ذا كان تاريخ الحركة التشكيلية في العراق ، ونحن نقف الآن على مشارق الألفية الثالثة للميلاد ، قد اتخذ مساره الواضح بين تيارات الفن العالمي الحديث ، فذلك يعني بأنه يمتلك طواعية عالية في استجاباته لطبيعة المستجدات في عصر السُرع المتغيرة التي تسابق ذاتها ، كما يمتلك في نفس الوقت ، أرحب الآفاق لممكنات الحوار الفكري الحر مع سائر الحركات المماثلة في العالم ، انطلاقا" من فهم عميق للتراث الجمعية كقوة فاعلة تنتمي إلى زمنها ، وعقد الصلات الواعية بأنماطها البصرية وأساليبها الفنية، وتقنياتها الحداثية الشديدة التعقيد.
غير أن هذه الحركة التي حاولت أن تنجز الفصول الأخيرة من رواهن تاريخها المشحون بالبحث عن الشخصية الوطنية في الفن، وتوجهت ضمن منظورها الشمولي إلى بلورة مفاهيم حداثية للغة التشكيل ضمن عمليات تأليفية بين تاريخين غابر وحاضر، أصبحا في النهاية يشكلان الخلفية العريضة لهذه الحركة التي امتدت جذورها في أعماق سحيقة من تاريخ الحضارات الرافدينية القديمة، والعربية الوسيطة، مثلما أدركت في ذات الوقت أن كينونة العالم ستبقى مرتبطة بنبض وجودها الحي القائم والآتي المتجدد أبدا.
ولعل هذا الفهم العقلاني لموجبات التطور، أوجد بالضرورة المناخ الطبيعي لتنامي حركة تشكيلية سليمة المنابع، سارت باتساق تام مع إيقاع الحياة، وتصادت مع أحداثها الزمنية رغم ما تشير إليه تداخلات تلك البدايات من تغايرات وتقاطعات أملت تأثيراتها على الطبيعة المتغيرة للفن، بدءاً من جاهزيات الأشكال، وانتهاءً بمديات الرؤية الفكرية الباحثة عمّا وراء الظواهر والأشياء، وهي حالات ظلت تلح علينا في اقتراح معاينة زمكانية بكل اصطلاحاتها التي فتحت الأبواب أمام كل احتمالات التفسير التي جرت على مسارات يمكن أن نجد على سطوحها هواجس الاستلاب والتنا زلات ولوعات الأتباع. غير أن التكتيكات التي قابلتها، كانت بداية لبناء استراتيجي مبكرة لصمود الوعي بالذات وما يحيطها من ارث حضاري، وشعور بالمكاملة مع العالم، يقابلها في الجانب الأخر من العملية الإبداعية، اشتراطات التجريب والمغامرة والبحث المضني عمّا لا يمكن وصفه.
منارات وحقائق..
كانت الحياة وطاقاتها المتجددة، تبسطان ظلهما الكبير على عراق يخرج للتو من ظلمة العصور، وكأنه يتنفس هواء العالم النقي لأول مرة. وفي مساحة صغيرة من هذا العالم تجمعت أولى طلعات الفنانين لتعلن عن وجودها الحي الفاعل في عام1940 تحت عنوان يناسب الوجدان الاجتماعي في تلك الفترة الزمنية.. وهكذا ولدت (جمعية أصدقاء الفنان) وهي تحمل تباشير اليقظة الأولى لفن الذي لم يكن بعد قد اكتشف اسمه الجديد الذي يرفل بحلته الملونة اليوم:
(الفنون التشكيلية).. اسم اعتقد بأن من نحته لأول مرة في اللغة العربية، اعتماداً على مصطلحه في اللغة الإنكليزية، هو عاطر الذكر المرحوم (باهر فائق).. إلا أن هذه الجمعية قد أسلمت وجودها لأمانة التاريخ بعد معرضها السابع، وبقي الفنانون دون مؤسسة فنية تجمع شملهم حتى عام 1955 الذي شهد استجابة الحياة الثقافية في العراق، لنشؤ كيان جديد مؤهل لقيادة حركة تشكيلية واعدة، تتسع ساحاتها يوماً بعد يوم لاستقبال وجبات جديدة من مخرجي معهد الفنون الجميلة وبعض من انهر دراساتهم الفنية العالية في معاهد الفن بأوربا.
