- مؤيد داود البصام
المقدمة
هل كان الفنان محمد عارف فنانا تبسيطيا ؟ للتزامه المدرسة الواقعية، أم كان فنانا تطوريا، استطاع أن يشخص نزعاته الذاتية والاجتماعية، من خلال وعيه لهموم مجتمعه وشعبه وانطلق منها، لوضع أسس فلسفته في الرؤية البصرية؟ أن هذه الاسئلة وغيرها تستحضر في ذهن المتتبع لاعمال الفنان، ومدى ارتباطها بحياته الخاصة وعلاقاته بالمجتمع، وبنسق حياته الشخصية الذي كرسه في أواخر حياته، حتى أن الكثير كانوا يطلقون عليه ( الحاج ) لما ارتبط في اذهانهم ما تتمتع به شخصيته وبنائيتها الدينية، سوف يتوصل الى اهمية ذلك في بناءه الفني وتطوره، وما حاول أن يطوره في اللوحة، أن أدراكات الفنان محمد عارف المعرفية والتي تمثل جزء من ارهاصات جيله التي يصفها عاصم عبد الامير في فصل ( الستينيون تجليات اخرى للحداثة) في كتابه الرسم في العراق،" لهذا هب الاقطاب الى اعادة انتاج الموروث الشفاعي منه والمدون على السواء، باحثين عن مكامن الاسرار والدهشة فيه، وهذا ما تبدى في رسوم ضياء العزاوي ومحمد عارف وعامر العبيدي وسلمان عباس....الخ وكان لكل هؤلاء وجهة نظر جمالية شكلت بمجموعها بعض ملامح الحداثة لفنهم، وفي الوقت ذاته ثمة نزعة رمزية وشبه صوفية " ص53، وهذه النزعة الصوفية، هي التي قادته لربط العلاقة الحضارية للفنان وبين الانسان العراقي وواقعه، فلمن يبدع المرء، ان لم يجد من ينظر الى عمله او يتابع نشاطه ؟، واكتشف بهدوءه الصوفي وصفاء ذهنه، وعقليته المتفتحة على كل ما يطور العقل ويدربه على الارتقاء لخدمة الاخر، وهو ما توصل اليه خلال بحثه، أن تاريخ العراق يحمل ارثا حضاريا عبر آلاف السنين، لايمثل واقعه الحالي، وهاله حالة التخلف والجهل التي وقعت على الانسان العراقي، جراء الحروب والاحتلالات والسلطات المتجبرة عبر عقود وقرون، جعلت منه أنسانا بعيدا عن التطورات الحضارية التي يتسابق العالم في أنجازها، وعاش هذا الانسان وجوده المتخلف محاولا أن يصل لحالة العيش الكريم دون أن يناله، مما أبعده عن التطورات الحضارية وترف الثقافة والفنون، وأغرقه في الجهل والتخلف، هذا الفهم والوعي لطبيعة مجتمعه، لم يكن ياتي الا عبر مراحل من تطوره الفكري والثقافي، ولعل رحلته الى الاتحاد السوفييتي السابق، فتحت له مجالات واسعة في تعميق وعيه وأدراك أهمية الحراك الاجتماعي وأثره على النزعات الذاتية وارتباطه بالواقع الاقتصادي الذي تعيشه الجماهير، هذا الوعي جعله أكثر أرتباطا بالانسان العراقي، بانسان ابن القرية النائية في أعالي الجبال أو في الوديان، الذي تغلق الطبيعة أيام طويلة من حياته، حينما يغطى الارض سهولها ووديانها وسفوح جبالها وقممها بالبياض، ويصعب على الانسان الخروج وممارسة الحياة الاعتيادية، هذا الواقع مع حالة الفقر والتخلف الثقافي والفكري، وتخلف التعليم جعل الانسان الرافديني بعيدا عن التطورات الحضارية التي لها تماس في حياته اليومية، فكيف يتعايش مع الترف الفكري الذي تحمله التطورات الحضارية التي هو محروما منها ؟