- مؤيد داود البصام
أقيم في أروقة القاعات الفنية في العاصمة بغداد، خلال الأشهر الأخيرة، من بداية عام 2010، العديد من الفعاليات الفنية لمعارض فنانين بصورة جماعية وفردية. فقد أقام أساتذة معهد الفنون الجميلة في قاعة المعهد، قرب معرض بغداد الدولي في جانب الكرخ، معرضهم الذي ضم أعمال ستة وعشرون فنانا، من أعمال النحت والرسم، وتراوحت الأساليب ما بين المناهج الواقعية والتعبيرية والتجريدية، مع الأخذ بالبعد والقرب ما بين منهج وآخر، كالواقعية التعبيرية أو التجريدية التعبيرية، ولكنها بالعموم أعطت صورة للجهد المشترك الذي قدم به المعرض، بالرغم من أن بعض الأعمال ظهرت في معارض سابقة للفنانين كمعارض شخصية أو مشتركة، وواضح قلة ما عرض من الإعمال الجديدة، تميزت أعمال الفنان وليد نصر الله باستمرار اشتغاله بالمنمنمات، بنفس القوة التعبيرية التي تبثها وخطوطه الصلدة التي تظهر مدى الوثوق من القدرة الأكاديمية، ومعالجته اللونية وهي إبداعات متميزة، وكانت لوحة الفنان احمد حيدر ملفتة للنظر، بقوة التنصيص في تجريدياته واستحداث الملمس على سطح اللوحة ضمن أمكانية لونية باستمرار تجربته لإحداث الصدمة في الرؤية، بينما لم تعرض الفنانة فردوس إسماعيل أعمالا جديدة، وقدمت لوحات سبق أن عرضتها بأسلوبها الهندسي والتأكيد على الأهلة كرؤية جمالية فيها خصوصية شرقية، بألوانها البني الفاتح والبيج ومقابلها البني الغامق والانفتاح على الفضاء بألا لوان الفاتحة وغلقه بالألوان الغامقة، في الوقت الذي تستمر الفنانة أنغام محمد جواد بأسلوبها الغنائي، في أغناء تكوينات المرأة وصورتها المحلية بمختلف أطوارها، بألوان زاهية، مع ملئ سطح اللوحة بالكتلة والشخوص، والتغني بالفلكلور فيما يخص العنصر النسائي، أما الفنان محمد جايان فقد عرض أعمالا بتكويناته التجريدية التعبيرية، حدد مسار الإعمال الثلاث اللواتي عرضهن بإظهار التباين بين التنصيص والشكل، وإعطاء الملمس بعدا جماليا يتداخل من خلال البناء الهندسي للوحات بالمربعات والمستطيلات اللونية، وزج الأشخاص (fuggier) وهميا للبعد التخيلي لتقريب التعبيرية مع التجريد إلى رؤية المتلقي، وامتازت لوحة الفنانة نبراس هاشم ذات الألوان الخضراء، من بين اللوحتين التين عرضتهما، إذ أنها عرضت لوحتين، ففي لوحتها المنفذة بألوان الزيت على الكنفاس بالون الأخضر ومشتقاته بتشكيل مدروس بين الخط واللون، متخذة أسلوب التجريدية التعبيرية كأساس في بناء اللوحة، من حيث الخطوط اللونية المتداخلة مع المساحات اللونية، وإعطاء المساحة اللونية المؤثرة للكتلة في أظهار الفضاء محمولا بثقل القاعدة اللونية وتقسيماتها اللونية بخطوط حادة، وتبقى اللوحة الثانية ذات الفضاء المفتوح المنفذة بالزيت والاكريليك، أقل أشياعا لونيا، أو أكثر دقة أقل دراسة لونيا كما نجحت في اللوحة الأولى، فالقيم الجمالية فيها مشوشة بالعكس من الأولى فيها نضوج لوني وفكري، لاشك أن هناك إعمال رائعة ومميزة في المعرض، وبالمقابل هناك أعمال ضعيفة في تكويناتها، لا تعبر هذه الإعمال كمنتج لأساتذة سوف يوصلون مفردات العملية الفنية إلى طلبتهم، فهناك ضعف في البناء الأكاديمي أو في دراسة اللون، أو لا شيئية الفكرة في بعض الإعمال النحتية المعروض، كونها أما مستنسخة أو منقولة، فالي متى نرى إعمالا متأثرة بإعمال ( جياكومتي )، فقط ؟ لابد من الخروج من هذا الطوق إلى عالم أرحب تنفيذا، لا بأس في استثمار الفكرة ولكن التوقف عند استثمار الفكرة والتنفيذ بصورة مباشرة وتقريره، في الجهة المقابلة حظي المعرض بإعمال مميزة، من حيث قوة إدراكها للون وصلابة خطوطها وبنائها الأكاديمي، ممكن دراستها على انفراد لاحقا.
