عنوان المقالة
في نصوص وليد رشيد الخزفية
الكاتب
عادل كامل/ بغداد
التاريخ
2010-06-27

 

 

 

 

في نصوص وليد رشيد الخزفية

أشكال تستنطق مخفياتها وأخرى قيد الانبثاق

 

 عادل كامل

 

[1] إشارة

بعد العام 1990، تقلص دور الدولة في دعمها للفنون، وللثقافة، باستثناءات لا علاقة لها بما أنجزه جيل الرواد، في سياق التحديث ـ والحداثة في التشكيل العراقي. على أن نشاطا ً ملحوظا ً للقاعات الأهلية، شكل ظاهرة أتاحت للأساليب الشخصية، إلى جانب رسومات الاستشراق، والاستنساخ، وتصوير الطبيعة، بالظهور. كما كان لوجود الأجانب، بالرغم من بدء الحصار الكلي، أثره في عملية إنتاج الفن. فلم يثمر الحصار، في الأخير، حتى بعد عام 2003، إلا عن هجرة عدد غير قليل من التشكيليين، إلى عمان بالدرجة الأولى، والى دول الجوار الأخرى، ومن ثم إلى أوروبا، وعن تسرب الأعمال الفنية، للفنانين الأوائل وللرواد، غير المقيد، من ناحية، والمنظم للأعمال النادرة والثمينة من ناحية ثانية.

     على أن مشروع (التحديث) لم يتوقف، وإن كان قد تعثر، بفعل مؤثرات الحروب والحصارات المزدوجة (خارجية كانت أو داخلية، أو معا ً) في العثور على بدائل (للخامات وللأسواق، أو للعثور على أساليب فنية جديدة للتعبير أيضا ً) قد مهدت لظهور اتجاهات ونزعات فردية تداخلت فيها المؤثرات والتقنيات للتعبير ـ بالدرجة الأولى ـ عن مغامرات وتجارب كان للخلخلة العامة أثره في مساراتها، وتحديد هويتها.

     في هذا المناخ، ستتجدد أسئلة لا تخص الموقف الانطلوجي، بعد أن لم تعد للأيديولوجيات رهانات تذكر، بل لموقف الفني. فالصدق لم يعزل عن كينونة الفنان. وأيا ً ستكون عليه نهاية الاختيار، فان الهجرة المتعاظمة للفنانين، ستشكل مساحة للامتحان. ما الفن .. ما المعنى .. إزاء تصادمات عالم تخلخلت ثوابته واضطربت، كي لا يغدو التنصيص، والمحاكاة، والتزيين، والفن كأقنعة، وكسلع باذخة، بديلا ً لمغامرة الفنان، لا في اختيار أكثر المناهج راديكالية، بل للتعرف على (كينونته الحقيقية): هل المعنى قيد التداول، أم، على العكس، لا يخفي إلا تلاشيه؟  فأي اختيار ـ والصلة مع الخامات ليست عدائية أو للاطمئنان، بل للتحري والبحث ـ بإمكانه أن يخلق توازنا ً بين الذات والخارج؟ بين مشروع الأمس، وما هو غامض ومجهول؟