، ولكن هذا الشعب سليل الحضارات العظيمة خالق الاساطير، خلق اسطورته المعاصرة بالنخبة التي أستطاعت أن تحمل الارث وتحافظ على الوشائج، ولكن هذه النخبة ظلت متقوقعة داخل المجتمع ولم تستطع التاثير المباشر، والاكثر من ذلك، أن قسم من هذه النخبة لم تستطع مقاومة الاغراء في اللحاق بما حدث للفنون والاداب في العالم الرأسمالي، فراحت تلاحق الموضات والتقليعات للعالم الغربي، مما أفقدها التواصل مع الجمهور، لا بل وصلت القطيعة ما بعد ثمانينات القرن الماضي الى عزوف الناس عن الاهتمام كليا بما ينتجه الفنان، وهو ما تنبه له الفنانون الاوائل جواد سليم وفائق حسن وحافظ الدروبي ونوري الراوي وشاكر حسن.. والاخرون من مجايليهم او الذين جاؤا بعدهم، كان اهتمامهم ينصب على التواصل مع جمهورهم وان لا تحدث القطيعة، التي بدات بوادرها أثناء او يعد الحرب العالمية الاولى في اوروبا والعالم الغربي، وهو ما وعاه وأدركه الفنان محمد بوقت مبكر، وهو يدرس ويتابع اعمال جواد سليم وفائق حسن وحافظ الدروبي..الخ ومن ثمة دراسته في الاتحاد السوفييتي السابق، وهو يتطلع الى ما انتجه الفنان السوفييتي من روائع ضمن المدرسة الواقعية والواقعية التعبيرية، فكان التزامه الواقعية تعبيرا عن التحامه مع شعبه، واحساسه بما يعتمل في داخله، لهذا كان أدراكه مبكرا لفهم ومعرفة لماذا تزداد الهوة بين الفنان والمتلقي، ذلك القصور الذي اعتلى فهم الواقع المحلي والبيئة الفكرية والاجتماعية التي تحكم مجتمعنا من قبل بعض الفنانين والمثقفين، وهي الفلسفة التي تحكمت برؤى جماعة بغداد او جماعة الرواد او الانطباعيين، فتمسك محمد بالواقعية كمنهج أستطاع من خلاله أثبات حضوره وتواصله مع مجتمعه، فهو لم ينظر الى عملية التطور الفنية باعتبارها حالة تعقيد واستنساخ لتجارب الاخرين، لقد تناولها كحالة لها ابعادها الجمالية وعناصرها التي ترسخ هذه المفاهيم فيما يدركه يصريا وما يحاول أن يرسخه في ذهنية المتلقي ، الذي يعيش حالة أحباط وفقر وجهل، وتمتين العلاقة بين الفنان والمشاهد، من خلال هذا الالتحام المباشر وغير المباشر لوعي واقعه وايصاله لكشف ذاته والتمتع بالجمال وقيمه، بحيث يصبح جر المتلقي حتى وان لم يملك الوعي والفهم للاعمال الفنية، ولكنه تواصل من خلال الاحساس بالجمال، عندما يكون الواقع هو الحد الذي يجمع الطرفين، وكان لتأثيرات الفنانين جواد سليم وحافظ الدروبي وشاكر حسن وفائق حسن، وبالاخص تاثره بقدرو فائق على تطويع اللون، الذي كان واحدا من الاساتذة الرواد في الفن العراقي الحديث، والذي درس على يديه جمالية الرؤية البصرية المتحققة في الواقعية والواقعية التعبيرية، وبما يملكه من موهبة استطاع أن يمتلك الحرفة والرؤيا والمخيلة في رؤية المخفي، وأن يكون وجوده أستلهام للرؤى البصرية في أكتشاف ما تحمله أمنا الطبيعة، فكانت اللوحات التي يرسمها فائق بقدراتها التقنية في أستخدام اللون واستقدام جمالياته، أحدى المؤثرات المهمة في عالم الفنان محمد عارف، أن تاثير مدرسة (جماعة بغداد للفن الحديث، وحركة الرواد ) كانت واضحة المعالم بما آمن به، والتي ستجعله مع ما رآه وشاهده في اعمال الفنان السوفييتي السابق، يتمسك بالفن الواقعي والتعبيرية برؤى حداثوية، وهي نفس الرؤية التي تحدث بها عاصم عبد الامير عن فائق حسن،" فهذا الفنان بقدرته الادائية الفذة كان كمن يسير وعينه على الواقع، وعمليا لقد استبد به الهوى، وكانه يبحث عن أسطورة لامجال لها في العوالم التي يجلبها الخيال المنفلت، ولم تكن هذه الاسطورة الا الواقع نفسه، وهنا يكمن أحد ملامح حداثته او مرتكزاتها " ص33 .
الواقعية والبناء الفني
.