كفاح عبد المجيد.. النص على حساب الشكل
عرضت الفنانة كفاح عبد المجيد أعمالها في قاعة المعارض في كلية الفنون الجميلة، وهي استمرار لأفكار وتقنية المعرض السابق الذي أقامته في قاعة مدارات العام الماضي، إذ تضع المضمون كأساس لبناء اللوحة، وبالتالي يفرض النص وجوده على الشكل، استخدمت الرموز الدينية لبث رسالتها، والاتكاء على الرمز ليس كرمز خالي القصدية وإنما بقصديه مسبقة كموضوع، وبالتالي تفقد اللوحة عنصر الدهشة وروح النشوء المدروس بتلقائية وعفوية، استخدمت في أغلب لوحاتها خلفية مضيئة بتدرج الألوان الفاتحة، وسيادة اللون الارزق بزهوه، ليأخذ مساحة واسعة في الفراغ لكتل سطوحها بارزة على اللوحة، ولكن ضعف الخط وعدم نضوج اللون، أفقد الموضوعات قدرتها على البث، وظلت اللوحات تتحدث ولكنها لا تظهر قيم جمالية أثناء حديثها، وهذا يتطلب ممارسة وإتقان أكاديمي، وتجريب أغناء البصر بعذوبة الالون، بروح فيها توافق وانسجام بين اللون والخط والنص، أي أن يمتلك الفنان عفوية الصياغة، وقوة الصنعة ليغادر المباشرة والتقريرية، ويوقع فنه في منزلق التنظير .
صادق جعفر وتواصل التجربة
استضافت للمرة الثالثة قاعة مدارات للفنون في الوزيرية، معرض الفنان جعفر صادق، بروح تجريبية جديدة ومختلفة عن التجربتين السابقتين، خرج فيها عن أطار الواقعية الفوتوغرافية في معرضه الأول ( الجسد ) التي برهن فيها عن حرفية وإتقان أكاديمي عالي المستوى، وعن معرضه الثاني ( تشظيات الجسد ) الذي أضاف رؤية جديدة لبعده الأكاديمي، وفي معرضه الثالث الأخير يدخل دائرة التأمل الصوفي خارج كينونة الجسد الإنساني، والبحث في أسرار الجمال الذي تحتفظ به الطبيعة، وإظهار أسرارها التي يصعب الكشف عنها إلا بالرؤية الحاذقة، أسرار في دقائق مصغرات ومكبرات موجداتها، في هذا المعرض رحلة إلى الكشف عن أعماق سر الجمال في سطح الورقة وهي في مهب الريح على أغصان الشجر أو مطروحة على الأرض، سر الجمال في لحاء الأشجار، تعامل مع الطبيعة كما يتعامل خبراء الأغذية والزراعة للكشف عن كيفية معيشة النبتة أو أيجاد الحلول للقضاء على الآفات التي تصيبها، وهو ما يتطلب منهم رسم وتخطيط الورقة او الجذع، كما يحدث مع جسم الإنسان، بطريقة التشريح، وهو ما يجعل بعض العلماء يهتم بالرسم للدقة والتشخيص، وهو ما قام الفنان باستظهاره، وإظهار أدق التفاصيل مؤكدا على اللون بجمالية أخاذة عالية المستويات، وان ظن البعض أنه يتحول نحو التجريد، وهو ما لم يحدث فقد ظل أمينا على واقعيته ولكن برؤى تعبدية تزيل الحجاب عن اللا مرئي، وبحث في أمكانية أن تخترق الرؤية أبعاد المحدودية إلى لا محدودية الواقع، وجمال لا يضاهيه روعة إلا رديف من روائع وجمالية الطبيعة، بسرياليتها وتجريدياتها، التي تنبثق عن الرؤية الخارقة وتجلياتها، أن الكشوف الفنية في بنية النص التي زاولها الفنان في معارضه الثلاث، تتجسد بها الرؤية الدينامكية للحركة بإبعادها المرئية وغير المرئية، أن استمرار الفنان صادق في التركيب التصاعدي للحث في بنائه الأكاديمي للشكل، والرؤية النفاذة إلى أعماق الشئ، وفي دراسة التكوين بصورة معمقة، جعلته في هذا المعرض يسارع للعبور إلى أشواط أخترق فيها البعد المحلي إلى آفاق ستتضح أكثر في المستقبل، عندما ينظر إلى أعماله ومهارته الأكاديمية في الخط واللون على أنها تأسيس لمراحل قادمة في تشكيل رؤيته البصرية، وقد كتبنا هذا في دراستنا السابقة المنشورة في صحيفة الزمان عنه، لمعرفة أبعاد تطوره وقدرته الفنية والجمالية، وما يمكن أن ينتجه إذا اتسعت أدراكاته المعرفية.