     وليد رشيد، لا يتخلى عن المواجهة: كيف ستتم سبل الإمساك بما هو قيد المرور، والتبلور، ضمن مساحة تشهد حقبة نادرة من التصدعات، والتصادمات، والاختبارات، حقبة لا آمل بالعثور على خاتمة لنهاية تحولاتها، وإنما ـ على العكس ـ لا تترك إلا انطباعا ً بالذهاب وراء أي احتمال لاستقرارها، أو تبين معالمها. وقد أدرك  وليد رشيد ـ وربما حدس أو راح يتنبأ ـ  أن كيانه، كخزاف، سيبقى في مواجهة الطين، لرسم  حصيلة مشتركة بين جسده وعلاماته الخزفية. فثمة وحدة بينهما، تخفي جسورها، للتعرف على وجود يتم اختباره من الداخل، بصنعه، وليس لتأمله، أو للإقامة فيه، والقبول بالنهايات قبل أن يتم تدشين مقدماتها. ذلك لان فن الخزف، مع انه بعمر النار المكتشفة، وبعمر الأصابع في عملها السحري، إلا انه مكث لصيق ما يخفي من نبضات تحرك اليد وتتلاعب بالنار والفضاءات. فليس الغاية أن تكون هناك غايات، وآثار، أو علامات باذخة، بل العمل على تعرية الثوابت التي أفضت بالوجود إلى اغترابه، والى ما يشهده من قهر، واستلاب للكينونة، والى تلاعب بخلع الأحلام أو التحكم بها، أو جعلها سلعا ً، وأقنعة للتداول، كل هذا دفعه إلى التمسك بالمغامرة ـ بمعناها الوجودي ـ  بعيدا ً عن مفهوم الرضا بالمنجز الخزفي كجوهر وحيد، أو بصفته كنزا ً، أو مكسبا ً للربح، ولكن بالتوغل فيه، كي يأخذه إلى المناطق النائية: ما الذي تخفيه الأشكال، إن كانت لا تعلن إلا عن لغزها، وأي لغز معاصر، بفعل تركيبة العصر، عدا زواله أو إنهاكه بالاستخدام، له جاذبية الاختيار.. ذلك لأن الأدوات لم تعد وسائل لصنع أدوات، بل لتدميرها، في ما تبحث عنه وهي قيد المعالجة، أي ليس لأنها قيد الغياب فحسب، بل لأن بذور الخلق مازالت تمتلك غوايتها، مع، وضد من يتبناها.

     بهذا الهاجس، يدّون إشارة ـ بتلقائية لم أجدها بهذا العمق عند خزاف آخر، من أساتذته أو من زملائه ـ تخص عمله كخزاف لا يناور بالصدق، إلا إذا كان الأخير يخفي دينامية لا يتكرر فيها القهر فحسب، بل الأمل، ولكن لجعل المعنى اقل وضوحا ً، وإنما أكثر سحرا ً أو جاذبية:

[2] شهادة يدوّنها الخزاف:

 [ إني بحاجة لأن أشعر و أقبض على الحياة أمام عيني, أو بالأحرى لدي الرغبة في إمساك كل ما يدخل إلي من العين والجلد. ففي كل لحظة تتعين فكرة وكل فكرة قابلة للعبور إلى الفن. وكيفية ترويضها لتصبح فكرة قائمة على علاقة الشيء الشكل والشكل الشيء, ضمن نسق بصري و بنائي. دائماً هناك علاقة بين المفردات المتواجدة في الخراب والخراب نفسه.

الخراب, هو التجربة الحسية بالنسبة لي والحيوية التي تدفعني نحو اتجاهات مختلفة ومن هنا يطرح مفهوم استخدام المفهوم للتعبير عن الفكرة, والمواد لبناء الفكرة, والاختزال لتنفيذ الفكرة, والتكرار للدخول في نظام الفكرة.

 كلها ترصد الإيقاع الموجود في اللحظة. لذلك العمل الفني عندي لا ينمو من خلال خطة ذهنية مسبقة لكنه ينمو بفعل قرارات لحظية عفوية تتمثل في عمل عدد هائل من القطع الفنية التي تكتمل خلال فترة طويلة من التطور والنضج الذي يسمح بحدوث التغيرات بشكل عفوي و طبيعي.[ الدوحة ـ 2008]

 

[3] للمقارنة

 عندما كان وليد رشيد منهمكا ً في التحري عن علاقة ما، لا بينه وبين الطين، ولا بينه وبين تاريخ الخزف، ولا بينه وبين ما سينتج من خزفيات فحسب، بل بينه وبين نفسه، وهو  مازال طالبا ً في معهد الفنون الجميلة (1985) ببغداد، عندما كانت واحدة من أهم الخزافات تعمل على تحرير ذاكرتها من التابوات، والأقنعة، وقد تخلت عن مفهوم صناعة الخزف، كمهارة، واستبدلتها بمنهج يجعل من الفن حياة غير فائضة ولا تعمل بمعزل عن ديناميتها. وفيما بعد، بعد عقد، أقامت نهى الراضي استعراضا ً خزفيا ً/ شعبيا ً/ رمزياً، لقبائل وكيانات وأفراد وحيوات ودمى يوحدها حنينها لزمن لم يدشن بعد، أو لزمن لم يختف في ماضيه. كان حنينها للمجهول، قد جعلها تؤدي دور الساحر، للامساك بما لا وجود له، عدا أن أحدا ً لم يشك بمروره كطيف، أو كومضة. هنا، يخّيل إلي ّ أن المقارنة بين خزفيات وليد رشيد، وخزفيات الراضي، ليست مجحفة،  لأن كل تجربة لها لوعتها، ولها ما تخفيها، وما تعلن عن استحالة إعلانه. إنها ذات المخفيات التي تشكلت في جرار حفظ الأجنة الهالكة، وفي أحداق الدمى الطينية للآلهة الأم، ولأشكال تماثيل الأسس العراقية القديمة، حيث مكث الخزف يحكي الذي لم يعد إلا غائبا ً، إنما في حضور الأثر. فقبائل نهى الراضي، وخرزها، وصناديقها، ودماها، وحصاها الملون، وأسرار حداثة بدائيتها البكر، غير الملوثة، كلها، قد أسرت بصر، وقلب، أو عاطفة وليد رشيد، حيث أصبحت قبائلها مساحات لعالم مغاير، يتسم بواقعية سحرية، مشبعة بالمرارات، وبجماليات مثخنة بالجراح، والكدمات الرمزية.

     على أن الحدود ستتسع بينهما، إنما ليس لصالح منح الخزف جماليات أحادية، أو تركه يغدو تحفا ً لتزيين القصور، بل للعمل في تقصي  إمكانات الخامات، والتكوين، وفن التزجيج، في صياغة لغة متجانسة مع حداثات الرسم، والنحت، وباقي الفنون في ذهابها إلى  الفن الخالص، بعيدا ًعن انضوائها تحت الولاء الأيديولوجي، أو المتعارف عليه. فالحرية ـ هنا ـ لا تتبنى العشوائية، بل تتقصى قوانين البناء، والمعالجات، ذات الأبعاد المكتشفة، بفعل التطور العلمي، لكن في حدود الحفاظ على علاقة (ما) مع الخزاف، وليس في القطيعة معه.

     علاقة (ما) لم تنتجها الشكوك العميقة التي صاغتها الحداثة الأوروبية، في اعقد مآزقها، بعد أن تحدث (هيغل) عن موت الفن فحسب، بل في مفهوم مواجهة المجهول الذي انتهت إليه الحداثة، في هذا المأزق. فإذا كانت (صلة) الفن عضوية بالفنان،  فإنها ـ في الحداثة ـ ستغدو علاقة ذات أهداف محددة.   وليد رشيد، لم يعد يحفل بالمشهد الجمالي، أو النفعي، أو في استخدامات الخزف في الصناعات، وإنما عمل على خلق صلة ـ وليس علاقة ـ مع مشروعه الخزفي. بيد انه لا يمتلك إلا أدوات، ومدارس، وتقنيات عصره: الخامات والخطاب. فلم  يعد الماضي (الذاكرة المخبأة) وكل ما سيشكل الموروث المتنوع لحضارة بلاد ما بين النهرين، والحضارات الأخرى، إلا ما يتوجب اكتشافه، في ضوء: الزوالات ـ المجهول. فلم يعد الفنان يمتلك إلا وعيا ً قلقاً، مصدّعا ً، لن يسمح له بأكثر من خوض مغامرته في مواجهة عالم لا يعد بشيء. فحتى الدمى الأولى، بما تمثله من علامات لأفعال سحرية، وبما تمتلكه من صلة بصانعها، ضمن دورة: الموت ـ الولادة، لم يعد للحداثة، هذا السحرـ بولادة ما أكثر من مأزق خلفتها الحروب الشاملة، وليس أكثر من أنظمة لم يعد (الميتافيزيقي) فيها يعمل إلا بلغز هيمنته على المصائر. فالفن ليس محض سلعة، قيد التداول، بل سلعة لها ثمنها. فأي معنى للفن يسمح باكر من مهارات، وأكثر من دمج الفن في آليات الحياة وديمومتها.

     وليد رشيد، في مجموعاته الخزفية، لم يفقد هاجسه بالتفكير الجمعي. إلا أن شخصيته لن تتوارى، ولكنها، ستعمل عمل الطيف، في منح الأجزاء، مكونات المشهد الكلي. فالفنان يحافظ على مفهوم البنائية، بصفتها ترث مفهوم (الإنبات) في مواجهة التفكيك ـ الهدم. وبمعنى (ما)  فانه ينحدر من الحاضر ـ حاضر الحداثة ـ وما بعدها ـ إلى الخلف، محّملا ً برموز، وعينات، وأشلاء ما أنتجته تصادمات ـ اغترابات، مجتمعات بلغت ذروتها  في اقتصاد السوق، وتطبيقات العولمة في بناء خرائط بشرية جديدة.

     ففي نماذجه المتنوعة: لقى/ كسر/ أشكال عضوية نباتية وحيوانية/ أبواب/ صناديق وأشكال هندسية غير منتظمة/ مربعات ودوائر وأقواس/ مخلفات تالفة/ أواني محورة/ أجساد تكعيبية/ نماذج مكررة وأخرى نصف هندسية/ خزف تقليدي مهشم/ عتيق/ مزخرف بعفوية/ علب/ أشياء صناعية ..الخ تتجمع هذه العلامات لمخلفات حضارة لم تتعرض لمحو، بل للرفاهية في ذروتها: الاستهلاك ـ المعنى العميق للجوهر وقد أفصح عن لغزه. هنا، تكمن لغة الخزف، كلغة يومية، كفت أن تعرض في المتاحف، أو الصالات. فالمدن الحديثة، تكونها عناصر انتظمت بمشروع كلي، حتى أن ( الصنع/ الإنسان/ الحرفي الأمهر) ليس إلا حرية مقيدة بالتداول، وليس باستئناف المعنى، أو فلسفة الحياة. فالفلسفة ستكمن في تخلي (الذات) إلا عن استكمال دورة (الحداثة) للشروع بتدشينات جعلت العلاقات خاضعة لبرمجيات كلية، لا يعمل فيها الفن، إلا كعمل التخصصات الأخرى، في بلوغ النهاية.

     الخزاف، وليد رشيد، في المشهد الجمعي، يجمع أشلاء خاماته، وكأنها انفصلت عنه، وليس كأنه ـ هو ـ الذي ابتعد عنها، أو راح يراقبها عن بعد. فثمة ـ بفعل استحالة دفن البذرة حد الموت ـ اضطراب في المعالجة، وفي الأشكال، وفي الألوان، وفي التكوين، ينتظم برؤية تجعل أعماله الخزفية وكأنها في حلم؛ حلم يصعب تأويله، وإعادة بناءه، إلا بصفته يستكمل انهدامه، وتلاشيه. على أن تأويلا ً آخر يستحق الإشارة، هنا، غير معني بالوثيقة، أو المرآة، يكمن في الموقف النقدي، للفنون في توازنها داخل عصر تكونه لا معقوليته، وأنظمته القهرية، حيث الواقعية، في هذا السياق، لا تمجد الأشكال، بل تجعل منها لغة معارضة، راديكالية، تحرى عن اللا مرئي الكامن في المرئيات: الأجزاء المركبة لمشهد تضبطه خلخلاته، وفجواته، بما يتمتع فيه من عقلانية، وقسوة، وانضباط.

[4] الجسد

     مع أن خزفيات وليد رشيد تتميز بالرهافة، وتنوع الموضوعات، إلا إنها تكاد تقطع صلتها مع الماضي. هذا الانطباع متأت من معالجات الخزاف الحديثة، لكن لموضوعات لم يغب عنها الجسد (كأقدم علامة تضمنت لغز الانشغالات غير الوظيفية)، أو الانتساب الى تاريخ يصعب رؤيته ساكنا ً. هنا لا يتداخل المكان بالزمن/ الحركة / بل يسكن الزمن المكان ليمنحه زمنا ً مغايرا ً، يمتلك سمات الارض وعملها. فالاغتراب سيقترن بضرب من الانخلاع المكاني (وهناك أمثلة لخزافين عراقيين مثل مقبل الزهاوي، وفريش كانيكنيان انحازوا إلى موروثات مجاورة، أو نائية، أو حديثة). فالخزاف لم ينسج (يبني) بأي اثر رجعي للأساليب القديمة (كما سيفعل محمود عجمي مع الدمى والآلهة الأم العراقية)، وإنما، عبر لا شعور سحيق في عمله، لن يجعل من الحداة حارة، أو كأنها خارج الزمن. على أن اختياره المبكر، والمتكرر للجسد، سيرتقي بمعالجات الخزف من الخاص إلى العام، إنما بالحفاظ على رؤية لا تعمم، أو تذوب داخل طغيا العلامات المعاصرة. حذر الخزاف، لا يخص وعيه بالأسلوب، والحفاظ على سماته، بل لأن رؤية الخزاف لم تعد تفصل وعيه الفلسفي عن منجزه الفني ـ العملي. وفي هذا السياق لم يغب الماضي (الأشكال البشرية المقترنة بما تخفيه، أو ما تعلنه، في مختلف الحضارات) كحقيقة زمنية، كي يواجهنا كإشكالية محفزة لسلسلة من التأملات. فإذا كان الفن، في دوافعه البكر، ولد كنفي للموت، فانه لن يغدو خلاصا ً إلا بصفته قيد المعالجة. إن حضور (الفكر)، هنا، هو حضور الخزاف، وقد وجد إقامة تعزز بحثه في موضوعات الجسد، الإشكالية ليس الذكرى. فالموت يتستر داخل خامة الطين، يسكنها، بلا حضور معلن أو محدد.  فالمعالجة التركيبية منحت مفهوم (الماضي) أن يأخذ حضورا ً لم يستعر أشكاله من الموروثات، بل من العملية البنائية وقد فرضت ضربا ً من الحركة، والتتابع، والتصادم، كما سعت المستقبلية الايطالية في تصوير العالم كثورة متأججة،  مغايرة لكل سكينة.  وليد رشيد، في سياق آخر، يسمح لحواسه مجتمعة أن تعمل على (هدم ـ وبناء) أشكاله: جسده. فإذا كان ـ على حد كلماته ـ يصدم الكتلة، فهو، عمليا ً، يتركها تمثل صراعها حد إعلانه، ككائن لا يمتلك إلا هذا الإعلان: الحضور. فليس ثمة ماض ٍ لأشكال نموذجية، أو نمطية، أو جمالية، ممجدة أو ذات شأن، بل الجسد عنده يكاد يسرد بصمت ناء ٍ مأزق العناصر وقد اخفت انحيازها إلى أي مسار أسطوري. فالطين غدا كتلة، ذات شكل، وقد اتخذت من الإنسان نموذجا ً في مواجهة فراغات ـ فضاءات، مشغولة بالحدود، فالفراغ امتداد لفراغ. انه ضرب من الكتلة غير المرئية، يخترق الجسد ـ الكتلة، كي لا يستقر فيهـ إلا بترك الجسد علامة متحركة، أو قيد المشاهدة.

     لم يكن الخزف التقليدي، في معظم الحضارات، ليستبدل دور النحت، في زج مجالات من غير اختصاصه، ومنفصلة عنه، إلا أن الموروثات الأقدم، عندما لم تكن ثمة جنسانية قد فرضت قطيعة بين الذكر ـ والأنثى، كان فن (الطين) علامة تتمتع بعمل اللاشعور، في تقصي العلاقات بين الإنسان والكون، وبين الإنسان والإنسان، ومن ثم، الغوص في فضاءات الداخل. كانت الآلة الأم جسدا ً يعمل بلغز موته المتتابع، فثمة ولادة بمثابة هيمنة لقوى ما جعلت من الأم مركزا ً خال ٍ من المحيط. فالجسد ليس (جسدا ً) مقسما ً، إنما يعمل كوحدة سابقة على تقسيم العمل، وسابقة على العدوانية، التي ميزت نشوء المدن، وبدء تاريخ التوسع، وفنون القسوة والتدمير. وليد رشيد، لا يتمثل إلا عمل البذرة، كبنية مستقلة، تجاور بحثه في عصر تتجمع فيه (الأجساد) و (الأشياء) و (الأفكار) بلا مركز، عدا أنها تواجه اندماجها ـ وتلاشيها، كصراع غدا ظاهرة لا تقهر، عدا أنها تترك خدوشا ً غائرة  تصبح منطقية، طالما (الأفكار) تعيد للجسد نشوته، وهو يكف أن يكون منتصراً.