أن واقعية محمد عارف، كانت تاخذ شمولية الفهم لطبيعة أرتباط الانسان بالارض واهمية المكان، ويكتب طه حسن في كتابه، تجنيس السيناريو، ( أن العلاقة الجدلية بين الوصف والمكان هي نفسها ما بينهما وبين عناصر السرد مجتمعة )، ثم يضيف ( ومن هنا يبدو النشاط الانساني فعلا ذا هدف واتساق وجمال ضد عشوائية الطبيعة كما تبدو للانسان، وتتحول الاستفادة من الطبيعة الى عمل خلاق طبقا لقوانين أعمق غورا قد نسميها قوانين الجمال ) وهو ما سعى الفنان محمد لتطوير هذا المفهوم، كونه ابن البيئة التي تشكل فيها الجبال والوديان العامل الرئيسي لعلاقة الانسان بالمكان، وكان أرتباطه واضحا في جملة أعماله الطبيعية و ما نجده في الكثير من اعماله، وكانه حاول أن يجر المتلقي الى عملية الانبهار ليكشف للرائي ما لم ير، في الرؤية البصرية للحلم في احضان الطبيعة وواقع الحياة، رؤى جمالية تختلف عما تراه العين يوميا وهو يمارس حياته اليومية او في لحظة استرخائه، عالم القرية بهدوءه وسكينته يكتب بول كليه في يومياته في بداية عام 1915 ما يلي " كلما أصبح هذا العالم اكثر رعبا،( كما هو عليه في هذه الايام) أصبح الفن اكثر تجريدية، في حين ان عالما في سلام ينتج فنا واقعيا " ، هذه الرؤية تفسر طبيعة الحراك الداخلي الذي اتسمت به شخصية محمد عارف، وتمسكه بالواقعية، كتب عنها الفنان اسماعيل الشيخلي "معبرة بشكل غريب عن ذات الفنان وطبيعته الهادئة " ، على الرغم من ان الظرف والواقع الفني وتطوراته المحلية والعالمية، كانت تفرض عليه الانجرار لتغيير منهجه، ولكن الطابع الذي يمثل شخصية محمد، هو هذه الروح المسالمة والمحبة للاخر وفهم أبعاد التطورات الحضارية في واقع العراق، وواقع التخلف البعيد عن التطورات الحضارية التي يشهدها العالم والذي يغلف واقع الاغلبية من ابناء شعبه، وجاء هذا الفهم المعرفي مع طبيعته الشخصية، والبعيدة عن العنف كوسيلة لتحقيق الطموحات في الحياة والرؤية للحياة، أنه أغداق النور وجمالية الرؤية البصرية في الاندماج برحم الطبيعة والتغني بها، وهي مدركات تختلط بالمشاعر، من الصعب ايجادها بسهولة، أو الوصول اليها، أنها شاعرية الصوفي في اهتزاز اوتار قلبه وعقله أمام الجمال الالهي في كل شئ وفي كل لحظة، هذه الهزة التي لايحسها ألا من هام حد الذوبان هي التي كانت تحرك فرشاته على ظهر اللوحة، لم يكن محمد عارف يستنسخ الطبيعة اوالانسان او الاشياء، فعندما ترى لوحة ( نساء من القرية )، ستفاجا للجسد كيف يتكور على الجسد المقابل بحنو بحركة دوران والتفاف، واذا ما نظرنا الى لوحاته التي يتكرر فيها الحصان التي كتب عنها محمد عبد المجيد (والحصان، يستخدمه بشكل رمزي، وكخلفية معبرة ومكملة لرؤيته الفنية، هذا الحيوان الذي يرمز للشجاعة والبطولة، كما يرمز الى الجموح والتمرد والانطلاق، نجده في عمق اللوحة احيانا، وهو يعكس حالات النفس الانسانية )، أن بعض الرموز التي اسخدمها في لوحاته، ومنها الحصان ( الحصان يتكرر كثيرا في أعمال محمد عارف وهذا التكرار يكشف عن عمق ارتباط الفنان بالبيئة: القرية، حيث تكمن قيمة الحصان الواقعية والتي تبلغ أحيانا درجة الرمز ومرحلة الاسطورة " ص206، مرحلة الستينات، أن صورة الحصان التي تتكرر في أعمال كعنصر رئيسي او خلفية، لاتمثل ذلك الجموح والتمرد والقوة التي يمثلها بشكل عام في أعمال الفنانين، أنما مظهر من مظاهر البعد الانساني في تقاربه عاطفيا مع النفس الانسانية، أن لوحاته تبني احساسا أن هذا الفنان لايستنسخ، ولا يطبع حالة جمود، أنه يحرك الاشياء، ولا يبني الوانه على اللوحة كنقل للمرئي، أنما يغوص لاكتشاف اللامرئي، يقول الفنان شاكر حسن عام 1981 " فبعد أكتسابه لبعض التغيرات ذات الدلالات الواقعية ( ربما الواقعية الاشتراكية ) نجده محاولا أن يعمق رؤيته مضيفا اليها تجارب تشكيلية شخصية من صميم الفكر المحلي، الوانه المشرقة في يعض اللوحات حضورها في أجواء العديد منها " .