كان مساء يوم الثلاثاء الموافق 7/11/1955 موعداً مهماً في تاريخ الحركة التشكيلية، فقد سجلته في دفتر يومياتي مقروناً بأسماء الحاضرين من الفنانين، تأكيداً للدقة في توثيق الحدث.
هذا الاجتماع تم بالاستجابة إلى دعوة الفنان المرحوم الدكتور خالد الجادر في داره الواقعة في (الصليخ) وذلك لمناقشة مسودة النظام الأساسي (لجمعية الفنانين العراقيين) ولقد كان معنياً بذلك، ومخلصاً لتحقيق هذا الحلم أيما إخلاص.
وقد ضمت تلك الجلسة التاريخية أسماء الفنانين:
السيدة الفنانة عالية القره غولي والسيدة الفنانة نزيهة سليم، والدكتور محمد مكية وزيد محمد صالح وقحطان حسن فهمي المدفعي، ورفعة الجاد رجي، والدكتور خالد الجاد ر، ويوسف عبد القادر، ونوري الراوي، وكاظم محمد حيدر، وأكرم شكري، وإسماعيل الشيخلي، وفرج عبّو النعمان، ومحمود صبري وزوجته، والدكتور نوري مصطفى بهجة .
وهكذا تمت أجازة الجمعية في ضوء كتاب وزارة الداخلية المرقم 306 والمؤرخ في 15/1/1956
واستهلت الهيئة الإدارية الأولى ، برنامجها بتنظيم ( مهرجان الفن العراقي ) الذي تضمن ثمانية معارض فنية ، يضمنها أول معرض شامل يقام في العراق لرسوم الأطفال ، مما يشير إلى التوجه العلمي والفني السليم لدى من تولوا قيادة الحركة الفنية يوم ذاك ، في وقت لم تكن فيه (وزارة المعارف ) قد أدركت أهمية الدور الذي اضطلعت به الجمعية في الفن عموما" والتربية الفنية خصوصا" .
وقد نشرت جريدة ( البلاد ) في عددها الصادر بتاريخ 11/1/1956 تحت عنوان : ( في مجتمع بغداد ) الخبر التالي :
وافقت وزارة الداخلية على قيام السيد محمد مكية ورفقائه بإنشاء جمعية باسم ( جمعية الفنانين العراقيين ) تعمل على رفع مستوى الفن في العراق ، وذلك بتنظيم وإعداد المعارض والمحاضرات والحفلات وإجراء المسابقات بين الفنانين ، وإصدار النشرات التثقيفية ، ويقبل لعضوية الجمعية المذكورة كل من تتوفر فيه الشروط اللازمة للانتماء ، على أن يكون من الهواة أو المحترفين لأحد فنون : الرسم ، النحت ، الهندسة المعمارية ، الفخار المتأجج ( السيراميك ) .
لقد بقيت الجمعية تعمل بكامل طاقات أعضائها ضمن إطار توجهاتها الفنية والفكرية والثقافية ، فأقامت معرضها الشامل في بناية ( النادي الأولمبي الملكي ) في الأعظمية، وقد ضم أعمال ( 63 ) فنانا" وفنانة ومعماريا" ، وللتدليل على أهمية هذه المناسبة التاريخية المشمولة بالرعاية الملكية، قام المهندسون المعماريون، قحطان حسن فهمي المدفعي ورفعة الجاد رجي وعادل محمد صالح وآخرون بإضفاء صفة المهرجان على هذا المعرض، وذلك بتزيين واجهة المبنى بتصميمات حداثية فنية من الأقمشة الملونة تم تثبيتها على صقالات البناء المعروفة بما يوازي ارتفاع طبقتي المبنى، مما أثار اهتمام الجمهور وتعليقات الصحافة، وإعجاب المثقفين في تلك الأيام .
ولابد من الأشارة هنا إلى أن الجمعية قامت بإعداد وتنظيم ( معرض بغداد للرسم والنحت )
خلال تلك السنين الخمسينية، انفتحت الجمعية على العالم الخارجي وامتدت نشاطاتها الفنية خارج حدود الوطن، وهكذا شاركت في معرض بروكسيل الدولي في عام 1957، واستجابت لطلب السفارة العراقية في لبنان فأقامت معرض الفن العراقي في بيروت، كما شاركت في المعرض الآسيوي الأفريقي لدول مؤتمر باندونكَك، واستمر هذا التقليد ساريا" ومرعيا" من قبل الهيئات الإدارية التالية .
غير أن عام 1957 قد اقترن بأهم حدث تاريخي في مسيرة الجمعية إلا وهو الحصول على إذن ملكي بتمليكها مساحة الأرض الحالية التي أنشأت عليها مبناها الحالي على شارع دمشق، فقد تقدم كاتب هذه السطور إلى الملك فيصل الثاني مع زميله الفنان حافظ ألدروبي خلال حفل افتتاح ( معرض المنصور ) الذي نظمته الجمعية، وبكلمة موجزة ومؤثرة أصبحت الأرض منحة ملكية للفنانين .
غير أن مشروع البناء كان قد تأخر حتى عام 1964 وهو العام الذي اقترن بزيارة السيد ( روبرت كَولبنكيان ) لتفقد المشاريع الثقافية والإنسانية التي تقوم مؤسسة كَولبنكيان بإنجازها في العراق، فانضم إلى مرافقته الفنانين الدكتور خالد الجاد ر، وحافظ ألدروبي وطلبا منه باسم الجمعية رعاية مشروع مبنى المركز العام للجمعية، فوافق على المقترح على أن تتلقى المؤسسة خريطة البناء الجديد لدراستها من قبل ( البورد ) الهندسي في لشبونة ثم تقدير التكاليف اللازمة لإنجازه . وهكذا تم تكليف عضو الجمعية المعماري قحطان المدفعي بوضع الدراسات والخرائط اللازمة لتنفيذ المشروع من قبل مكتبه الاستشاري في شارع الوثبة، ثم أرسلت إلى البرتغال، وتمت موافقة المؤسسة على منح الجمعية مبلغ ( 28000 ) ثمانية وعشرون ألف دينار عراقي لتغطية تكاليف البناء، مع الموافقة على أية إضافة يتطلبها أتمام المشروع .
· وثم توقيع عقد بناء مركز الجمعية في المتحف الوطني للفن الحديث ( بناية كَولبنكيان) في الباب الشرقي من بغداد في 21/12/1964. وقد وقع العقد نيابة عن الهيئة الإدارية للجمعية السادة الفنانون:
أكرم شكري رئيس الجمعية
وحافظ الدوري ونوري الراوي السكرتير (مدير المتحف الوطني للفن الحديث)
· وقد تم افتتاح مركز الجمعية في الساعة السابعة من مساء يوم 12/11/1967 برعاية وزير الثقافة والإرشاد السيد دريد الدملوجي، وحضر حفل افتتاح المبنى والمعرض السنوي السابع للجمعية المدراء العامين في الوزارة وأعضاء السلك الدبلوماسي وجمهور من الفنانين والمدعوين.
كما شارك في هذا الحفل التاريخي الدكتور بردكَاو رئيس مجلس إدارة مؤسسة كَولبنكيان والسيد روبرت كَولبنكيان عضو مجلس إدارة المؤسسة التي تبرعت بإنشاء المركز.