عنوان المقالة
أربعة رسامين في نص تشكيلي
الكاتب
عادل كامل / بغداد
التاريخ
2010-02-08

 

     لست بصدد الحديث عن المسافة ـ أو الفجوة/ الحد ـ الفاصل بين المصادفة، كحدث غير خاضع لنظام، والمصادفة كجزء من كلية النظام، وإنما أنا بصدد اشتراك أربعة رسامين في بناء تجربة مشتركة: هذا النص.  فالاختلاف فيه يندرج في سياق وحدة لا أرى ـ بعد 23 سنة ـ أثرا ً إلا للذي كنا لا نستطيع أن نجتمع فيه كما اجتمعنا في هذا النص، ولا أقول (فوق) السطح، بما في السطح من أبعاد، وعمق، على المستوى الفيزيائي ـ وعلى خلاف ما ذهب أستاذنا الكبير شاكر حسن آل سعيد من تصّور للبعد الواحد بصفته بعدا ً ذهنيا أو روحيا ً خالصا ـ وعلى مستويات متداخلة كالبعد: النفسي/ الفكري/ الاجتماعي/ الجسدي/ والرمزي بتشفيراته العميقة ..الخ

أولا ً: ولا استطيع، الآن، استعادة من كان صاحب المبادرة، في العمل المشترك، وإنما، في الغالب، ليس محمد مهر الدين ولا محمد صبري ولا أنا .. وساترك للصديق الفنان والناقد الفني السعودي عبد الرحمن السليمان التقاط الومضات التي قادتنا لحياكة ـ أو بناء ـ هذه التجربة. فربما كان عبد الرحمن السليمان، الذي كان يشارك في مهرجان المربد و للفنون التشكيلية في بغداد ـ قد رغب أن تكون ثمة ذكرى ما ترتقي إلى التعبير بالفن عن لقائنا غير المبرمج ـ ولكنه ـ الذي غدا جزءا ً يستكمل ترتيبه في حركة الزمن. فليس ثمة للمصادفة إلا كل ما يؤكد أنها متجانسة مع حتمية اشتراكنا ـ رغم اختلافنا ـ لـ: وحدة  تضمنت التأويل، وفي الوقت نفسه، مكثت تعمل، كعمل (الختم) بما يمتلكه من اشتغالات عنيدة.

ثانيا ً: كان محمد صبري حرا ً، طليقا ً، عفويا ً، وهو مأخوذ بالألوان، ومتوهجا ً بلحظات لا كآبة فيها، عدا حالته الشعرية، بما فيها من براءة ـ ومرارات. فانا أكاد أرى أصابعه السومرية تعمل بحدة حواسه، تعمل بسرعة كي لا تختفي أو تتوارى رهافة بصره أو سمعه أو تحسسه بحبيبات الزمن، أو أطياف الفضاء المشغول بالإشعاعات التي لا تراها حواسنا (الأرضية الضيقة)، فقد كان، بمزاجه المتقلب، والمتدفق، يرغب أن يمسك بكل ما كان يراه يذوب، ويتلاشى، ويعود مشفرا ً في عدمه البعيد.

ثالثا ً: ولم يكن عبد الرحمن السليمان، المشفر بتراث غابات، وبحار، وصحارى الجزيرة العربية، الزاخرة بتراكمات لا وعيه السحيق، اقل رغبة برؤية شبكات الأشكال وألوانها وأبعادها .. فقد كان معنا كأنه  في عيد، وكان ـ بحبه للحروف والأشكال الهندسية والرموز الشعبية و ـ يشترك معنا باغناء النص التشكيلي بما تدّرب عليه: مغادرة قيود النص، نحو لذّة جمالية تتوازن فيها الأبعاد، والأزمنة، حد الوحدة. إنها صوفية معاصرة، إنما مشفرة بما يصعب تفكيك ما تريد أن تذهب إليه، أو تقوله.

رابعا ً: العقلاني والملغز محمد مهر الدين، المشغول، حد الهوس، بتتبع نظريات المؤامرة، لا يريد للمصادفة أن تغادر، أو تفلت، أو تكون بريئة .. فقد طلب منا أن ننجز ما نريد انجازه، كي يسهم ـ هو ـ بوضع بصماته. لكن هل نجح في ذلك؟ نعم. كما يخّيل إلي ّ، بعد أن فرض نظاما ً بنائيا ً، قيد فيه أشكالنا، ضمن عقلانية النص. إنما، في الوقت نفسه، مكث النص يتمثل حالتنا الشعرية ـ حالة تحر الحلم وتحوله إلى ذبذبات، بعيدا ً عن المقاصد، أو السرد وضرورات الشرح. وربما كنت ـ في تلك اللحظات ـ منحازا ً إلى آشور، فرسمت، وكأنني انحت، ملكا ً يثب من الظلمات إلينا، كي يتوارى، مرة ثانية، في مساحة مشغولة بلغة تعيدنا، دفعة واحدة، إلى رسومات عصر الكهوف.

خامسا ً: ألا تبدو (الحداثة)، في هذا النص، قد حررت لا وعينا، من قيوده، مشفرة بحفظ سريتها، وألغازها،  إنما بما يشبه عمل الموسيقا، بعد تهذيبها من الزيادات، ومنحها قدرة في صياغة هذا الامتداد: من الصمت إلى الأطياف، ومن الماضي إلى مؤجلاته، عبر اختزال أكاد أصغي للقدر ـ فيه ـ كيف امتد ـ وغدا ـ مرئيا ً!

سادسا ً: وليس لدي ّـ عزيزي القاريء ـ إلا أن تقول كلمتك، لاستكمال ـ موت ـ النص، أو تركه يولد بملغزاته النائية.

* أنجز هذا النص في مشغل الفنان محمد مهر الدين، عام 1987، بمشاركة: عبد الرحمن السليمان، محمد صبري/ عادل كمل، ومحمد مهر الدين.

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق