم ــ لا يكفون يحلمون  أحلامهم المستعادة ، لكن ، عبر النفي ، والذهاب  خارج ــ وبفعل ــ الأشكال . أليس النحت مدينة تامة ألتوق ، ومنتظمة ، كي ــ عبر النحت ــ تتجلى عناصرها  حداثة لا تدحر ، لأنها ــ كما الهرم أو الزقورة  أو ملوية سامراء ــ المطلق وقد صار علامة ، بالمعنى المتصل ، المقارن ،  من الكلي الى المرئي ، ومن الخفاء الى الشهادة . يضاف ، مع ألتوق ، جماليات تمثلات نظام  الأشكال ، باحتواء فعالية المخيال ، وشطحا ته . مجيد جمول  يرتب مركز الرؤية ، جاعلا المحيط متصلا بها ، في تناغم  وتصادم  معا ً .. فالنحات  لا يحذف إلا الذي  يغدو المساحة داخل الكتلة ، وليس العكس . اليس  النحت ، هو الذي رأى النحات ، والنحات ، هو الذي صنع المدينة ..  ؟

 

 

* الواقعية : توازنات الحذف والإضافة

 

     لم تتوقف الطبيعة ، عن إنتاج أشكال برهنت الحفريات  إنها  إضافات لا على صعيد الأشكال ( المجردة ) فحسب ، بل  على صعيد : النظام . وهي  لا تلغي حدوس كل ميتافيزيقيا تحولت الى واقع . فمحور الأشكال توّلدها تنافرات ، وتصادمات ، وخلخلة  دينامية التعاقب .

     وأشكال النحات لم تتوقف عند المحاكاة .. كمسلمة ميزت الواقعيات  .. والأخطاء المنهجية التي سارت ــ ومازالت ــ حدت من جدلية التفاعل ، بين العوامل الموضوعية ، واشتغال  الفاعل . بمعنى :  ان الواقعية اكتفت بالمرئيات ، وعزلت بداهة  ان الواقع ، برمته ، هو محصلة عوامل يصعب حصرها . بيد ان اثر الميتافيزيقا ، لا يقل سلبية ، حيث يهدم الشكل على حساب  التشفير ، بل وعلى حساب التوازنات والخيال أيضا ً ؟

     ومجيد جمول ، يضرب مثلا مناسبا لواقعية  لا تكف تحفر ، وتراقب ، وتبني ديالكتيكها : الذات أمام الفضاء . إننا أمام أشكال تبرهن ان الوعي بالنحت ــ وقد صار وعيا نحتيا ً ــ هو التماعة  معرفية  لا تغادر شرعية بعث أقدم الأصول : محاكاة  الأسرار : لا  نهائية الأشكال في مواجهة ( كائن ) سيبدأ  بالمحاكاة ، كي  يشتغل شغل الساحر ، وينفصل ــ حد الصلة الخفية ــ مع المرئيات . ان جمول يبحث عن هذا الترابط  الذي يبدو ــ لا واقعيا ً ــ في تحديد نهايات الأشكال ، مع انه  نفذ عشرات النصب والتماثيل ، داخل دمشق ، وخارجها ، استمدت أصولها  من تاريخ عتيق ، ومدروس لقواعد النحت الواقعي . فليست مجسماته  متمردة أو تجريبية ، كما لا تذكرنا بـ ( واقعية بلا ضفاف ) لجار ودي ــ بل هو يمسك بدلالة أنظمة  لا تغادر فاعلية المخيال مع الخامات ، والمثال مع التحوير ، والنحت مع الطبيعة ، والمدينة ، والإنسان  في الاخير . فأشكاله لا تنفصل عن أبعاد تضاف ، لبعد الزمن ــ بدءا ً بالحركة ، نحو الإيحاء ، وكسر التكرار ن لجعل أشكاله تنتج  كيانها ــ وانتهاء ً بالمعنى الجمالي  القائم في النص وما يهبه ــ مع ما فيه من خفايا الباث ــ من أشكال تتكون بالحذف والإضافات . انه  ينتج واقعية نحتية تحركها دوافع النحات القديمة : المحاكاة والنفي . ان جمول  لا يقلد مثالا منتجا ً ( في الطبيعة ) ولا مثالا مستحدثا كلية . انه يمتد بالطبيعة نحو النحت .. فالأخير  يتضمن واقعيته بالتجاور / والتحاور / مع عوامل الإضافة . أليست  الطبيعة ــ بما فيها علاماتها  الدالة عليها ــ تتضمن ما هو ابعد ، وليس ميتافيزيقيا ـ بالمصطلح ـ وإنما بما يماثلها على صعيد المحركات والعلل الكامنة . ان منهجا نحتيا ً، عند النحات ، يمنح الظاهراتية الجمالية ، علامات  لا  تغادر هذه المساحة ، يؤكد ـ المنهج ــ مدى الترابط بين المخيال والخامات .. والكائنات ، والدالات المشفرة ، جماليا ً .. 