لقد كانت علاقته بالاخر، بفهم ما للمكان والطبيعة من أهمية في حياة الانسان والمجتمع الذي يعيش في وسطه، فكانت تعبيراته الفنية تتواصل لتطوير هذه الملكة اللونية بالتجريب والدراسة، لاحداث الصدمة في الرؤية البصرية للمتلقي وجره للتواصل، كان مستمرا في تطوير بنائية منهج الواقعية على ضوء فهمه لاستيعابه ما جاءت به الحداثة من متغيرات شكلية واسلوبية، مع وعيه لحقائق تاريخ حياة انسان المنطقة ورؤيته وهو يعيش هذا الواقع يوميا،ويقول الناقدعادل كامل في كتابه، خمسة تشكيليين ( لم يغفل أهمية الموضوع، الطبيعة الخالصة، ومنحها أهمية المركزفي العمل الفني ) ص21 ، فكانت خطوطه تؤكد على الايحاءات النفسية والجمالية، وكانه هو الاخر كان منبهرا بما وصل اليه، فشخوصه من صلب المجتمع الذي يعيشه، لكنها مفعمة بالحيوية والحركة، ووجوهها تحمل سمات الحبور وفرح الحياة، ويستطرد الناقد عادل ( فقد رسم مئات الاعمال لمختلف المشاهد المستمدة من الطبيعة، تلك التي تركت أثرها البصري النفسي، منذ ولادته في راوندوز في اربيل عام (1937).. مرورا بخبرته المكانية، مع الطبيعة المتغيرة، وأثرها في أسلوبه )،( المصدر السابق) والطبيعة عنده كتلة متحركة وليست واقعا ساكنا، أن الكتلة اللونية بتراكماتها كطبقات في سطح لوحاته، تلغي الخطوط في احيان كثيرة، ليتداخل الجزء من المقطع بعدة الوان ممزوجة فتمنحنا رؤية جديدة مغايرة لما نشاهده في الطبيعة .
المنهج والواقع وتداخل الرمز
أن الفنان محمد لم ينجر للركض وراء ما فرضه المجتمع الراسمالي النفعي من آراء وفلسفة حياة، لانه كان أنسانيا بطبعه، وهو ما أتسم به فكره وفلسفته الحياتية واتجاهاته العقائدية، فلم تغريه المادة ليؤمن بجمال القبيح ومسخ اللوحة، على حساب فضائلها الاخلاقية، ويمجد القبيح من أجل أن يسود الفهم النفعي لوقائع الحياة الذي نرى سيادته في الاسواق الان، أنما مارس تطوير التقنيات للمنهج الواقعي والواقعية التعبيرية، من الواقع والطبيعة أم الفنون وتجارب الفنانين العظام الذين سبقوه، ومن الذين وضعوا يصماتهم في الحركة الفنية العراقية، والذين درس على أيديهم، ويقول الشاعر بلند الحيدري ( أن يغامر مع المغامرين الشكليين، ولا يستهويه الركض وراء مجازفات الفنانين الاوربيين المحدثين )، دليل المعرض الشخصي عام 1979، ولهذا لانجد تكرارا في أعماله أو استنساخ، لقد وظف تراكماته المعرفية بما أمتاز به من دأب على المطالعة والاطلاع على المستجدات في المعارف، وتجاربه العملية على ظهر اللوحة، فقد نوع مشاهده ونوع في تكنيك استخدام اللون، عبر التداخلات اللونية التي لا تخلو لوحة من لوحاته منها، كما أنه أهتم في أبراز الخلفية في لوحاته أن كانت للاشخاص ( (figuers او للطبيعة، للايحاء بعمقها الجمالي والنفسي،مستلهما من الفضاء الشاسع الذي توحيه الطبيعة في منطقة كردستان، هذا الاتساع الشمولي الواسع الذي لا يدركه البصر، حينما يقف على قمم الجبال يتطلع الى عالم زاخر بالالوان والحياة، وعظمة الكتلة اللونية، بتنوعها وانسجامها الفطري الرائع.
أن اعماله يرتسم فيها ذلك الفهم لطبيعة الموروث الحضاري الرافديني، يقول عادل كامل في كتابه خمسة تشكيليين من كردستان العراق، (فالتجديد عنده، ليس أختلافا حد القطيعة مع الجذور، حتى لو كانت تعود الى عصر الكهوف.. وانما هي علاقة جدلية تخص المنطق الواقعي للوجود في بعده التاريخي، وفي الفناء الروحي له"، ص8 ، وهو ما نجده في استلهامه لكثير من الرموز التي ضمتها لوحاته، وهي متاتية من فهمه واندماجه في فهم الانسان العراقي الذي أبدع عبر العصور تلك الثقافات والحضارات، مع أمتزاج شعوره أنه سليل ووارث لتاريخ وموروث يمتد لالاف السنين، عندما نقش الفنان الرافديني بيده وبازميله تلك الفنون الرائعة، اننا اذ نقف لتقييم منجز الفنان محمد عارف، نقف على المحطات التي صاغت الرؤية البصرية في ادماج الاسطورة والرمز في اعماله، فهي تعبير عن ربط العلاقة بين الاسطورة حكاية البسطاء في جلساتهم، وهو ما يعني عمق الربط، من خلال الفلسفة التي اتبعها لاظهار هذه الرؤية البصرية، وهي اولا : الانسجام الذاتي بين شخصيته وتكوينها الاخلاقي والمعرفي بما أتسمت به شخصيته من هدوء وتامل صوفي وبين أنتماءه الفني للواقعية والتعبيرية، وثانيا : تطابق بناء شخصيته مع فلسفة الرؤية البصرية التي تلقاها على يد اساتذته وفهمهم للعلاقة الانسانية بين الذات والاخر والتي تطابقت مع ما يؤمن به، ودراسته في الاتحاد السوفييتي السابق وما أثرت به المشاهدات البصرية، أو الفلسفة المبنية على الروح الانسانية بعيدا عن النفعية، بغض النظر أن كان التطبيق صحيحا أو يشوبه الاخطاء، وهو بالاجمال يمثل ما قاله هيجل" لايكفي أن يكون الفنان خبيرا بالعالم بتمظهراته الخارجية والداخلية معا، بل لابد أن يكون قد خامره قدر كبير من المشاعر الكبيرة، وأن يكون قلبه وروحه قد أهتزا وأنفعلا بعمق وأن يكون قد عاش وعانى كثيرا، قبل أن يغدو مؤهلا للتعبير في أشكال عينية عن أعماق الحياة التي لايسبر لها غور " ، و من خلال هذا الفهم والوعي بدوره كانسان وفنان، وضع موقعه في حركة الفن العراقي، بحميمية التصاقه بهموم ومشكلات شعبه وانسانه ووطنه ، وعبر التجارب التي خاضها والمعاناة الذاتية او الجمعية وعبر استمرار تواصله فنيا واجتماعيا، ما جعله أحد أهم المجددين في المنهج الواقعي والتعبيرية، بعد أساطين الواقعية في العراق، حسب رؤيته وأدراكه لهذا الدور الذي مثل وجوده الفني والحياتي، وفهمه للانسان العراقي ومجتمعه، والرؤية الحداثوية في استلهام الموروث والاسطورة والرموز والحياة، من تاريخ شعبه وواقعه، وأستخدامه في أعماله الفنية .
المصادر:
_____________
1- طه حسن ، تجنيس السيناريو، ( الدار الثقافية للنشر، ط1 2010 ، القاهرة) .
2- دليل المعرض الشخصي التاسع / قاعة المتحف الوطني للفن الحديث / 1984
3- ملحق جريدة الثورة / العدد 23 ، 12/ نيسان / 1979، محمد عبد المجيد .
4- عادل كامل ، خمسة تشكيليين من كردستان العراق، ( حكومة اقليم كردستان ، وزارة الثقافة ) ط1 ، سليمانية، 2003 .
5- عادل كامل ، الفن التشكيلي المعاصر في العراق: مرحلة الستينات، محمد عارف من الطبيعة الى الرمز.( دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986) ص206
6- هيغل، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي،(دار الطليعة، بيروت،1978) ص395.
7- عاصم عبد الامير، الرسم العراقي: حداثة تكييف ،(ط1، دار الشؤون الثقافية،بغداد ، 2004 ).
|