عبد الجليل مطشر والجمالية الرقمية
ومن المعارض المهمة التي قدم فيها رؤية جمالية جديدة، في مساحة الحركة التشكيلية العراقية والعربية، المعرض الذي أقامه الفنان عبد الجليل مطشر ألنوري التدريسي في قسم التصميم في كلية الفنون الجميلة، في قاعة المعارض لكلية الفنون الجميلة، إذ أخضع أعماله إلى تقنية الحاسوب ضمن تقنيات التصميم الكرافيكي، وبأدوات رقمية، مستخدما الورق الملون والطابعة الليزرية كوسيط للإعمال، وهي تجربة جديدة على الساحة الفنية العراقية، وأن سبقتها تجارب فنانين آخرين في العالم بتقنيات تصميم الإعلان التجاري، الذي أخذ مديات بعيدة في تطبيقاته، ولكنها تبقى تجربة جديدة في الساحة العراقية، بهذه الإمكانية والبعد الفني ألابتكاري، وقد عمل الفنان عبد الجليل على الربط بين الجانبين الوظيفي والجمالي، كأحد الأسس التي أنبنى عليها مفهوم التصميم، منذ أعمال فناني الباو هاوس الرائدة، وصولا إلى ما وصلت إليه تطورات المنظومة الرقمية، وقد حاول الربط بين المشاعر والأحاسيس التي تبثها اللوحة، للتحرر من تجريد وجمود الأرقام وحياديتها، بمحاولة استثمار ما وصلت له التقنيات الحديثة، لانجاز أعمال فنية، تكون خارج نطاق الإلية، وربطها بالمشاعر، أن الإعمال التي نفذها الفنان عبد الجليل تنم عن ذوق وحس فني عالي في توظيف اللون وإعطاء الخط تشكيلات المربع والمستطيل، لبث رؤية بصرية جمالية، وقيم جمالية تخترق فضاء المتلقي البصري نحو العمق، لجره إلى الحوار عن الرؤية البصرية ما بين الماضي والحاضر، ومحاولة تحول في مسار الرؤية التي أعتدنا من خلال التراكم البصري، برؤية الإعمال الفنية منفذة بألوان الزيت والاكريليك و الباستيل و قلم الرصاص، مع تعامل التنفيذ بحركة اليد غير الآلية وربطها بالمشاعر الإنسانية، وبروح الربط بينها وبين الفرشاة كأداة انسجام، وتوضيح الاختلاف بينها وبين الآلة التي تقوم بعمليات الربط الآلي الجامد، من دون هذه الأحاسيس .
أن ما وصلت إليه النواحي التجريبية في مختلف الأنساق للفنون عامة، أتاحت مجالا واسعا للتجريب، ولكن في تجربة عبد الجليل روح الإبداع ولمسة جمالية، عبرت حاجز الإنتاج الرئوي ما بين الإنسان والآلة، وتبقى هذه التجربة في حدود القيمة الجمالية للوظيفة، التي بني فن التصميم على أساسها، أقرب للإعلان منها لروح اللوحة، على الرغم مما قدمه لنا عبد الجليل بحملها روح اللوحة ودهشتها .