    ان وظيفة النحت  لا تعلن ذاتها أشكالا  منفصلة ، أو مستحدثة ، أو مصنعة ، إلا  بما يمتلكه من فعالية تتوازن ونظام  إنتاجها  : حدودها ، تقنياتها ، وخطابها  في نهاية المطاف . أليست  الأشكال  المتطرفة ، كي تكوّن عاداتها  البصرية ، وتترسخ ، تتطلب بحثا مزدوجا في الدوافع ــ المخيال / خواص الخامات ــ وامكاناتها ..؟ لكن النحات لا يخترع أشكالا مناؤة  ، أو مضادة ، بل يبدأ بوظائفها ، في ذاتها ،  كي تكوّن بالحذف وبدينامية القصد ، مغزاها  ضمن تنويعات الحداثة ؛ حداثة تتصل بالمكونات ، ولا تتخلى عن الدوافع ..النحت بصفته مأوى لكائنات المخيال ، أو

الأطياف ، وليس للمباهاة أو المحاكاة .  

 

* التجاور : موضوعات الزوال والأمل

 

 

     لا يقهر النحت الزوال؛ انه يسكنه في  العمق ، كما في الامتداد . وجمول  يتعلم من الذاكرة ــ ومن الأصابع ، إن تراكمات  المعرفة  لا تفضي الى انغلاق ، بل  للعمل على اكتشاف بعد مضاف .. فالنحت ، في تجاوره مع موضوعاته ؛ تجاوره الدائم  وحقائق زوال الظاهر / الرائي والمرئي ، يذهب حيث النحات ـ الذات ـ تتدرب للامساك بجدلية التضادات . انه  لا يقلد حركة عابثة ــ ولا حركة ساكنة ــ بل يبدأ ، كحداثة ، من القطيعة مع  الطبيعة . فالوعي ، وضد سقراط ، ليس امتدادا ، بل إضافة . فهل ثمة قطيعة تامة مع الثراء الصوري ــ والروحي الكامن في المحركات والنتائج ..؟ إن مجسمات  النحات تحافظ على اقتراحات كبار النحاتين المعاصرين ، قبل هنري مور ، وبعد ارمتاج ، انه التحديق في مسلمات جديرة بالدحض ، لكن ــ وهنا امتيازه ــ لا يكوّن كتلة وكأنها تتدحرج ، وتغادر ، كحركة أبدية ، بل  يجعل التوقف برهة تكوّن التجاور ــ الذي يأخذ معنى الانفتاح والحوار .

     فالزوال يكمن ، كمسلمة ، في صلابة  الخامات : من الطين الى البرونز . بيد ان تاريخ تطور النحت  لا يهمل تحديات إشكالية الكائن  مع الصلابة الهشة .  فالاستجابة  تكمن في التكرار المضاف  ، وهو  يتوخى  إضافة معالجات لا تغادر  مشروع التعاقب ، والتطور .