[5] متجاورات ووحدة

     وان كانت استجابة الفنان الشرقي، عامة، والعربي خاصة، للحداثة الأوروبية، شكلانية؛ بمعنى أنها لم تمتلك إلا أن تشكل سلسلة من الصدمات البصرية،  وأخرى على صعيد تذوق الفنون ومكانتها في المجتمع، إلا أن عمليات التوليف، والدمج، والتحوير، والتركيب، والتنصيص، أسهمت ـ ضمن مشروع التحديث العام ـ ببلورة أساليب لها نماذجها في الموروثات القديمة، وفي الذاكرة البصرية الشعبية.

     وليد رشيد، لم يستغن عن النحت، ولا عن الرسم، ولا عن المنجز الريادي ـ والستيني في التجربة العراقية، في منح (التجريب) شرعية قائمة على: ان البحث الذي لا يستند إلى نظرية (رؤية)، يماثل، في نتائجه، العشوائية في توخيها أن تكون خلاقة. فالتجريب، كمنهج، أفضى بتحرر الفنان من الصيغ الراسخة، وسمح له بقلب المفاهيم، والتنقل بين الفنون، والغوص في أعماق الخبرة البشرية.

     لقد كان لحياة الخزاف، بعيدا ً عن الوطن، أثره في انبثاق مسارات منحته ـ كخزاف ـ تجنب تكرار نماذج استنفدت طاقاتها، وأشكالها، لا في التعبير، بل في الوجود. الأمر الذي جعله إزاء أسئلة لم تغب عن رواد التشكيل في العراق، لا عن جواد سليم، أو شاكر حسن آل سعيد، أو محمود صبري. على أن المتغيرات الدولية، والمحلية، أسهمت بقلب تلك الأسئلة، وإنما في الاتجاه الذي وحّد التجربة، ومنحها ركائز فلسفية ـ جمالية ـ لم تتقاطع فيها إبداعات الزمن ـ في لغزه ـ وليس في تدفقه، أو وقفاته، أو عبر حركته. فثمة ما [لم] لم يدشن، كما ستتطرق تجارب (ما بعد الحداثة) إزاء الجمود، والمآزق، التي بلغتها الحداثة الأوروبية. 

     فما بعد الحداثة سعت لـ: " نقدا ً راديكاليا ً للفلسفة الغربية لأنها ترفض عمومية اتجاهات الفلسفة. إنها تنطبق على الحركات التي تشمل ما بعد البنيوية والتفكيكية والتعددية الثقافية والنسبية الجديدة والماركسية الجديدة ودراسات الجنس البشري ونظرية الأدب .."  إنها: " تؤكد على دور قوة العلاقات والتشخيص والخطاب وأهميتها في بناء الحقيقة ورؤية العالم" *

     فأشكال وليد رشيد النحتية، تتناص مع المنجز الأوروبي، والعالمي (ومع تراثات البلدان المستعمرة لأزمنة طوية / أي البلدان عديمة الهوية، والتي مازالت تشتغل في لعبة الأقنعة) لا في مفهوم الموروث الشعبي الحديث (البوب أرت) فحسب، بل في النحت وهو يمضي عميقا ً باتجاهات غير محددة. فما بعد الحداثة، في ذوبانها بتيارات وموجات العولمة، تستعيد معالجة مآزق الهوية ـ الذات ـ إزاء المعنى. وسُتمنح (الحرية) أقصى درجات التجريب، حد الخلخلة، والاضطراب. ووليد رشيد، ضمن هذا كله، سيتمسك بالأشكال: النحت بصفته جدران، وآثار، ومخلفات، ورموز بشرية، لا تمتلك إلا أن تتعكز بتراثها. فثمة عزلة، وفراغات، وقسوة، وتلقائية، سيستخدمها الخزاف في  المعالجة. فهو ـ أحيانا ً ـ يهدم، وأحيانا لا يوثق سوى انهدامه.    

فالأشكال تكف عن النطق. إنها لا تصمت، بل تخترع جسورا ً بين الذات والعالم، والمتلقي والخامات، لا تمتد بل تميل، وتتقطع. فالمعنى ذاته غدا عتيقاً؛ أي: باليا ً. واللا معنى الكامن في خاتمة كل المقدمات اللا منطقية ـ والمنطقية، لا يصمد إزاء عصر لا تصمد فيه الأساليب إلا في حدود حضورها. فالمتحف ذاكرة ممحوة، ولا يتضمن إلا آثار عفن، وأشلاء متناثرة، وحيوات تخترعها وتصنعها برمجيات ومحركات مجموع القوى البشرية. إن وليد رشيد، عمليا ً، يتمتع برهافة، لكنه لا يتجنب أساليب السوق، وعمله الشائك. فإذا كان ـ في هذا المنحى ـ ينتقل من النحت إلى الفخار تارة، ومن الفخار إلى النحت تارة أخرى، فانه لن يبعد الرسم، كسطوح متداخلة بدراجات القيم اللونية، ورمزيتها، وبخلوها من المعنى عدا موقعها في النص، يشترك في الاندماج، كي لا ينمحي. إلا أن دخوله في صخب الفن ـ كحياة خالصة ـ سيسمح له ـ في عشوائية الأساليب وسلبيتها التنافسية ـ باستنشاق ما يكفي للتمتع بانجاز نصوص تنعدم فيها الأبعاد. فالتلوين الخزفي يهدم، كي يغدو نحتا ً، والنحت، يتخذ أشكالا ً هندسية، ويلوّن، كي يقترب من الخزف، إنما الخزف المضاد للخزف، جماليا ً أو بحسب استثمار العلامات. فلم تعد نصوصه تمجد الأشكال، أو المضامين، ولكنها لا تنفصل عن حدوس جمالية لم تدمرها العولمة، ولم يدمرها السوق بعد، تعمل كالبذرة وقد اكتنزت بنظام: التستر ـ والإفاقة. هنا، يدخل الرسم ـ بعد أن تحولت الأشكال النحتية، والخزفية إلى شواخص، وعلب سكنية ـ كبهجة غامضة: فالشخابيط، وألوان الوحل، والرماد، تسمح للألوان الصريحة بعملها: اشراقات لا تخفي ومضات آتية من البعيد، أو، بفعل التصادم، والتآكل، فالعوائل اللونية المستخدمة، في الأعمال الجدارية، يتم اختزالها حد الصفاء. إنها لا تنتمي إلى التجريد، بل إلى ما بعده، وكأن الفنان يتوخى اللا تعبير، في التعبير، تعبيرا ً عن (إنسانية) تنحدر إلى ماضيها: عفن عند السواحل، أو رماد في المغارات. فالخزاف وليد رشيد، يغدو رساما ً مستقلا ً تارة، مثلما يلوّن مجسماته، وجدارياته النحتية، تارة أخرى، كي تندمج الأجناس في جنس ثالث، كبعد يوثق اشتباكه مع مصيره، كفنان لا يكف يحدث خدوشا ً في جدرانه، من الخارج، وحفرا ً في العمق، في الزمن، لعل للومضات لغة لا تمنح الزمن إلا معناه غير المحتمل؟

* [قراءات في المصطلح] ترجمة وإعداد: ناطق خلوصي. دائرة الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ص178

* سيرة

ـ ولد في بغداد 1963. درس فن الخزف في معهد الفنون الجميلة ببغداد ـ 1985. أقام عددا ً من المعارض الشخصية في قطر ولندن والأردن، كما شارك في بيناليات عالمية. وشارك في ورش عمل في ايطاليا والمغرب واليابان والدنيمارك. وحصل على عدد من الجوائز والشهادات لتقديرية. وله مقتنيات في عدد من المتاحف والقاعات العربية والأوروبية.

[جريدة الزمان الدولي/24/6/2010]

 

 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى موسوعة الفن التشكيلي العراقي - 2005

ادخل بريده الالكتروني:
ادخل بريدك الالكتروني:

ارسل الصفحة لصديق