رعد فليح وقراءة الماضي في الحاضر
ضمت قاعة مدارات للفنون المعرض الشخصي الأول للفنان الشاب رعد فليح، (مقاربة لقراءة ملحمة كالكامش )، وفي هذه التجربة الأولى التي ينطلق فيها الفنان الشاب، أثبت حضورا بإمكانيته الأكاديمية خطا ولونا، وقدرة عالية المستوى، ولاشك أنه في قراءته لملحمة كالكامش يضع علامة في استنطاق المعنى لاستكمال البناء بين الشكل والنص كما يتخيله، لإكسابه رؤية جمالية تتحقق من خلال رؤيته الخاصة، ولكن هذه الرؤيا يجب أن تخضع نفسها للفعل الجمالي لتشكل بعدا فكريا جديدا ذا منحى فلسفي، يبتعد عن الوقوع في أسر اللا اختلاف والتقريرية والمباشرة، بدون أن يقدم معنى من أجل تقديم أعمال جمالية مجردة من الصياغة الفكرية، لاننا نقف في العصر الحديث أمام روعة أنتاج الآلة التي وصلت في مراحل دقتها بصورة مذهلة في أظهار أدق التفاصيل ، فما هي الإمكانية التسابقية لعبور ما يحقق الطموح، أن الإشكال التي عرضت تتوازى باللوحات التي يعرض عليها دعاية الأفلام في دور العرض على الأبواب، وفقدت صياغتها المعنى من قراءتها الجديدة، وهي جميلة في النظرة الأولى كتشكيل، وتفقد قدرتها على التساؤل في النظرة الثانية، وهنا مكمن التكيف بين البقاء في الالتزام بالواقعية، وإيجاد السبل لكشف اللا مرئي في جمالية الواقع، كيف يتم استنطاق الصخرة وجعلها قيمة جمالية مدهشة، تخضع الرائي للتأمل، وهي صخرة كلنا نراها كل يوم دون أن تثير فينا ما جعلها بهذه الروعة، عندما أعاد صياغتها فنان او شاعر ماهر، لاشك أن الفنان رعد أمتلك القدرة البنائية الأكاديمية في الخط وتنوع في تبيان حسه الرقيق في اللون، ولكن هذا ليس كافيا، فاللوحة عملية خلق ما بين الرؤية والحلم وقوة الحرفة، وكلها تمنح الإنسان عظمته، على الرغم من انه وهو يطور أدواته بصورة مذهلة يبرهن لنفسه عن عجز الإنسان أمام الآلة، ولكنه يبقى يسخر منها أنها لا تستطيع أن تفكر كما هو يستطيع، ولأتملك الروح والمشاعر التي يملكها، وقد وضحها رعد بثلاث لوحات من التعبيرية التجريدية، كانوا من ضمن المعروض أبرزت إمكانياته الرائعة (على الرغم من إنني شخصيا لأحبذ له أن يدخل ألآن دائرة التجريد )، أأمل أن يستثمر هذه الطاقة الرائعة، في بناءه الفكري، فهو وحده سينقله لتحقيق الطموح الذي يصبو إليه، ففيه ستأخذ طاقة المعنى مديتها لإبراز النواحي التعبيرية الكامنة فيه وفي الآخر، وتشكل لديه النصوص حالة تعبيرية تتجسد في كل عمل ينفذه، وبأي اختيار، لأنه يملك إمكانياته الأكاديمية الرائعة في اللون والخط تؤهله للإبداع والتفوق.
عايدة الربيعي .. شفافية اللون وموسيقى الخط
الفنانة عايدة الربيعي القادمة من مدينة كركوك، أقامت معرضها الثاني على قاعة المعارض في كلية الفنون الجميلة، وهي مشرفة فنية في مديرية النشاط المدرسي، خريجة أكاديمية الفنون الجميلة عام 1988، إضافة لكونها رسامة فهي كاتبة قصة ورواية ومقال، وقد حازت العديد من الجوائز عن بعض كتاباتها، في معرضها استخدمت معظم الأدوات لتنفيذ أعمالها، ألوان الزيت، الأكريليك، والباستيل إضافة إلى التخطيط بأقلام الرصاص، وفي بعض اللوحات مزجت ما بين الزيت والأكليريك والباستيل، اهتمت بشفافية الألوان ذات الطابع البارد، فجاء معرضها يحمل شفافية عالية منسجمة مع موسيقى الخطوط التي اتصفت بها اللوحات، وكان واضحا هذا الانسجام بين اللون وحركة الخطوط وروح الموسيقى التي أتسمت بها، لأنها اتخذت في معظم لوحاتها منهج التكعيبية، فادت ببراعة ما يسمى في التكعيبية حركة الانسجام مابين الخطوط المتقاطعة والأداء اللوني، لإبراز الإيقاع الحركي للشخوص او الأشياء من خلال اللون، واستطاعت أن توجد هذا الانسجام والوحدة بين الخط واللون، وقد حققت ما رسخته التكعيبية من أن رسالة اللوحة رسالة لونية، فكانت لوحاتها تتسم بهذا الطابع الذي أضفى روح الشفافية عليه، إلا أن الملاحظة التي طبعت بعض الإعمال المعروضة هو تقديمها إعمالا قديمة واقعية المنهج، تفتقد إلى الصنعة، ففيها ضعف في البناء الأكاديمي، وهو لم يقلل مما احتواه المعرض من لوحات جميلة وإمكانية أبداعية.