     بيد ان  ثقل موضوعات التصادم ، والإرادة ، منذ  ( نيتشة ) لا تغادر مشروع التحديق في عدمها .. وستتنوع  الردود ــ الاستجابات بحسب المنهج ، وفلسفته ، وأهدافه الأبعد . فالنحات  السوري مجيد جمول يتمسك بذاكرة تتذكر : إنها  لا تسكن ماضيها ، ولا تبعثه أيضا ً .. إنها  تذهب حيث المخيال يتذكر ، نحو الأفق ــ الأمام ــ مصائر أشكاله  المصنوعة  بالإرادة ، والخامات المصنعة .. فالحداثة  حتمت تكنيكها ، كي تأخذ بعدا ً آخر  يلحق بكل تهديدات  التفتت . انه  ينحت كثافة آماله  الداخلية ، ويقلد ، في هذا السياق ، أحلامه .فالنحات ينحت ليحلم ، وقد صار يحلم نحتا ً . فهل قهر زواله ..؟ انه ، كأقدم استعادة لتاريخ الكهف ــ المعبد ــ المدينة ــ يكرر : ان وجود  الإشكالية ــ بقول لماركس ــلا ينفي وجود حلها .. انه يقهر ( القهر ) بجعله متصلا .لأن الموت وحده يتقاطع مع دينامية  الإضافة ، ومع معرفة تعرف إنها قائمة على التواصل ن والكد . ان مشروع النحات العربي ، يرسم خارطة قرن  طويل من الزلازل ،والارتدادات ، والركام . لكنه ، ينحاز لطيف يرفرف باثاته عبر وثباته  . فالجوهر القابع داخل / خارج  ، الصلابات ، يغدو مرئيا ً : صياغة آمال لها لذة التأمل  الوجودي ن ولها ن في الوقت نفسه ، العناد المر تجاه  مصائر قيد الاندثار . ان فنا ً لا يرى مرئياته  بما لا يدحض ،  لا يقول ان الحتميات ذاتها ــ كالانسحاب الى  القاع ــ تنتج نفيها .  ان مجيد جمول  يتمسك بفاعلية الحلم / الطيف . فالنحت في سمة من سماته ، انه  لا يغادر أحلام كائناته التي كفت عن الحلم ، فهو إضاءة  جمعية ، وليس عتمة جنائزية . فالذات تتعالى ن في سياقها ، كحلم يستدرج أشكاله ، حيث ـ هنا ـ يأخذ هذا الفن مداه ز انه يصنع الإنسان ، مرة بعد مرة ، أمام الذي يأتي ، لكن ،ليس أمام زواله ، قبل ان يصير الاخير مادة للذاكرة ن والفعل  والمخيال الجمالي . فالكثافة تغدو ، كثافة حلم ، وجغرافية وثبات أطياف ، وعيا ً شكل خطاب النحت . فهو يغادر مناخات  ( جايكوماتي ) منحازا ً ، أكثر فأكثر ، لا لقهر الزوال ، أو مجاورته ، بل الحفاظ على ديناميته ، لكن ، في آثار  مازالت تريد ان تمتد بالأسئلة ، ولا تريد ان تغادر الوجود ، وهو يتجسد أطيافا ً تصنعها الإرادة ، وكل الذي لا يدحض بالنسيان .     

 

* النحت / المدينة

 

 

     نستدل من النحت ، عبر العصور ، انه يضعنا في موضع ( التجمع )  . ثمة ألفة مكان صنعها الكائن . فالمكان  لا وجود له ــ في الوجود ــ خارج صياغته . فآثار  النحت ـ مع النحت الفخاري ـ تدلنا علة المغارة ، والكهف ، والمعبد ، وتدلنا  اليوم ، على عصر تأسيس مدن الحداثة .. لكن ، في  جوهر الزوال ، على تفكيك الجدران بما ينقصها من مقاومة . إن مجيد جمول  ينحت مدنه . فكل نص / نصب / هو : مركز . والنحات ينحت ـ بفعل المحيط ـ كثافة هذا المركز . فكل مجسم ، بلغة الاجتماع ، له دلالة إرادة بشرية ـ مع وفرة الى جوار السكينة والأمن ـ فالمجسم ، في وجوده ، يصّور المحيط ـ النحت أمام المركز ـ عبر  تقنياته ، ومضامينه ، وأشكاله . فهو صورة لمدينة كثفت حد التشفير . والمدينة عند جمول ،  لا تقع في قلب الرمال ، أو بين جبلين . إنها مدينة مساحة  لا تغلق حد  الشاخص ، ولا تتفتح حد غياب المكان . إنها مدينة تتوازن فيها فجوات  التأمل ، مع توكيدات حركية المركز . فالفضاء  لا يصير كثافة ، والمركز  لا يصير علامة إلا بما يدل عليه محيطه . إننا أمام مصّغرات مدن  ليست من صنع المخيال إلا بجعل الأحلام  تأخذ أشكالها . فالنحت الذي  لا يحلم لا يسمح لنا حتى  بتنفس الهواء . جمول يمنح المركز تحريضا  للمحيط إن يتحسس نبضاته ــ ومخياله الفعّال . فالنص ، كما في مراكز  الفضاء  بابديتها الكونية ــ يعمل بازدواج الباث ــ حدود  المستلم . انه حركة تبقى ترتقي بالخامة الى المعنى ، والنص لا ينغلق داخل موضوعه . فالموضوعات ، في تحليلها البنيوي ، توحد داخلها بالمحيط .. إنها  لا تلغي المساحة ، لكنها تمتد بكثافة الحلم  كي يبتكر أشكاله . إن النحات يصّنع خاماته ، ومحركاته  ؛ موته وحبه ، مدينة تحدق في محورها : فالمجسمات  تكاد تستعير فعالية ( النبع ــ  البحر ) في الذهاب حيث العناصر تتلاشى كي تتكون  بفعل الحلم ـ الإرادة . إنها منحوتات  تستعير  أشكال الصحراء ، صلابة  لها مرونة  لا تقهر . هنا  تصير الحركة  وقد شملت خفاياها : مرئياتها ومخفياتها ، باثاتها الحسية  ودلالاتها الرمزية ، واقعيتها واختزالاتها حد  التجريد ..الخ  فالحركة تتسع بتوفر المراكز ، تتلاقى ، كي يحدق ( الزوال ) ـ فلسفياً ـ في أشكاله وقد صارت مادة للوجود . بيد ان المدينة ،  تبقى ، ذاكرة / متحفا ً / ومشروعا  لا يكف ان يحافظ على جمالياته ، مع ـ وضد ، كيان  يمتد بأسلافه  ، جاعلا  النحت مادة للتأمل ، مركزاً يشغل محيطه وقد شكلته عناصره العنيدة . 

 

جماليات : لذائذ الصدمات والانبثاق  

 

     عدا المناهج الراسخة ( السكونية )  تقدر الا تذهب حيث الإضافات / الحذف ، عبر المنجز ، تمتلك خفاياها الجمالية . وبفعل هذه المناهج ، يتلقى التشكيل العربي ، تكرارات لم تعدل  ــ  في واحدة من ملامحه  ــ مسارات الإبداع . وبفعلها ، فان نفي التكرار ، منذ محمود مختار وجواد سليم والسجيني واساعيل فتاح والرحال ، منح المخيال ديناميته الجمالية . كانت حداثة  النحت العربي ، منذ مطلع  القرن العشرين ،  تفكك الكتلة الصلدة . فلم يكن للنحت دور الوثن . كان مركزا ً لكائنات تستعيد ـ وتكوّن ـ مدينة بمعناها المعاصر ، والمشّرف .