أرض الأجساد بلا أجساد
أقام الفنان عمر المطلبي في قاعة مدارات معرضه باسم ( أرض الأجساد )، والفنان نال درجة الدكتوراه في فلسفة فنون تشكيلية، أشترك في العديد من المعارض، وعمل في تصميم الصحف والمجلات والديكور المسرحي والتلفزيوني وكمصمم طباعي، وهذا معرضه الشخصي الأول، وأحتوى على ستة وعشرين لوحة بقياسات مختلفة، اتخذ ألأسلوب التجريدي، واستخدم اللصيق، وهندسة معمار اللوحة، إلى جانب الكثافة اللونية في بنائية اللوحة، تتسم أعماله بغنائية اللون واستثمار الطاقة اللونية لبناء اللوحة على حساب التنصيص، وهو ينحو في تأثيث اللوحة بالملمس وإيجاد معمار تعبيري، من خلال الخطوط المتحركة ضمن الأداء اللوني، و يعتمد إظهار روح الموسيقى في داخل اللوحة بحركة اللون، واستخدام الألوان الزاهية والمفرحة، ومنحها المساحات الواسعة مع الكتل اللونية الأخرى، وهو أسلوب ظهر في بناء اللوحة في أمريكا وأوروبا مع ظهور ما يسمى ( ما بعد الحداثة )، يقول الباحث الفني عفيف بهنسي، " أن الغربي يعتمد على العقل والسببية والواقع، بينما الشرقي يعتمد على الحدس والسحر والخيال " فهل نجد فيما قدمه الفنان عمر ما يشعرنا بأصالة المعروض ؟، أم يضعنا أمام عمل قد نشاهده في المكسيك أو في المغرب أو في فرنسا، وهكذا نجد أن هذه الإعمال تشترك في طابعها العام ولا تمتلك خصوصيتها، فن هجين يحس أبعاده الجمالية وما فيه من موسيقى اللون والخطوط، في أي مكان يوضع، وفي أي بلد يحط، يقول الناقد عباس الصراف في كتابه ( آفاق النقد التشكيلي )، " أن الفنان الغربي لم يأتي بالرومانتكية عبثا ولا الانطباعية عرضا، الجنس الآري مجبول على التعقيد والعمق والتدقيق، بينما السامي ينشد البساطة والوضوح لأنه يدرك الحقائق بحدسه وتأمله، فنظرته روحانية ينظر الوجود بروحه وإحساسه " ص 10، وهذا لا يعني عدم الاشتغال في منطقة التجريد، ولكن يجب أن يكون تجريد يحمل سمات وجوده الأرضي أو واقعه، لاشك أن مؤثرات الفن ألطباعي، كان لها مؤثر مباشر، على هيئة البناء المعماري للوحة الفنان عمر، ولكن هذا المؤثر أهتم بالشكل كشكل، وأسقط النص، ومن هنا لا نستطيع أن نضعها إلا ضمن مشروع عولمة الفن، لاستخراج هجين فيه ملامح كل الوجوه التي تنظر إليه، أن لوحاته قوية في بنائها العام ومتوازنة الإبعاد والرؤية، وتمتلك حس عالي في موسيقى اللون، ولكنها خارج بيئتها، أنها تقف بمسافة بين التصميم واللوحة التشكيلية، وهذه النقطة لا تنطبق على أعمال الفنان عمر، وإنما توئسس للكثير من الأعمال الفنية بمختلف أنساقها وتأثرت بما يسمى ما بعد الحداثة .
|