     جمول ، يترك خاماته تفكر . لقد صهر نفسه معها حد ان الأفكار تعلن عن ذاتها  بوحدة عناصر البناء مع عمل الدوافع . فالنحات  لا ينحت وظيفيا ً.  ان أولى جماليات نماذجه انها ليست للزينة ، والترف ، في عالم ينزف كبرياءه أزمنة كاملة ، بل تتخذ الحركة ــ عمل الفجوات مع الفجوات الأكثر كثافة ــ  معيارا ً للتشكل . إنها تصنع ( الكيف ) بزخم الأسئلة . فالحركة  تذهب نحو المركز / ومن المركز ترسم مديات المحيط . والنحت  يتحرك بعلاقة ( روح )  الجدل  وقد تكاملت فيها روافدها : استعارات  واستذكارات وتعديلات وابتكارات أشكال استمدت أصولها من  الطبيعة / والإنسان . بيد انها ن بصلابتها ، تجعل الحلم مرئيا ً . إننا أمام حروف لغات مشبعة بثراء الذاكرة ، ومحنتها ، وتوقها ، لا تكف عن الرقص . إنها ضد الانغلاق وضد أي تحليل ( تحت ـ نفسي ) إلا الذي يجعل المتحرك وقد أدى انفتاحه نحتا ص يوازن  بين الكلام والبوح . فمجيد جمول  يصور شفافية عنيدة  تقارن ــ وتجاور ــ بين الأضداد : المرونة والخشونة ، الهندسة بصفتها لا تعزل عن ظاهريات الوعي وصياغته : قسوة الخطوط الحادة مع مرونة سبعها الإيقاع ( الهارموني ) تضادا ً منسجما يعري أنظمة الأقنعة  وترف الباروك ..الاربسك في مغزاه الأحادي . وللنحت ،  هنا ، أبعاد  متجمعة ومتداخلة ، وليس رؤية ذات بعد واحد : انها ـ بعد العمق والارتفاع والأفق ـ تصّور تحدب أطياف الزمن ، مشهدا  لا يستعير ، بل يمثل  كل الذي في اتساعه يجتاز المشاهد : البعد المّولد للأبعاد ، ضد سكون العابر ..  فالنحات  يحفر خطابه النحتي في قلب مدن لا تقع على حافات المجهول . فخاماته ـ وحتى  المصّنعة بالمواد البلاستكية ـ تحمل تضادات الجفاف والطوفانات : الارتفاع  والتوغل والسكينة ، لا التي تفضي الى ( نعم ) ، ولا نعم التي تتنكر  بـ ( لا ) .. حروف بلغات يصنعها فن النحت وسياقه منذ صارت أصابع الكائن تتلمس  جغرافية الحلم ، وتنطق بالذي يتكون داخلها ، حيث تجلد النحات وصبره  ذاته ، صار يرسم جماليات التوازن . فكائناته / علاماته / إشاراته / رموزه / أشكاله .. الخ  كلها تكمل يعضها البعض الآخر  ، ـ وبعيد عن السرد ، كما اعتدنا ان نطلب من النص الفني ـ  تهب ، وتثب ، شهادة كيف استحال المحيط مركزا ً ، وكيف تجمعت تقاليد طويلة لفن النحت كي تكثف فضاء ( التحليق )  الى مدارج للطيران . ان  الكلمات ـ عند الشاعر ـ تصير شعرا ً ، والخامات ، عند النحات ، تصير نحتا ً ، لكن ماذا  يريد الشعر ان يقول .. وماذا يريد النحت ان يوصله ..؟  معا ( حيث النحات يعامل خاماته كما الشاعر مع الكلمات ) : لا  يكفان عن صياغة أحلام مستعادة ن تتكامل ن بصيرورتها ، وتعاقبها ، حيث لا تكتمل ، إلا بجعل هذا  الاختلاف ، يبث مادته العنيدة : التحليق ، ومنح المحيط علاقة ألفة  مع النحت .  وثمة إذا  كف ( الموضوع ) عن إعلان مغزاه ، يفصح  النحت عن مسار طويل للفن ذاته : إنها مجسمات لا تتهدم ، ولا تتآكل ، بل تتناسق كعلاقات  ، وكبنية لها نظامها  الخاص . ان  الجمال  لا يعلن ذاته كمصطلح  ، أو  كأشكال ناجزة ، ولدّتها  التنصيصات ، بل ، مع مراعاة  تقاليد الأنساق  والأساليب  والأزمنة ، تعلن عن وحدة الشيء في ذاته ــ نحو ــ ما  هو   ابعد من الوظيفة . فالنحت  يحدق كي يبقى يتشكل ، ولا يتحجر . ثمة  حرية لا تخفي إلا الذي تعلنه ، مخفيا ً ،  عبر  استحالة  تعريف ( الحركة )  أو تعريف ( المادة )  أبعد من مصطلحات  الخبرة ، والجدل . إننا  أمام مجسمات هندسية صاغتها الأصابع تنفيذا لمخيال لا يكرر  إلا ما سيبقى يواجهنا بدوره : إجابات  تتضمن أسئلتها ، وليست إشكاليات وجدت كي تجد حلا ً ــ بحسب واحدة من التماعات كارل ماركس  ــ حيث الجمال ، ليس سطحا خارجيا ، صوريا ً ،  بل حركة متمركزة بما تمتلك من محركات وأبعاد  : فراغات وانفتاحات وأصوات كامنة ، وجدت  امتدادها غير المنفصل عن الذي يبقى محورا ً : كثافة  لا تخفي إلا بما تبثه .. أليس  هذا السياق  الحداثوي ــ القديم قدم البذور الأولى    ،  لا ينفصل عن كثافة أحلام  سكنت حد ان النحت  صار، هنا ،   أطيافا ً جرجرتنا الى صدمات التأمل ، وجمالياته ، والى لذائذه  عبر  صيرورة الزوال والانبثاق ..؟    

        

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق